سوريا.. أكذوبة تدريب المعتدلين أمام التبني الأمريكي لـ"قسد"

تاريخ النشر: 04.06.2018 | 01:06 دمشق

لمع مسمى الجيش السوري الحر، كحركة مقاومة شعبية في سوريا، بعد أن تحولت الثورة من الحالة السلمية للدفاع عن النفس، بعد درجة العنف الكبيرة التي تعمدها الأسد في سياسته لقمع مئات المدن والبلدات التي رفعت شعار الإطاحة بنظامه.

الجيش الحر، لم يكن يملك نظاماً إداراياً وقيادياً واحداً، بمعنى نظام القوانيين والبنية الهرمية والتنظيم، وإنما كان قوامه قوات محلية، وحاضنة شعبية، ليدافع ابناء المدن والبلدات الثائرة على مسقط رأسهم ضد الحملات العسكرية للأسد، الذي تعمد الزج بطائفته العلوية في عمق صراع الشعب- النظام، بهدف تحويل المطالب المشروعة إلى حرب أهلية.

في عام 2015، أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية مشروعين عسكريين متضادين في سوريا، الأول: يحمل مسمى "تدريب مقاتلي المعارضة المعتدلين"، والآخر كان مخصصاً لدعم وتدريب وحدات حماية الشعب الكردية، والتي تعتبر عصب قوات سوريا الديمقراطية.

مرت ثلاث سنوات على المشروعين الأمريكيين في سوريا، سنوات حملت الكثير في جعبتها الكثير من خبايا السياسة الأمريكية تجاه الثورة السورية، فوحدات حماية الشعب الكردية، بحجمها الصغير آنذاك تحولت بعد أشهر قليلة فقط، إلى قوة عسكرية كبيرة، وبات اسمها "قوات سوريا الديمقراطية- قسد"، قوامها الأبرز من الميليشيات الكردية، وتم تطعميه ببعض الأقليات السورية، وقلة لا تذكر من الميليشيات العربية.

الخزانة الأمريكية، أغدقت أكثر من مليار دولار على القوة الكردية، التي لم تكن منشأة قبل الرغبة الأمريكية، وباتت تلك القوة، مسلحة بغالبية أسلحة الجيش الأمريكي الثقيلة والمتوسطة وحتى الخفيفة، كما لم يغب عنها السلاح النوعي طبعا.

تمددت قوات سوريا الديمقراطية بشكل واسع ومطرد في الأراضي السورية تحت رعاية دولية وإقليمية كبيرة

وفي وثيقة مشروع ميزانية للبنتاغون في عام 2019 المقبل، فقد تم تخصيص 250 مليون دولار للقوة الأمنية الحدودية التي أسستها قوات سوريا الديمقراطية، وفق ما نقلته وكالة الأناضول.

وكانت ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية لعام 2018 رصدت مبلغ 500 مليون دولار لتدريب قوات سوريا الديمقراطية بالإضافة لمبلغ 850 مليون دولار لعمليات تدريب وتسليح قوات البيشمركة، في إقليم كرستان العراق

تمددت قوات سوريا الديمقراطية بشكل واسع ومطرد في الأراضي السورية، تحت رعاية دولية وإقليمية كبيرة، وأصبحت تلك القوات رقماً صعباً في المشهد السوري، وفي خطوة ثانية، أصبحت المناطق التي تسيطر عليها القوة الكردية، مواقعاً خاصة أنشأت فيها واشنطن وفرنسا وغيرهم من الدول، قواعد عسكرية ضخمة، وتم السيطرة على المخزون الباطني لنفط وغاز سوريا، مما أدى إلى تحويل تلك المناطق لمناطق مصالح دولية غنية، لا علاقة للسوريين فيها.

الدعم الأمريكي الغير محدود لقوات سوريا الديمقراطية، ليس حباً بالأكراد، أو مباركة بمشروعهم الانفصالي في المنطقة، بل أن واشنطن، كسبت العديد من الأوراق الشرق أوسطية بدعمها وإيجادها للقوات الكردية، فاستخدمت تلك القوة للسيطرة على المواقع الهامة الموضوعة على قائمة الأهداف الأمريكية، وعزلت بين عرب سوريا والعراق، وتركيا- القوة الإقليمية الصاعدة

كما باتت تلك القوات، عاملاً للضغط والمساومة على الحليف الاستراتيجي لواشنطن في المنطقة "أنقرة"، ولعل الموقف التركي الصارم حيال قوات سوريا الديمقراطية، والانحياز الأمريكي الكبير للأكراد، دفع بتركيا نحو المحور المضاد للمحور الأمريكي، ألا وهو الحلف الروسي والإيراني.

