سوريا الحرائق

سوريا الحرائق

سوريا الحرائق
14 تشرين الأول 2020

إن ما حفلت به منصات السوشيال ميديا من ردود فعل تجاه حرائق الساحل في نهاية الأسبوع الماضي، لا يبشر بمستقبل جيد للسوريين الذين لم توحدهم المأساة حتى الآن، وفي كل مرة يحصل حدث على هذا القدر من الخطورة نراهم ينقسمون إلى أكثر من فريق، وتدور بينهم حروب كلامية، لا تقل ضراوة عن تلك التي يشنها النظام والروس والإيرانيون، وسجلت نتائجها تدمير القسم الأكبر من البلد وتهجير نصف سكانه. وجدنا على السوشيال ميديا فئات من السوريين تتشفى وتفرح لما يلحق بقسم آخر من السوريين الذين ظلوا يعيشون تحت حكم النظام. ومبعث التشفي أن القسم الآخر من السوريين يحسب هؤلاء على النظام، ويعتبرهم مسؤولين عما لحق به من مآس، وهذه مقاربة خاطئة ومتجنية وأكثر من ذلك عدمية، ولا توصل صاحبها إلى أي مكان. يمكن للمتشفي أن ينفس عن غضبه، ولكن ماذا بعد ذلك؟

الخسارة التي حلت بالساحل السوري من جراء الحرائق، لا تقل عن تلك التي أصابت مناطق أخرى في سوريا من درعا الجنوب حتى دير الزور، مرورا بدمشق وحلب وحماة وحمص وإدلب والرقة، ومثلما لم يتضرر النظام في المرات السابقة، فهو لن يتأثر هذه المرة، ولا في المرة المقبلة. وإذا نظرنا للمسألة من جانبها السياسي، فإن هناك مغالطة كبيرة سارية المفعول تحسب أهل الساحل كتلة واحدة تقف وراء النظام، وهذا تعميم وقاعدة خاطئة، وفي الحقيقة هناك انقسام يشبه ما هو موجود في محافظات سوريا الأخرى. فحلب على سبيل المثال محافظة يقف جزء منها مع النظام الذي دمر شطرها الآخر وهجر أهله. والمؤيدون لم يحركوا ساكنا، بل ما يزالون يناصرونه ويعتبرون إخوتهم المهجرين إرهابيين، وهذا حصل حتى داخل العائلة الواحدة.

الحرائق مترابطة، ويمكن أن نقول بنظرية الحرائق المستطرقة. كل منها يتصل بالآخر وينتقل من منطقة لأخرى بصورة عادية، ولا تفرق النار بين ساحل وجبل وسهل.

الحرائق مترابطة، ويمكن أن نقول بنظرية الحرائق المستطرقة. كل منها يتصل بالآخر وينتقل من منطقة لأخرى بصورة عادية، ولا تفرق النار بين ساحل وجبل وسهل، أو بين مناطق نظام ومناطق معارضة، وهذا يعني أنه ليس هناك مكان في سوريا لن ينال قسطه من الحريق قبل أن يلتقي السوريون على كلمة واحدة، من أجل إنقاذ البلد الذي احتضنهم، وعاشوا فيه عبر التاريخ بكل ما يحملون من اختلافات.

الحرائق المتنقلة في شتى أنحاء سوريا، حرائق المحاصيل في الجزيرة، وحرائق الغابات في الساحل والوسط، هي رسائل موجهة للجميع ومفادها أن الذي أراد أن يحرق البلد من أجل أن يبقى جالسا على كرسيه نجح في ذلك حتى الآن، وكلما تعرض حكمه لهزة أشعل حريقا. ونحن إذ نشهد ما يواجهه السوريون في مناطق الساحل من حرائق التهمت مساحات واسعة من المناطق الخضراء التي تشكل جانبا من ثروة سوريا البيئية، فإن سلوك النظام تجاه هذه الكارثة لم يتغير عنه حيال الكوارث التي لحقت بأجزاء أخرى من سوريا، وهذا ما تشهد عليه أحوال السوريين الذين يواجهون أوضاعا مأساوية من دون أن يتحرك النظام من أجل التعامل معها. وفي ما يخص حرائق الساحل، فالنظام رهن هذه المنطقة للروس الذين لم يتحركوا لإطفاء الحرائق التي تجتاحها رغم أنها تقع في دائرة نفوذهم العسكري والأمني. والاستنتاج الوحيد هو أن هؤلاء المحتلين قادرون على إشعال الحرائق فقط.

دمشق الحرائق مجموعة قصصية للكاتب زكريا تامر صدرت في العام 1973، وتتضمن عدة قصص ليس من بينها واحدة تتحدث عن حريق في دمشق بالمعنى المباشر، ولكن القصص تعرض لحالات من خراب المجتمع السوري في تلك الفترة. وهو خراب سياسي قبل كل شيء وفي صلة مع ما يشهده البلد اليوم ينطبق القياس على الحريق الذي يلتهم مناطق واسعة في سوريا بالمعنى المباشر وغير المباشر.

مقالات مقترحة
تركيا بين ذروتي كورونا.. تضاعف في الإصابات وتمهيد لإجراءات صارمة
معلومات مفيدة حول كورونا للمهاجرين واللاجئين في ألمانيا
وفاة أربعة أشخاص بفيروس كورونا في الرحيبة بريف دمشق