سوريا.. الاتفاقية التي لم تعقد

تاريخ النشر: 16.06.2018 | 00:06 دمشق

آخر تحديث: 20.11.2018 | 15:39 دمشق

خلال ثلاثينيات القرن الماضي، وفي أوج الانتداب الفرنسي على سوريا، شَكَّلَ مجموعةٌ من لوردات المجتمع السوري ما دعي بالكتلة الوطنية، حركهم طموح السلطة، أو الطموح الوطني، أو كلاهما. استفادت الكتلة الوطنية من إضراب الكهرباء مع بداية العام 1936 الذي قامت خلاله حركة جماهيرية مطلبية لديها بعض التطلع السياسي ضد ممارسات الانتداب الفرنسي، فوجدت الكتلة نفسها على رأس هذه الحركة، وقد كان التحرك قوياً ومؤثراً، فأصيبت الأسواق بالشلل، واستجاب الجميع للإضراب بطريقة لم يستجب لها السوق حتى في أوج الثورة السورية الكبرى قبل هذا التاريخ بعشرة أعوام.

خلال أيام الإضراب الستيني كان الطلاب يرشقون الجيش الفرنسي بالحجارة، والمقاليع، ويرد الجيش بالرصاص، واستمرت هذه المواجهات، لكنها كانت تشتد بشكل كبير في أيام الجمع بعد خروج المصلين من صلاة الجمعة، فتتحول مراكز التجمعات إلى ساحات حرب يسقط فيها القتلى من الجانب السوري طبعاً. شمل الإضراب كل "الدول" والمدن السورية، وحين أعلن عن انتهائه في دمشق كان قد دخل يومه التاسع في "دولة العلويين" الساحلية، بحسب إفادة ذوقان قرقوط في كتاب الحركة الوطنية، وعلى إثر الإضراب جرى إيفاد ثمانية أشخاص إلى باريس، أربعة منهم ينتمون للكتلة الوطنية، وأربعة ينتمون للحكومة، للتباحث في عقد اتفاقية سورية فرنسية تحكم بين الطرفين عوضاً عن صيغة الانتداب الحالية. نسيت الجماهير أسعار الكهرباء وعادت المحلات لتفتح أبوابها وعاد الطلاب إلى المدارس والجامعات، حيث وجدوا جميعاً في الكتلة الوطنية زعامة سياسية فحملوا أعضاءها على الأكتاف، وتم التعامل مع قرار الإيفاد إلى فرنسا للتباحث في عقد الاتفاقية على أنه انتصار وطني كبير، وضعت الكتلة الوطنية هذا "الانتصار" في جيبها منذ تلك اللحظة ولمدة عشرة سنوات قادمة.

الوفد المكون من ثمانية أشخاص الذاهب إلى فرنسا للتفاوض كان مقسوماً مناصفة بين أربعة مسيحيين وأربعة مسلمين، المسيحيون كانوا: فارس الخوري، إدمون رباط، إدمون الحمصي، نعيم أنطاكي، والمسلمون كانوا: هاشم الأتاسي، جميل مردم، سعد الله الجابري ومصطفى الشهابي، لم يبدُ أن هناك أي حساسية طائفية، والجميع كانوا منتخبين من الشعب نواباً في المجلس النيابي، ولكن غياب الأقليات الأخرى كان واضحاً. هذه الملاحظة أسوقها، على الأرجح، لأننا صرنا ننظر بمكبر ما بعد الثورة السورية في العام 2011، في ذلك الوقت المبكر من القرن الماضي كان الحضور المسيحي عميقاً ومؤثراً بحيث يحتل نصف مقاعد الوفد المفاوض دون تذمر أحد. غادر الوفد سوريا باحتفال وطني صاخب، وغاب في باريس لمدة ستة أشهر كاملة، كانت مناسبة سعيدة لجريدة هزلية تدعى "المضحك المبكي" لتطلق سيلاً من النكات عن رحلة الوفد الطويلة، لم يجد صناع النكتة العاملون في الجريدة غضاضة في السخرية من رجالات الدولة الذاهبين في مهمة وطنية عليا إلى باريس، فقد نشرت في زاوية أخبار الوفد في يوم السادس من حزيران الخبر التالي: "تبين للرأي العام الباريسي أن  السيد إدمون بك الحمصي أبرع أعضاء الوفد بالمناغشة ومعاشرة الستات، وقد صرحت إحدى السيدات أن جميع أعضاء الوفد السوري بـ (فرد شقفة) إلا المسيو حمصي، فهو: "ملحلح شوي".

استغلت الكتلة الوطنية ظرفها السياسي، وتعاملت بشكل حزبي، فضيقت الخناق على عبد الرحمن الشهبندر الذي بدأ يُظهر نواقص المعاهدة، وفرضت عليه الإقامة الجبرية.

عاد الوفد وكأنه يحمل كأس العالم، وقوبل بحفاوة منقطعة النظير وقبل أن يعرف أحد مضمون الاتفاقية، جرى توقيع الجماهير للوفد على بياض، وجاءت حفاوة الاستقبال تأكيداً على هذا القبول الجارف.

يعتقد خالد العضم بأن القبول كان مبالغاً فيه، وإظهار الفرح على هذه المعاهدة كان سياسياً في جانب منه، وخاصة عندما وصف فارس الخوري هذه الاتفاقية بأنها إنجاز القرن. البند الأول في الاتفاقية ينص على الاستقلال السوري "التام"، ويتحدث البند الثاني عن شراكة لمدة خمسة وعشرين عاماً تحتفظ فرنسا فيها بقواعد عسكرية في سوريا، أما البند الثالث فهو ارتباط اقتصادي خانق بين الفرنك الفرنسي والليرة السورية، ووضع عشرين فرنكاً فرنسياً مقابل ليرة سورية واحدة، أبدى العظم على تلك البنود تحفظات عسكرية واقتصادية وسياسية، ومن بعده أكد الدكتور عبد الرحمن الشهبندر التحفظات ذاتها، وهو الذي كان يراقب كل شيء من خلال نافذة قومية يعتقد أنها تعلو نافذة الكتلة الوطنية، التي ما فتئت تكتسب النقاط منذ الإضراب الستيني ومن ثم الاستقبال الحافل الذي حظي به وفد التفاوض.

استغلت الكتلة الوطنية ظرفها السياسي، وتعاملت بشكل حزبي، فضيقت الخناق على عبد الرحمن الشهبندر الذي بدأ يُظهر نواقص المعاهدة، وفرضت عليه الإقامة الجبرية، وذلك بعد فوزها الكاسح بالانتخابات النيابية التالية وجلست تقطف الثمار السياسية نتيجة المعاهدة التي جاءتها على طبق من ذهب.

يبدي العظم في مذكراته الكثير من الملاحظات على الاتفاقية، بل يتمادى في ملاحظاته حتى تطال الأشخاص وإن بشكل مستتر يشع النقد من بين سطوره، وخالد العظم بحسب تركيبته الطبقية والمالية أقرب إلى رجالات الكتلة الوطنية، إلا أنه فضَّل البقاء خارجها، بل وخارج التوجهات القومية، وحافظ على لون وسط من الممكن أن يناسب كل الأطياف، أما الاتفاقية فقد وافقت عليها فرنسا في عاصمتها، لكنها تنصلت وتهربت من تطبيقها لمدة عشر سنوات كاملة، في حين سارع البرلمان السوري إلى إقرارها رغم الملاحظات الكثيرة عليها، مع ذلك كان على السوريين أن ينتظروا عشرة أعوام قبل أن تفي فرنسا بوعدها مجبرة، وتلك قصة مختلفة.

كلمات مفتاحية