سوريا التي ستغير العالم؟

تاريخ النشر: 25.03.2018 | 08:03 دمشق

نجح بوتين في العام 2000، وإثر حملة عسكرية ضارية، في إنهاء حرب الشيشان الثانية. غزو العاصمة الشيشانية، غروزني، كان عبارة عن مجزرة منظمة وحملة تدميرية عقابية.

منذ العام 2007، تولى رجل بوتين المدلل، رمضان قديروف حكم الشيشان وراثة عن أبيه. أكثر عبارات قديروف تكراراً هي "مستعد للموت من أجل الرئيس فلاديمير بوتين.. جنود الشيشان مستعدون للتضحية بأنفسهم دفاعاً عن بوتين وروسيا".

بطبيعة الحال، ومقابل ولاء مطلق كهذا لموسكو، سيبقى قديروف رئيساً لبلاد الشيشان إلى ما يشاء القدر. بل هو بدوره يعتقد أن "بوتين يجب أن يكون أيضاً رئيساً إلى الأبد. نحن بحاجة إلى حكم قوي. الديموقراطية في كل مكان عدا في الكذبة الأميركية".

في السياسة، أفضل ما عند قديروف هو تعهده بملاحقة المتمردين والمعارضين، المناوئين للهيمنة الروسية، الذين اغتالوا والده: "سأقتلهم حتى آخر شخص، حتى أقتل أو أسجن ذات نفسي، سأبقى أقتلهم طالما أنا على قيد الحياة". رأيه في النازحين واللاجئين، ضحايا الحرب، المتكدسين في المخيمات، أنهم "جواسيس يعملون على عدم الاستقرار". بمعنى آخر، يجب التخلص منهم.

سيرة هذا الرجل وفساده منتشرة في تقارير لا عدّ لها، قسوته وبطشه وسجون التعذيب التي أنشأها وحملات التطهير البوليسية التي يقودها،

لم يكن لدى بوتين ما يقوله للملك السعودي سوى عبارة: "أحذركم من محاولة أميركا فرض الديموقراطية على بلادكم".

وعمليات القتل والاغتيال المتهم بها، والبذخ الذي يتصف به هو وعائلته، واعتماده على الأقارب وعصبة المتملقين في الاستحواذ على الاقتصاد، واختلاسه للأموال العامة، وهوسه في مخططات البناء للمناطق التي طهرها من سكانها غير الموالين، توهمه في نفسه تصديه لمهام تاريخية ستغير وجه العالم..إلخ، هي إجمالاً سمات القادة المقربين من فلاديمير بوتين والموالين لسياسات موسكو.

حسرة روسيا البوتينية المعلنة مراراً على سقوط معمر القذافي ومقتله، واستياؤها لسقوط الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش بثورة شعبية، شعورها بالمرارة لغياب صدام حسين، حرصها الواضح على عدم إضعاف رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون.. تدل على هذا "الاستئناس" الروسي الدائم للطغاة المماثلين بصفاتهم الشخصية لرمضان قديروف.

يمكن القول إن فلاديمير بوتين، وخلال عقدين من وجوده في السلطة ورسمه للسياسة الروسية، انتهج بثبات وإصرار استراتيجيين، مبدأ تدمير الديموقراطيات الغربية، وبالأخص احتمالات "تصديرها". هذا الأمر بمثابة عقيدة راسخة لديه في السياسة الخارجية. في العام 2017، لم يكن لدى بوتين ما يقوله للملك السعودي سوى عبارة: "أحذركم من محاولة أميركا فرض الديموقراطية على بلادكم". المواقف المعادية لثورات الربيع العربي كانت واضحة طوال السنوات الماضية، خصوصاً داخل مجلس الأمن الدولي. العداء الروسي للديموقراطيات الناشئة في أوكرانيا ودول البلطيق والبلقان وجورجيا، يرقى إلى سوية تهديد الوجود بالنسبة لمستقبل روسيا ونظامها السياسي.

منذ العام الماضي، تكشفت سلسلة فضائح استخبارية، عن الأدوار التي لعبها الكرملين في شن حروب الكترونية واسعة النطاق، استهدفت المنشآت المالية والاقتصادية وأنظمة الرعاية الصحية والمصانع الكبرى وشبكات البنى التحتية ومرافق الطاقة، بهدف إلحاق أكبر الخسائر وزعزعة النظام الاقتصادي (والسياسي) في أوروبا وأميركا الشمالية. وُصف هذا العمل بأنه "الهجوم الالكتروني الأكبر في التاريخ".

