سوريا اليوم والعملية الأمريكية بشمال العراق في التسعينيات

تاريخ النشر: 27.04.2018 | 10:04 دمشق

آخر تحديث: 30.04.2018 | 16:14 دمشق

في خضم معارضة كبار مسؤولي الأمن القومي لفكرة انسحاب القوات الأمريكية من سوريا التي صرح عنها ترامب، اقترح جيمس جيفري، السفير الأمريكي السابق لدى العراق وسوريا، إعادة توجيه السياسة الأمريكية نحو مواجهة إيران، وإخراج الولايات المتحدة من مغامرة غير مضمونة لإعادة الإعمار بما يضمن طمأنة ترامب والحد من مخاوفه.

دعا جيفري، في مقال له على شبكة سايفر، إلى اقتصار الولايات المتحدة على القوة الجوية في سوريا، وسحب معظم القوات الأمريكية منها خلال فترة تتراوح من تسعة إلى اثني عشر شهرا، والاعتماد على قوات سوريا الديمقراطية كشريك محلي مدعوم بغطاء جوي أمريكي ضد هجمات قوات الأسد وبقايا داعش، فيما يشبه إحدى العمليات الأمريكية في العراق في تسعينيات القرن الماضي.

تمثلت مهمة “عملية المراقبة الشمالية” الأمريكية في حماية منطقة حظر طيران فوق خط عرض 36 في العراق، وضمت 45 طائرة أمريكية وبريطانية وتركية، وأكثر من ألف وأربعمئة جندي. أجرت الطائرات في إطار العملية 36 ألف طلعة جوية استمرت من كانون الثاني 1997 حتى أيار 2003.

وفي حين كانت قوات البشمركة الكردية الحليف الأمريكي المحلي المدعوم بالغطاء الجوي لعملية المراقبة الشمالية، يقترح جيفري أن تكون قوات سوريا الديمقراطية بديلًا لهذه القوات، مشيرًا إلى أن تركيا التي قبلت المشاركة في عملية المراقبة الشمالية سابقًا لعدم رغبتها في وصول القوات العراقية إلى حدودها وقناعتها بعدم نية أكراد العراق تأسيس دولة منفصلة في ذلك الحين، ستقبل العملية الجديدة لعدم رغبتها في وجود قوات الأسد على حدودها مع ضمانات بعدم تأسيس دولة جديدة على حدودها الجنوبية.

ومع انتهاء خطر تنظيم داعش، تتلخص الأهداف الأمريكية في سوريا بمواجهة تهديد إيران ونظام الأسد المدعوم من روسيا، لحلفائها في المنطقة تركيا والأردن و”إسرائيل” ودول الخليج، لكن القوات الأمريكية الموجودة في شمال غربي سوريا ليست كفيلة بتحقيق هذه الأهداف، في وقت يؤكد فيه حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة أن التهديد الاستراتيجي لم يعد داعش بقدر ما هو الأمن والاستقرار الذي تهدده إيران وروسيا وحليفهما النظام السوري.

وهنا تظهر إشكالية في النهج الذي تتبعه الإدارة الأمريكية في سوريا، يمكن فهمها بتحليل المهمات الأمريكية الثلاث في سوريا حاليًا التي يستعرضها جيفري. تتمثل المهمة الأولى في التحرك العسكري للسيطرة على مزيد من الأراضي وهزيمة داعش، لكن من غير الواضح ما إذا كان القصد القضاء على داعش كليًا وهي مهمة لم يتمكن خمسون ألف جندي أمريكي من تحقيقها في العراق بين عامي 2009 و2011.

أما المهمة الثانية فهي إعادة الإعمار والاستقرار المصممة لتحويل عقلية السكان وتطوير فهمهم لقضايا الحوكمة والإدارة المحلية والخدمات، وهي عملية طويلة الأمد ليست لها نهاية واضحة، تدعمها وزارة الخارجية الأمريكية وشركاء محليون ولا يدخل الجيش في تنفيذها أو دعمها حسب ما أكد قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال جوزيف فوتيل.

