icon
التغطية الحية

سوريا بعد الحرب.. عودة إلى خريطة الطاقة والنفوذ في الإقليم

2026.04.10 | 06:05 دمشق

آخر تحديث: 2026.04.10 | 06:12 دمشق

نظر جوي من محطة قدم، وهي واحدة من أهم محطات سكة حديد الحجاز التاريخية والتي كانت في السابق نقطة اجتماع للحجاج المتجهين إلى الأرض المقدسة،
منظر جوي من محطة القدم بدمشق، وهي واحدة من أهم محطات سكة حديد الحجاز التاريخية والتي كانت في السابق نقطة اجتماع للحجاج المتجهين إلى الأرض المقدسة، 8 شباط 2025 ـ رويترز
تلفزيون سوريا ـ صهيب جوهر
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- سوريا كممر لوجستي: برزت سوريا كممر لوجستي مهم في الشرق الأوسط بعد الحرب، مع التركيز على تطوير مسارات برية للطاقة والتجارة، مثل إحياء سكة الحديد الحجازية وربطها بشبكات إقليمية.

- دور سوريا في نقل الطاقة: كشفت الحرب هشاشة المسارات البحرية، مما جعل سوريا خيارًا استراتيجيًا لنقل النفط والغاز، مع مشاريع مثل خط كركوك–بانياس، وتعزيز منظومة طاقة متكاملة تشمل الغاز والهيدروجين.

- التحديات والفرص: تحويل سوريا إلى عقدة إقليمية للطاقة مشروط بعوامل سياسية وأمنية معقدة، مثل العقوبات وتعدد مناطق النفوذ، مما يتطلب بنية تحتية حديثة وتفاهمات إقليمية ودولية.

لم يكن التحول الذي شهدته المنطقة مع اندلاع الحرب الإقليمية الأخيرة مجرد تبدل في موازين القوى العسكرية، بل مثّل لحظة كاشفة أعادت ترتيب الأولويات الاقتصادية والجيوسياسية في الشرق الأوسط. فمع اهتزاز أمن الملاحة في مضيق هرمز، لم يعد السؤال محصوراً بمن يسيطر على البحر، بل بمن يملك بديلاً عنه. في هذه اللحظة تحديداً، عادت سوريا إلى الواجهة، ليس كطرف فاعل في الحرب، بل كحل جغرافي كان مهمشاً، ثم فُرضت الحاجة إليه.

هذا التحول لم يكن نتيجة قرار سياسي سوري بقدر ما كان استجابة طبيعية لواقع جغرافي ظل قائماً طوال الوقت، لكنه بقي معطلاً بفعل الحرب والانقسام. ومع تغير البيئة الإقليمية، بدأ هذا الموقع يُقرأ مجدداً بوصفه نقطة ارتكاز محتملة لإعادة تشكيل مسارات الطاقة والتجارة.

إحياء الجغرافيا المؤجلة

واحدة من أكثر المؤشرات دلالة على هذا التحول تمثلت في عودة الحديث عن سكة الحديد الحجازية، ليس كرمز تاريخي، بل كجزء من تصور جديد لربط المنطقة. المشروع الذي تعمل عليه تركيا لمد شبكتها الحديدية نحو حلب لا يمكن قراءته كخط نقل معزول، بل كمدخل لإعادة وصل الشمال السوري بالعمق التركي، ومنه إلى أوروبا.

المفارقة أن هذا الخط، الذي ظل لعقود جزءاً من الذاكرة أكثر منه من الاقتصاد، يُعاد اليوم طرحه ضمن منظومة لوجستية حديثة، تتجاوز النقل التقليدي إلى إعادة تشكيل مسارات التجارة. فوجود خط قائم بين حلب ودمشق، وإمكانية ربطه مستقبلاً بالحدود الأردنية والعراقية، يعني عملياً إعادة إحياء شبكة نقل إقليمية عابرة للحدود، كانت الحرب قد قطّعتها.

هذا الإحياء لا ينفصل عن رؤية أوسع تعتبر أن سوريا، بحكم موقعها، ليست مجرد دولة عبور، بل عقدة وصل تاريخية بين الشرق والغرب، وهو ما يجعل الاستثمار في بنيتها التحتية للنقل جزءاً من مشروع إقليمي يتجاوزها.

من البحر إلى البر.. كيف فرضت الحرب منطق الممرات البديلة؟

التحول الأهم الذي أفرزته الحرب لم يكن في الجبهات، بل في سلاسل الإمداد. فإغلاق أو تهديد مضيق هرمز كشف هشاشة الاعتماد على المسارات البحرية، ودفع القوى المعنية بالطاقة إلى البحث عن بدائل برية. في هذا السياق، برزت سوريا كأحد الخيارات القليلة القادرة نظرياً على تأمين هذا التحول.

هذا الإدراك لم يبقَ في إطار التحليل، بل بدأ يترجم بخطوات عملية، أبرزها نقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية باتجاه المتوسط، ولو بشكل محدود. هذه الخطوة، رغم بساطتها، تحمل دلالة استراتيجية واضحة، المسار السوري لم يعد فكرة، بل أصبح خياراً يُختبر.