تطورت استراتيجية هذه الحرب إلى هجمات مركزة على "السيستام" الإجرائي للديموقراطية وجهازها العصبي: الانتخابات. الشكوك تحولت إلى حقائق في الأشهر الماضية، عن الأدوار المباشرة للكرملين والتورط الشخصي لفلاديمير بوتين في حملات القرصنة للتلاعب في الاستفتاء البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكسيت)، وفي الانتخابات الفرنسية، وخصوصاً في الانتخابات الأميركية الأخيرة. الهجمات الالكترونية الروسية على الولايات المتحدة لم تتوقف منذ سنوات. وهي بمثابة السلاح السياسي الأهم الذي يستخدمه بوتين في "الحرب الباردة" الجديدة. ترافق كل هذا مع دعم بوتين وأجهزته السرية لتيارات اليمين الشعبوي في أوروبا والولايات المتحدة.

هدف روسيا نشر الفوضى في الدول الغربية وإضعاف الثقة بأنظمتها السياسية وإداراتها ومؤسساتها، يتوافق مع إيمان بوتين بـ"هشاشة" و"فساد" الديموقراطية الليبرالية. تلك قناعة ضابط الـ"كي. جي. بي" السوفياتي السابق، التي ترسخت في وجدانه، إبان حقبة انهيار الاتحاد السوفياتي وما تبعها من تداعيات أليمة على روسيا.

لذلك، يقترح بوتين على العالم ما يسميه البعض "الديموقراطية الموجهة"، وهي مزيج من سمات الديموقراطية الإجرائية (صناديق الاقتراع) وتسلط نخبة حاكمة على رأسها القائد الفرد وحاشيته.

بشار الأسد الذي أعلن في الغوطة أنه يغير ميزان العالم.. والخريطة السياسية للعالم، بدا بكلامه أكثر هذيانية من رمضان قديروف، وتفوق عليه بأشواط في الوحشية

نخبة "توجّه" الشعب وتتحكم بصناعة الرأي العام والإعلام، وتمسك (بضراوة) بالمقدرات الاقتصادية وتسيطر على الإدارات ومفاصل الدولة. هو نموذج أكثر حصرية واحتكاراً من التجربة الصينية، وأكثر شبهاً بالنظام الخمينيّ بإيران، وإن كان أقل وقاحة من النظام الكوري الشمالي، وأكثر حنكة من نموذج عبد الفتاح السيسي في مصر.

هكذا تصوّر للعالم، تكثف في سوريا بوصفها "الميدان" الفعلي للتجربة الروسية ونظرياتها. بشار الأسد الذي أعلن في الغوطة أنه يغير ميزان العالم.. والخريطة السياسية للعالم، بدا بكلامه أكثر هذيانية من رمضان قديروف، وتفوق عليه بأشواط في الوحشية. وإذا كان قديروف يتمتع بـ"صداقة" فعلية مع بوتين، فإن الأسد في مكانة أدنى من ذلك، كما أوحت به تصرفات موسكو معه في مناسبات مصوّرة كثيرة. إنه أقرب في المكانة لقادة الميليشيات في شرق أوكرانيا الموالية للمخابرات الروسية.

بوتين، كما في الشيشان، يقترح في سوريا أفقاً مستقبلياً محدداً: طاغية محلي وضيع وتابع، يقتل معارضيه والمتمردين عليه والمشكوك بهم طوال حياته بلا توقف، يتولى إعادة بناء سوريا بنفسه، بما يضمن استيلاء نخبته وحاشيته وعائلته وأقاربه على مقدرات البلاد كلها، على نحو أشد استحواذاً مما كان عليه الحال قبل العام 2011 وأفدح فساداً ونهباً. التخلص من اللاجئين والنازحين والمنفيين إما بإبقائهم خارج البلاد والحؤول دون عودتهم، أو باستحالة توطينهم في أماكنهم الأصلية وتشريدهم متفرقين في أنحاء البلد. تثبيت نظام حكم يتراوح ما بين التشبه برمضان قديروف وكيم جونغ أون.

بمعنى آخر، المستقبل الذي تريده روسيا في سوريا ما بعد الحرب وانتصار بوتين فيها، هو ما تريده لمستقبل العالم بأسره. ونجازف بالقول إن هذا الرجل فلاديمير بوتين يشكل أخطر تهديد للديموقراطيات، كما لم يحدث منذ وصول أدولف هتلر إلى السلطة عام 1933 وفتحه لأبواب الجحيم.

كلمات مفتاحية