سوريا بعد قيصر.. فرصة مفتوحة أم اختبار جديد؟

2025.12.24 | 01:59 دمشق

آخر تحديث: 24.12.2025 | 01:59 دمشق

3553
+A
حجم الخط
-A

لم يكن قانون "قيصر" في جوهره سوى أداة أميركية لإدارة الصراع السوري ضمن مقاربة أوسع صاغتها واشنطن بعد استنزاف خياراتها العسكرية المباشرة. فقد تحوّل القانون إلى وسيلة ضغط اقتصادي وسياسي، هدفها إعادة توجيه سلوك دمشق وربط مستقبلها بمحددات الأمن الإقليمي والدولي. واليوم مهَرَ الرئيس الأميركي دونالد ترمب موازنة الدفاع الأميركية، مع قرار رفع العقوبات المرتبطة بـ«قيصر» دون اشتراطات تشريعية ملزمة، وهو ما يبرز سؤال المرحلة بوضوح: هل نحن أمام فرصة حقيقية لانخراط سوريا في مسار التعافي، أم أمام اختبار أميركي جديد تُقاس فيه القدرة على الاستجابة لشروط غير مكتوبة؟ إن قراءة هذا التحول تقتضي فهماً عميقاً للعقل الاستراتيجي الأميركي، ولمعادلة «أميركا أولاً» التي حكمت رؤية الرئيس دونالد ترمب، وأعادت ترتيب الأولويات في الملف السوري.

قيصر في السياق الأميركي وتحولات القرار

جاء رفع القيود المرتبطة بقانون «قيصر» في إطار اختصار أميركي محسوب للمسار السوري، ينسجم مع رؤية إدارة ترامب التي قامت على تقليص كلفة الانخراط الخارجي، ومنح الدول فرصاً مشروطة للانتعاش الاقتصادي إذا التزمت بمعادلات الاستقرار. ورغم تحفظ عدد من أعضاء مجلس الشيوخ، وسعيهم إلى فرض شروط تشريعية لأجل رفع العقوبات الكاملة عن سوريا، إلا أن القرار السياسي مضى باتجاه الرفع دون تعديل تشريعي مباشر، مكتفياً بتوصيات عامة صادرة عن مجلس النواب في الكونغرس.

وإن هذا الخيار يعكس إدراكاً أميركياً بأن استمرار العقوبات الشاملة لم يعد أداة فعّالة لتحقيق الأهداف الأمنية والاستراتيجية الأميركية الجديدة في هندسة الشرق الأوسط، بل غدا عبئاً يهدد باستمرار الفوضى في الجغرافيا السورية، وفتح المجال أمام قوى راديكالية وشبكات خطيرة خارجة عن القانون. وعليه، فإن واشنطن اختارت مقاربة أكثر مرونة، تقوم على منح فرصة اختبارية لسوريا، ضمن سقف سياسي واضح، دون الدخول في مسار قانوني معقّد قد يقيد هامش المناورة والتعاون الثنائي مستقبلاً.

إن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على إدارة الموارد والمشاريع ضمن مشروع وطني يبني الثقة بين الدولة والمجتمع، ويمنح السوريين شعوراً بأن التحول القائم بداية لمسار داخلي وخارجي مختلف جذرياً.

سوريا بين فرصة الانتعاش وشروط الاندماج الإقليمي والدولي

يقدّم هذا التحول فرصة للاقتصاد السوري كي يلتقط أنفاسه، غير أن هذه الفرصة ليست مجانية ولا مفتوحة. فالرؤية الأميركية تنطلق من مبدأ ربط التعافي الاقتصادي بوظيفة سياسية وأمنية محددة، تتمثل في جعل سوريا جزءاً من منظومة الاستقرار الإقليمي، وشريكاً في محاربة الجماعات التي تعتبر تهديداً للأمن القومي ولحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط وأوروبا. ويتطلب ذلك من الدولة السورية الجديدة بناء رؤية وطنية قادرة على ضبط الفضاء العام، ومنع الانزلاق نحو الفوضى أو حروب الاستنزاف، والعمل على قوانين ومدونات سلوك تنظم العمل المؤسسي الاقتصادي والأمني والدبلوماسي. فالاقتصاد لا يمكن أن يزدهر في ظل الانقسام، ولا يستقطب الاستثمار في مناخ غير مشجع وضعيف. كما أن إعادة الإعمار، في المفهوم الغربي، لا تنفصل عن مسألة الاستقرار الأمني، وتوحيد القرار السيادي، وإدارة الموارد بعيداً عن شبكات الفساد والاقتصاد الموازي.