وبالتوازي، عاد الحديث عن إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس، ورفع قدرته الاستيعابية، إلى جانب طرح مشاريع جديدة لربط العراق بالموانئ السورية عبر أنابيب حديثة، ما يمنح بغداد خيارات تصدير إضافية، ويمنح دمشق مورداً مالياً عبر رسوم العبور.

ما يميّز الطرح الجديد لدور سوريا هو أنه لا يقتصر على النفط، بل يتسع ليشمل منظومة طاقة متكاملة. فالمشاريع التي يجري تداولها تشمل إعادة إحياء خطوط الغاز القديمة، وعلى رأسها مشروع نقل الغاز من الخليج عبر السعودية والأردن وسوريا نحو تركيا وأوروبا، وهو مشروع يعود إلى عام 2008 لكنه يستعيد زخماً جديداً.

إلى جانب ذلك، تظهر أفكار أكثر تقدماً تتعلق بنقل الهيدروجين، في إطار التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، ما يضع سوريا، نظرياً، في قلب شبكات الطاقة المستقبلية، وليس فقط التقليدية.

الأهمية هنا لا تكمن فقط في نوع الطاقة، بل في طبيعة المسار نفسه، الذي يعيد الاعتبار للممرات البرية كبديل جزئي عن النقل البحري، خاصة في ظل التحديات التي كشفتها الحرب.

سوريا كممر لوجستي شامل: من الطاقة إلى الغذاء

التحول في التفكير لا يقتصر على الطاقة، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد بشكل عام. فإحدى الأفكار التي يجري تداولها تتمثل في إنشاء ممرات سريعة لنقل الغذاء بين الخليج وسوريا، عبر سكك حديدية حديثة، تتيح نقل السلع خلال ساعات بدلاً من أيام.

هذا الطرح يعكس إدراكاً أوسع لهشاشة النظام التجاري العالمي القائم على الشحن البحري، ويضع سوريا ضمن تصور جديد لممرات متعددة الوظائف، تجمع بين الطاقة والتجارة والغذاء، في شبكة واحدة.

ضمن هذا السياق، يتبلور تصور إقليمي يقوم على توزيع الأدوار بين ثلاث دول. فالعراق، الذي يمتلك فائضاً نفطياً كبيراً، يحتاج إلى منافذ تصدير بديلة، في حين توفر سوريا المسار الجغرافي الأقصر نحو المتوسط، بينما يمكن للبنان أن يشكل امتداداً لوجستياً عبر مرافئه وخدماته.

هذا التكامل، إذا تحقق، لا يعيد فقط رسم مسارات الطاقة، بل يعيد تعريف دور شرق المتوسط كمنطقة عبور، بدلاً من كونه ساحة صراع. كما أنه يمنح الدول الثلاث فرصة للاستفادة من موقعها الجغرافي بطريقة مختلفة، قائمة على التكامل لا التنافس.

سوريا.. الاستثمار في الموقع

الرهان الأساسي في هذا التحول يقوم على تحويل الموقع الجغرافي إلى مورد اقتصادي مباشر. فمرور خطوط النفط والغاز عبر سوريا يعني تحقيق إيرادات من رسوم العبور، إضافة إلى جذب استثمارات في البنية التحتية، من موانئ وطرق وسكك حديدية.

كما أن تطوير موانئ طرطوس واللاذقية وتحويلها إلى مراكز ترانزيت إقليمية يمكن أن يعيد إدماج سوريا في حركة التجارة العالمية، ويمنحها دوراً يتجاوز حدودها.

لكن هذا التحول يتطلب بنية تحتية حديثة، وشبكات نقل متكاملة، وقدرة على إدارة تدفقات كبيرة من البضائع والطاقة، وهي عناصر لا تزال بحاجة إلى إعادة بناء بعد سنوات من الحرب.

رغم كل ما سبق، يبقى هذا المسار مشروطاً بعوامل سياسية وأمنية معقدة. فالعقوبات الدولية لا تزال تشكل عائقاً أمام الاستثمار، كما أن تعدد مناطق النفوذ داخل سوريا يجعل من الصعب تنفيذ مشاريع كبيرة دون تفاهمات إقليمية ودولية.

إلى جانب ذلك، فإن أي تحول لسوريا إلى ممر طاقة سيبقى مرتبطاً بتوازنات حساسة، تشمل مصالح دول كبرى وإقليمية، ما يعني أن الاقتصاد وحده لا يكفي لدفع هذا المسار.

ما أفرزته الحرب حتى الآن لا يمكن اختصاره بتحول كامل في دور سوريا، بل هو إعادة إدراج لها في المعادلة. فالجغرافيا التي تم تهميشها عادت لتفرض نفسها، لكن تحويلها إلى واقع اقتصادي يحتاج إلى ما هو أكثر من الموقع.

سوريا اليوم تقف عند تقاطع مسارين، إما أن تبقى ممراً نظرياً تُطرح حوله المشاريع، أو أن تتحول فعلياً إلى عقدة إقليمية للطاقة والتجارة. الفارق بين المسارين لن تحدده الجغرافيا، بل السياسة.

لكن المؤكد أن ما تغيّر بالفعل هو أن سوريا لم تعد خارج الحسابات، وهذه هي البداية.