قامت واشنطن بدعم بضع مئات، وتدريب مثلهم بشكل عشوائي وغير منظم، ثم تركتهم بمناطق سيطرة الجهاديين لتتم عملية ابتلاعهم خلال فترات وجيزة

خلال فترة التنافر الأمريكي التركي في سوريا، فيما يخص الملف الكردي، نجحت واشنطن بزرع عدد كبير من قواعد لا تبدو بأنها مؤقتة في سوريا، وكذلك دخل الجيش الفرنسي بقوة تبدو بانها تكبر مع الأيام، مما يعني أن انتهاء دور قوات سوريا الديمقراطية- لو حصل طبعا مستقبلاً، لا يعني بالمطلق انهاء التواجد الأمريكي الغربي على الحدود السورية- العراقية- التركية.

القوة الكردية، لم تنشأها واشنطن عن عبث، أو بدون تخطيط مسبق، ولكن على ما يبدو أن الأمريكان، يريدون فعلياً التحضير لحرب كردية- عربية، قد لا تكون قريبة، ولكنها قد تأتي، وذلك بفعل، السماح للقوات الكردية بالسيطرة والتمركز على العديد من المدن الكبيرة والمساحات العربية الشاسعة، علماً بان تلك المواقع، بمعظمها تعود للعشائر العربية.

أما لو قارنا الرعاية الأمريكية لقوات سوريا الديمقراطية، بالمشروع الأمريكي لدعم وتدريب "المعارضة السورية المعتدلة"، فنجد أن الفروق لا تعد و لاتحصى، فواشنطن التي جهزت جيشاً كردياً وسلحته بالعدة والعتاد، والدعم المالي والسياسي الكبيرين، فضلاً عن الحماية الجوية للمواقع الهامة التي تقع تحت سيطرة تلك القوات، لم تقدم للمعارضة السورية المسلحة أو السياسية أي دعم نوعي، بل تعمدت إظهار تلك القوى على إنها قوة فاشلة في كافة الميادين.

إذ قامت واشنطن، بدعم بضع مئات، وتدريب مثلهم، بشكل عشوائي وغير منظم، ثم تركتهم بمناطق سيطرة الجهاديين، لتتم عملية ابتلاعهم خلال فترات وجيزة، ومصادرة الأسلحة التي بحوزتهم، من قبل تلك الجماعات، ليتم تصدير المشهد على إن قوى الثورة السورية غير قادرة على تحمل مسؤلياتها وأن الفشل هو كل ما جنته.

السياسة الأمريكية لإفشال المعارضة السورية المسلحة، كانت واضحة، فعندما قامت جبهة النصرة- فتح الشام- تحرير الشام، بإبتلاع الفصائل المدعومة من واشنطن واحداً تلو الأخرى، لم تقم الإدارة الأمريكية بتحريك ساكن، وتركت تلك التشكيلات تذوب وتختفي، وبعد ذلك، رفعت صوتها وفعلها ضد التنظيمات الجهادية، وتبنت قوات سوريا الديمقراطية بذريعة محاربة تلك الكيانات! وحجمت التشكيلات التي كانت تتميز بحاضنة شعبية كبيرة، فغاب النظام السوري وجرائمه أيضاً، ولم يعد هنالك وزن حقيقي لقوى المعارضة على الأرض، وأصبح الملف السوري، مكافحة تنظيم الدولة، وترك المعارضة لمواجهة مصيرها عسكرياً، وإجبارها على ركوب قوافل التهجير، في حين زرعت قواعد لها في المناطق التي تسيطر عليها القوات الكردية، منعاً لأي عمل عسكري تركي في شمال سوريا، والخوض بمعترك سياسي مع الأتراك حول تلك الملفات.

أصبح الملف السوري، مكافحة تنظيم الدولة، وترك المعارضة لمواجهة مصيرها عسكرياً، وإجبارها على ركوب قوافل التهجير

حتى في المناطق التي كانت فيها تشكيلات عسكرية مدعومة من الغرف العسكرية الأمريكية، وداريا في الغوطة الغربية على سبيل المثال، واشنطن لم تقم بأي حراك جدي، لمنع تهجير مقاتلي المدينة، بل كان لها دور في تفريغ المدينة وتسليمها للنظام السوري.

البعض يرى أن سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الملف السوري، تختلف عن سياسة سلفه "أوباما"، إلا إن المراحل التي مرت وتمر فيها سوريا، تبرهن أن واشنطن كانت ولا زالت من تدير دفة التطورات، عبر مشاريعها، ورؤيتها مستخدمة أدوات متنوعة.

فالرئيس الأمريكي الحالي، كان كسلفه، تجاهل المعارضة السورية بمختلف أطيافها، وكذلك فعل تجاه جرائم النظام السوري، وعلى ما يبدو، أن السياسة الأمريكية الحالية، هدفها الحفاظ على المكاسب الاقتصادية التي جنتها عبر ذريعة محاربة الإرهاب، والعمل على تحجيم الدور الإيراني، بعد أن تمت عملية إضعاف الثورة السورية عسكرياً وسياسياً، لتبقى سوريا بين اللاعبين الدوليين الكبار، بغض النظر عما يجري خارج تلك التفاهمات.