"داعش قد يظهر في مكان آخر بالنظر إلى أن سبب ظهوره في الأساس هو سوء الحكم في سوريا والعراق المدفوع من قبل إيران "


وتتمثل المهمة الثالثة في تحرك عسكري لتشكيل التطورات السياسية والعسكرية في سوريا، يشبه البعثة الأمريكية في جزيرة سيناء ودوريات البحرية الأمريكية في الخليج العربي. مثل هذا التحرك ينبغي أن يشمل السيطرة على مساحات من الأرض والمجال الجوي، والتهديد على الأقل بتنشيط المعارضة المسلحة ضد نظام الأسد، بهدف تشكيل قرارات كل من إيران وروسيا. ورغم حديث مسؤولي الإدارة الأمريكية المتكرر عن مثل هذا التحرك إلا أنّه لم يتحول إلى خطوات تنفيذية حتى الآن.


تكمن الإشكالية التي تواجه الإدارة الأمريكية في أن هذه المهمات متناقضة وربما غير قابلة للتحقيق. فالمهمة الأولى بحكم المنتهية، والمهمة الثانية تمثل ما يؤرق ترامب وفي الوقت نفسه يروق للجيش الأمريكي حيث أنها تزيد مصداقية القوات المعارضة لنظام الأسد، كما أنها مهمة مفتوحة دون نهاية كما ذكر.

ولكن حتى إذا نجحت المهمتان الأولى والثانية فليست لهما أهمية استراتيجية، فداعش قد يظهر في مكان آخر بالنظر إلى أن سبب ظهوره في الأساس هو سوء الحكم في سوريا والعراق المدفوع من قبل إيران والذي مكّن كلا من رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي ورئيس النظام السوري بشار الأسد من ممارسة القمع. وبالتالي الولايات المتحدة بحاجة إلى استراتيجية شاملة تقوض سيطرة إيران على هاتين الدولتين، وليس مجرد قواعد عسكرية في شمال شرقي سوريا.

تتطلب هذه الاستراتيجية حسب جيفري تكامل الوجود العسكري الأمريكي بخطة عسكرية سياسية تتضمن قوات تركية و”إسرائيلية” في سوريا أو في مجالها الجوي، ونشاطًا دبلوماسيا مدعوما من الأردن ودول الخليج للخروج بخارطة طريق سياسية في سوريا في إطار الأمم المتحدة، ووقف مساعدات إعادة الإعمار الدولية حتى التوصل إلى حل سياسي مقبول.

وعدا عن إعلان وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون عن الأهداف الخمس للولايات المتحدة في سوريا في كانون الثاني الماضي، ليست هناك إلى الآن مؤشرات على وجود مثل هذه الخطة في ذهن الإدارة الأمريكية، وحتى القيادة المركزية الأمريكية “سينتكوم” ليست لديها أوامر بمواجهة إيران حسبما أبلغ الجنرال فوتيل الكونغرس.

في 6 من شباط الماضي، ذكر روبرت فورد، السفير الأمريكي السابق في سوريا، أن انتقال الولايات المتحدة من مواجهة داعش إلى مواجهة إيران يشترط عملًا مشتركًا مع تركيا، الأمر الذي أكده جيفري مجددًا بقوله إن أيَّ استراتيجية أمريكية لمواجهة توسع نظام الأسد وإيران لن تكون ممكنة من دون تركيا التي تسيطر على مساحات واسعة في شمال غربي سوريا.

ربما ينهي التحول نحو نهج الاقتصار على القوة الجوية وسحب معظم القوات الأمريكية مع ترك المجال مفتوحًا أمام نشر قوات في أي وقت مخاوف الرئيس ترامب بشأن سقوط خسائر أمريكية في عملية قد لا تنتهي، وقد يخفف كذلك التوتر مع الأتراك، ويركّز سياسة الولايات المتحدة مع حلفائها نحو استراتيجية سياسية عسكرية لمواجهة التحالف الإيراني الروسي.

ولكن مثل هذا التحرك يتطلب تحركا أمريكيا دبلوماسيا يجمع الدول المجاورة لسوريا ودول الخليج، الأمر الذي يبدو صعبًا في الوقت الحالي بسبب التوترات بين هذه الدول من جهة، وعدم وجود مؤشرات على إرادة أمريكية جدية من جهة أخرى. الإرادة التي ينتظرها السوريون منذ سنوات.