وهنا، إن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على إدارة الموارد والمشاريع ضمن مشروع وطني يبني الثقة بين الدولة والمجتمع، ويمنح السوريين شعوراً بأن التحول القائم بداية لمسار داخلي وخارجي مختلف جذرياً، وشعاره الأساسي أن سوريا تتسع للجميع، وبأن سوريا الجديدة في هويتها الوطنية لن تكون ضد مكوّن، أو تعتمد أيديولوجيا تعقّد العلاقات بين السوريين، وتمنح الثقة لكل المكونات والمناطق.

إن نجاح سوريا في هذا الاختبار الأمني سيحدد طبيعة انخراطها المستقبلي في مسارات السلام الإقليمي، ويؤسس لعلاقة أكثر استقراراً مع محيطها العربي والدولي.

- الأمن الإقليمي ومحاربة الفواعل المهدِّدة

أحد المحركات الأساسية للقرار الأميركي يتمثل في البعد الأمني. فالولايات المتحدة الأميركية، ومعها أوروبا، تنظر إلى سوريا من زاوية قدرتها على كبح التهديدات العابرة للحدود، وفي مقدمتها شبكات تنظيم الدولة "داعش"، والجماعات المرتبطة بإيران وحزب الله، والتي تُعد في المفهوم الغربي مصادر تهديد مباشر للأمن الأوروبي والأميركي. ومن هذا المنطلق، فإن رفع العقوبات يرتبط بتوقعات واضحة، وإن لم تُدوَّن في نصوص ملزمة، بل جرى الحديث عنها وترجمت في انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد داعش، في أن تكون سوريا جزءاً من معادلة مكافحة الإرهاب، وأن تعمل على تحييد الميليشيات غير المنضبطة، ومنع استخدام أراضيها كساحة لتصفية حسابات إقليمية. كما أن ضبط الحدود، ومنع تهريب السلاح والمخدرات، يشكّلان عناصر مركزية في هذا التقييم.

وهكذا، فإن نجاح سوريا في هذا الاختبار الأمني سيحدد طبيعة انخراطها المستقبلي في مسارات السلام الإقليمي، ويؤسس لعلاقة أكثر استقراراً مع محيطها العربي والدولي، في حين أن الفشل سيعيد إنتاج مناخ الخوف والعزل بطرق مختلفة. وبالتالي، فإن سوريا بعد «قيصر» تقف أمام فرصة حقيقية، لكنها محفوفة بالمخاطر. فالقرار الأميركي لا يمثل شيكاً مفتوحاً، وإنما امتحاناً سياسياً وأمنياً واقتصادياً متعدد الأبعاد. وإن تحويل هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق يتطلب رؤية استراتيجية سورية واضحة، تُحسن قراءة التحولات الدولية، وتبني سياسات داخلية قادرة على استيعاب الفرصة دون الارتهان لشروط الخارج.

المرحلة المقبلة ليست مرحلة شعارات، بل مرحلة إدارة دقيقة للتوازنات، حيث سيكون الاستقرار، وضبط السلاح، وبناء دولة فاعلة، مفاتيح العبور نحو التعافي الحقيقي. وما بين فرصة الانفتاح واحتمالات الإخفاق السياسي والأمني والاقتصادي، يبقى النجاح الأهم في قدرة السوريين على بناء دولة قادرة على الحياة، وسياسة تعرف كيف تحوّل الفرص المؤقتة إلى مسارات بنائية دائمة.