سلطة السلاح تلغي قانون النظام في الساحل السوري

تاريخ النشر: 09.02.2021 | 05:39 دمشق

اللاذقية - عبير نصر

لم تعد الجرائمُ مقتصرةً على (مليشيات الدفاع الوطني) التي تمارس العنف، وتتعدّى على الأملاك الخاصة في ظلّ انتشار السلاح، والإفلات من العقاب، أو (الشبيحة) الذين حصلوا على الضوء الأخضر لارتكاب ما يحلو لهم مقابل ضمان ولائهم في الساحل السوري.

 فالجرائم امتدّت إلى الناس العاديين، وأصبح، في السنوات الأخيرة، خبرُ العثور على جثة ملقاة هنا، أو هناك، من الظواهر الروتينية، كما غدت أخبارُ الاختطاف لطلبِ فديةٍ، والاغتصاب، وتجارة المخدرات، والقتل بغرض السرقة، تفاصيل اعتيادية، وعابرة في اليوميات السورية القاسية، وهي في الحقيقة تقوم على شبكةٍ ممتدة من المصالح والتوازنات، كنمطٍ من العمل الهجين بين العنف والكسب غير المشروع، بالتوازي مع تحوّل السلطة المركزيّة للنظام إلى أنساقٍ من الهيمنة ذات المظاهر المسلّحة ضمن أماكن نفوذه.

قتل بعد قرصة نحلة

 ويتحدث (أبو سامر) عن أحوال الأهالي الصعبة داخل مدينة جبلة "نحن نعيش وسط خوف وقلق من كل شيء، وعدم اتخاذ أية إجراءات جدية لزيادة الأمان من قبل النظام، هو إدراكه بأن معظم سكان المدينة يلتفون حوله، ولا يمكن أن يخرجوا ضده مهما زادت الأحوال سوءاً"، بينما يؤكد آخر على مخاوف الرجل السبعيني، مشيراً إلى أنّ المشكلات لم تعد محصورة على أعمال البلطجة المناطقيّة المنظّمة، التي لم تلقَ مجابهة من قبل أجهزة النظام الأمنية، بل امتدت إلى عامّة الناس، فسهولة وصول السلاح إلى أيديهم جعل وعيهم الاجتماعي والأخلاقي، مرتبطاً بالعدائية، غير المبررة أحياناً، وضرب مثلاً الجريمة التي وقعت في قرية (بشراغي) بريف جبلة، حيث قُتل على إثرها شاب وأصيب أبوه، بعد شجارٍ حصل لسبب أقلّ ما يُقال عنه إنّه (تافه)، وهو لسعة نحلة لإحدى الفتيات، ما أثار غضب خطيبها وأطلق النار على صاحب خليّة النحل وابنه.

وفي المدن الصامتة، لم يعد القانون هو المرجعيّة المجتمعيّة في فضّ حالات الخصومة والتنازع على الحقوق، في وقتٍ تغيّر فيه شكل الدولة البوليسي الخانق، إلى واقع أكثر رعباً، عزّزه النظام بلامبالاته المستفِزّة، ليلهي الناس عنه، واستطاعت الحربُ أن تستدرج العنف والهيمنة المسلّحة إلى مسار الجريمة المنظّمة، وهذه التوءمة أنتجت عنفاً جامحاً يقوم على بنية معقّدة من العلاقات، ضمنت له النفوذ وعدم المحاسبة القانونيّة، بحيث لم يعد مستهجناً رؤية جثّة ملقاة في ساعات الصباح الباكر على أحد أطراف المدينة، أو إلى جوار طريقٍ سريع يصل بين مدينتين، وتتحدث المهندسة ريم، التي تسعى لتأمين سفرٍ بأيّ طريقةٍ بغرض حمايةِ أولادها من المستقبل المظلم الذي يتربّص بالبلاد، تتحدث برعبٍ عن تفاصيل جرائم هزّت مدينة اللاذقية مؤخراً، منها حصل في حيّ (الرمل الشمالي)، وفيها أقدمت امرأة بمساعدة عشيقها على قتل زوجها، ومحاولة سرقته، إلا أنّ مخططاتهم فشلت وتم إلقاء القبض عليهم، وأخرى في (حيّ الصليبة) حيث عثر الأهالي على جثة فتاة تبلغ من العمر (15) عاماً، مرمية داخل أحد الأبنية السكنية بجانب مسجد (الفتاحي)، نتيجة الاعتداء عليها، وتلقّيها طعنتين في منطقة البطن، إضافة إلى وجود آثار حبلٍ على رقبتها تمّ خنقها به.

السلطة للسلاح

 وليس آخرها في محافظة طرطوس والتي اهتزّت، بدورها، على خبر العثور على جثة الطفلة (سيدرا سليمان) ليتبين لاحقاً، تعرضها لاغتصابٍ وقتلٍ، على يد شابين حدثَين، أحدهما من أقربائها، بعدما قاما باستدراجها إلى منزل أحدهما، ثم اغتصبها وقتلها ورمى جثتها عارية في أحراش منطقة (الدريكيش).

وتؤكد إحدى السيدات ألا أسهل من ارتكاب جريمةٍ هذه الأيام، ربما بسبب أرضٍ تمّ الخلاف على حدودها بين جارين، أو منافسةٍ محمومةٍ بين سائقين على مساحة أمتارٍ قليلةٍ لتكون موقفاً مؤقتاً للسيارة، أو خلافٍ تافهٍ على ميراث داخل دائرة العائلة الضيقة، أو إطلاقِ رصاصٍ طائش عقب صدور نتائج الامتحانات أو المباريات أو رأس السنة كتعبيرٍ عن الفرح في بلد الأحزان والآلام والموت..، وتسرد بهلعٍ الجريمةَ التي  شهدها (حي الغرّاف) في اللاذقية، والتي راح ضحيتها (أب لخمسة أطفال)، وهو أحد عناصر قوات النظام الذي تطوّع للقتال إلى جانب القوات الروسية في ليبيا، وعلى خلفية عودته منها بعد حصوله على مبلغ مالي كبير، وإخبار جيرانه وأقربائه بالأمر، والتفاخر بحصوله على هذا المبلغ، أقدم مجموعة من أصدقائه على اقتحام منزله ليلاً، وقاموا بسرقته بعد طعنه (22) طعنة في أماكن متفرقة من جسمه، ما أودى بحياته..، وفي هذا الوقت العصيب غدت مدن الساحل السوري، أشبه بمدن العالم السفلي الذي يتسيّده العنف كربّ مقدّس، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه، أو المساس به، حيث يتم تسجيل وقوع الجرائم بشكل شبه يومي، بينما يعيش الناس حياتهم بقلق وحذر وخوف منتظرين مصيراً مشابهاً، في ظلّ غياب القانون، وسيادة سلطة السلاح التي غدت بوصلة الحياة السورية الراهنة.