في الرابع من الشهر الجاري، شهدت دمشق توقيع مذكرة تفاهم بين شركة شيفرون وباور إنترناشونال القابضة القطرية، والهدف من توقيع هذه الاتفاقية الجديدة هو البدء "بتطوير أول حقل بحري للنفط والغاز في سوريا"، وذلك بحسب ما أعلنته وكالة الأنباء السورية الرسمية سانا. أما المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم براك، فقد كتب: "تشرفت بأن أكون شاهداً على منعطف تاريخي تشهده سوريا في مجال التنقيب عن الغاز في البحر".
أصبحت سوريا حريصة على جذب الاستثمارات في وقت بات البلد يستفيد من رفع العقوبات وتسعى حكومته لتوحيد أراضيه، إذ جرى على سبيل المثال إرسال قوات تتبع لوزارة الداخلية السورية إلى مناطق في الشمال السوري خلال الأسبوع الأول من شباط بعد التوقيع على اتفاقية الثلاثين من كانون الثاني بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة أميركياً، ما يعني بأن الحكومة السورية اليوم باتت تسيطر على معظم أنحاء البلد، وفي ذلك تغير كبير عما كان الوضع عليه قبل عام ونصف، عندما كان نظام الأسد مسيطراً، وكان البلد مقسماً. كما يمثل ذلك تحولاً كبيراً عما كان عليه البلد في عام 2011 عند بدء الحرب التي امتدت لعقد ونيف.
حرصت الحكومة السورية المؤقتة الجديدة على حشد جهودها وتركيزها على التنمية الاقتصادية، ولعل أبرز ما بذلته من جهد تمثل برفع العقوبات الأميركية والغربية عن البلد، وكذلك التقارب مع تركيا والسعودية وقطر وغيرها من الدول، كما سعت دمشق للاحتفاظ بعلاقات ودية مع موسكو، فبعد أن كانت روسيا أهم عرابة لنظام الأسد، استقبلت موسكو الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع.
سوريا الآمنة أمام الاستثمارات
وعبر إقامة علاقات طيبة مع كل من الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا ودول الجوار، صارت دمشق تقدم نفسها كمكان آمن للاستثمار، وتعتبر اتفاقية التنقيب التي وقعتها شيفرون مع الشركة القطرية مفتاحاً لتحقيق ذلك، إذ بحسب ما ذكر في الإعلام الرسمي السوري، فإن: "الاتفاقية تهدف إلى الاستثمار في التنقيب والحفر ضمن المياه الإقليمية لسوريا، بما يمتن الشراكات الاستراتيجية في مجال الطاقة، ويعزز الطرق التنموية، ولهذا أقيم حفل التوقيع في قصر الشعب بدمشق".
يراقب الجميع ما يحدث من تطور وتنمية في المنطقة، فقد وقع بدمشق على تلك الاتفاقية كل من يوسف قبلاوي المدير التنفيذي للشركة السورية للبترول، وإيريك كيسكولا المدير التنفيذي لشركة باور إنترناشونال القابضة القطرية، وفرانك مونت، الرئيس الحالي لقطاع تطوير الأعمال والاستثمارات لدى شركة شيفرون.
ويأتي هذا الاتفاق الدولي بعد تأمين سوريا للبنية التحتية الخاصة بالنفط والغاز في شرقي سوريا، إذ ستتمتع تلك المواقع الموجودة بالقرب من نهر الفرات بأهمية كبيرة في مجال تطوير البنى التحتية التي تسعى دمشق لتحقيقها. فبالنسبة للبنى التحتية الحالية في مجال الطاقة بسوريا، فإن ما يهم الحكومة المركزية اليوم هو تأمين تلك البنى بعد سنوات طويلة من الإهمال. أما بالنسبة للمشاريع الدولية التي ستقام في البلد مستقبلاً، فإن القضية المحورية تتلخص ببناء بنية تحتية جديدة. لذا فإن النجاح في تلك المساعي يمكن أن يحدد مكانة سوريا كطرف فاعل في مجال الطاقة ضمن منطقة شرقي المتوسط، كما جاء على لسان قبلاوي. في حين تسعى دمشق لأن تتحول إلى دولة مصدرة للطاقة وأن تحقق "فائضاً في الغاز بما يفيد المواطنين ويدعم اقتصاد البلد".
تعتبر منطقة شرقي المتوسط منطقة معقدة بالنسبة للتنقيب عن الطاقة وإنتاجها، إذ في كانون الأول الماضي مثلاً، وافقت إسرائيل على صفقة عملاقة بلغت قيمتها 35 مليار دولار لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر، كما التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بالرئيس القبرصي، نيكوس خريستودوليدس، وبرئيس الوزراء اليوناني، كيرياكوس ميتسوتاكيس، في كانون الأول من عام 2025. فاعتبر بعض الناس العلاقات التي تربط بين إسرائيل واليونان وقبرص والتي من المحتمل أن تتطور للتوقيع على اتفاقيات خاصة بالطاقة، بمنزلة تهديد للدور الذي تلعبه تركيا في المنطقة.
وهذا يعني بأن سوريا قد بدأت بالدخول إلى ملعب سبقه إليها كثيرون، وذلك ما قد يفضي إلى التوقيع على اتفاقيات سلام، لكنه أيضاً يمكن أن يتسبب بخلق حالة تنافس وتناحر، فقد بقي التوتر بين سوريا وإسرائيل قائماً طوال العام الماضي، إذ بقيت إسرائيل تنفذ غارات جوية على سوريا، كما بقي جيشها ينفذ مداهمات على الحدود.
بالنسبة للولايات المتحدة، تعتبر التطورات الجديدة في سوريا إيجابية، فباراك لا يشغل منصب المبعوث الأميركي إلى سوريا فحسب، بل يشغل أيضاً منصب السفير الأميركي إلى تركيا، كما أنه من أهم الداعمين للحكومة السورية الجديدة، ولهذا نلمح حالة طبيعية لتضافر الجهود في الدعم الذي تقدمه واشنطن لدمشق وفي التحالف الأميركي مع تركيا. وفي الوقت عينه، خضعت العلاقات الأميركية لامتحان قاس عند وقوع اشتباكات بين قوات الحكومة السورية وقوات قسد المدعومة أميركياً في كانون الثاني الماضي. ويبدو بأن اتفاقية الثلاثين من كانون الثاني قد مهدت السبيل أمام دمج قسد في سوريا الموحدة.
إلا أنه مايزال هنالك كثير من العمل لم ينجز بعد، إذ من الضروري جلب الاستثمارات لشرقي سوريا من خلال عملية إعادة الإعمار، إلى جانب فتح الحدود والتجارة، لأن معظم المناطق التي كانت تحت سيطرة قسد عاشت عزلة اقتصادية خلال العقد الماضي بسبب الحرب، ولهذا باتت بحاجة ماسة للاستثمارات وللدعم في مجال البنية التحتية. كما أن أساسيات الحياة مثل الماء والكهرباء ماتزال في أحيان كثيرة مقطوعة عن بعض المدن مثل كوباني، ولذلك يمكن للتطوير في مجال النفط والغاز أن يسهم في تحسين ظروف الناس في مختلف أنحاء سوريا، وخاصة في المناطق التي عانت من إهمال لفترة طويلة.
المصدر: The National Interest