سلامٌ على أرواحنا المُتعبة.. سلامٌ علينا أبداً

سلامٌ على أرواحنا المُتعبة.. سلامٌ علينا أبداً

الصورة
27 شباط 2019

سلامٌ علينا من المحيط إلى الخليج، سلامٌ على أرواحنا التائهة بين صفحات الكتب وأخبار الصحف، سلامٌ على شفاهنا الزرق في أقبية السجون وعلى أعواد المشانق، سلامٌ على كلّ طائر غادر بفراخه إلى بلاد الشمال الباردة فاحترق، واحترقوا معه، سلامٌ على القابعين في منافيهم تحت رماد البيوت المدمّرة وبين حراب العبث والبعث والعقائد، سلامٌ على كل من ماتَ منّا، سلامٌ على كل من ينتظر، سلامٌ على من بقي منّا على قيد الأمل، سلامٌ على من لم يبدّلوا تبديلا.

ليست رثائيّةً، وإن كانوا يستحقّون، ليست بكائيّة، وإن كانت أقصر من قاماتهم التي تدلّت فجر يوم قاتم، ليست نعوةً لكلّ من مات غرقاً أو تجمّد أو تآكلت خلاياه من المرض في المخيّمات أو على الحدود أو في المطارات، إنّها صرخةٌ في وادٍ سحيق، إنها وقفة على أعتاب سنوات تحوّل الأملُ فيها إلى لعنة.

لكنّنا كنعقاء درويش نبعثُ من تحت الرماد، نحن الواقفين على خطوط الثورة لا نموت، نحن الشعوب، نحن الضحايا، "نحن المعذبين في الأرض"، لا نموت ولا نستسلم، نحن ننتصر فقط، كما قال يوماً عمر المختار.

ظنّ الطغاةُ بأنّهم لقّنوا شعوبهم درساً عندما تركوا الجزّارين يدمّروا العراق وسوريا على رؤوس أهلها، فتعالت وفي وجوههم قبضات شباب السودان والجزائر، وقبلها صدحت حناجر شباب العراق والمغرب، وبعدها ستصدح حناجر شباب مصر واليمن، وغيرها من أصوات شباب الشعوب المقهورة.

إن كان لدينا سبب للثورة يوم أشعل البوعزيزي النار بجسده، فاليوم لدينا مليار سبب. إن كان قدرنا أن نُبتلى بخونة يحكمون من التوابيت والقبور، "فالتيّارُ يغلبه السفين"، إن كان بازارُ المصالح الدوليّة مفتوحاً على منصّة دمائنا، فسنحرق المنصّة والمصالح، نحن لا نموت نحن لا نستسلم. سيتراجع الطغاة بكلّ تأكيد، سيندحرون أمام إرادة الشعوب، لأنّهم بكلّ بساطة يقفون في وجه حركة التاريخ وفي وجه المستقبل.

كتب لؤي أبازيد، وهو أحدُ شباب الثورة السورية من المهجّرين في فرنسا، على صفحته الشخصيّة في فيسبوك قبل أيّام:

" نجا طغاةُ المرحلة السابقة من المحاكمة، ومات أغلبهم ميتةً طبيعية.

طغاة اليوم سيحاكمون جميعاً، أكاد أعدكم بذلك، العالم العربي

كل ثورات الشعوب العربية انتصرت إلى حدٍّ ما، وكسرت حالة الخضوع التي سادت نحو نصف قرن، وهذا انتصار عظيم ولو حاول البعض إيهامنا بأن الثورات فشلت!

يتغير بوتيرة متسارعة، اليوم لا يشبه الأمس إطلاقاً، تذكّروا كيف كنّا قبل عشر سنوات فقط، وتأملوا بذات الوقت بالسنوات العشر القادمة، الفوارق كانت مخيفة وستكون جذرية.

كل ثورات الشعوب العربية انتصرت إلى حدٍّ ما، وكسرت حالة الخضوع التي سادت نحو نصف قرن، وهذا انتصار عظيم ولو حاول البعض إيهامنا بأن الثورات فشلت!

لا يهمني إن كان ديكتاتور كالسيسي رئيس مصر، ما يهمني هو الشارع المصري، ولا يهم ما يحدث في تونس وسوريا واليمن والعراق والخليج العربي والمغرب العربي على المستوى الحكومي، أنا ابن الشارع ومهتم بمراقبة الشوارع عن كثب، ثمة شوارع كثيرة حزمت أمرها باللاعودة إلى حظيرة الخضوع، وثمة شوارع أخرى تترقب الفرصة المناسبة للخروج.

كل ما يجري الآن هو أننا نسير في درب مُعبّد بالشوك، وكان لابد من السير فيه، لسنا مُخيرين في ذلك، وستنتصر إرادة الشعوب في نهاية المطاف لا محال إذا بقيت متيقظة.

الغد لكم والحرية والديمقراطية والمساواة والعدالة مصيركم، لكن هذا المصير لن يأتي بين ليلةٍ وضحاها، عشر سنوات قادمة كفيلة بقول الكثير، وقادرة بلا شك على رسم معالم جديدة وعصرية ونفتخر بها في عالمنا العربي، أُحب عروبتي رغم كل ما أصابها من ويلات، تلك المآسي تجعلني أكثر التصاقاً والتزاماً وانحناءً لها، همّنا واحد ومصيرنا واحد وجلادنا واحد، ومستقبلنا واحد، سواء أحببنا ذلك أم كرهناه."

لم يكن لؤي – بما يمثّله من جيل الشباب - ينجّم ويقرأ الطالع، بل كان يقرأ الواقع والتاريخ والضرورة. كلّ من راهن على انكسار الشعوب سيخسر، كلّ من فترت همّته ولانت عزيمته سيتفاجأ بالقوّة الكامنة في قلوب الناس.

لم يكن للمستبدّن في بلداننا خيارٌ يفهمونه سوى تدمير البلاد وتهجير الملايين، لترهيب من بقي تحت قبضتهم، هم لا يملكون أفقاً غير ذلك للبقاء في سدّة الحكم، فمن ظنّ أنّه ورث مزرعة من أبيه، لن يسلّمها لأصحابها الحقيقيّن إلّا إن احترق وأحرقها وأحرقهم معها. لم يحُزْ أي ديكتاتور عربي يوماً على ذرّة من الشرف أو الكرامة، ولم يتّصف بأية صفة وطنيّة كي يقف أمام نفسه ويقبل بالإصلاح أو بالتنحّي حفاظاً على الدماء ومنعاً لتدمير الأوطان. ومن يدري، لعلّ التاريخ يسجّل يوماً لابن علي ومبارك بعضاً من هذا أو تلك!؟

تسليم اليمن للحوثي بقرار من صالح، كتسليم الموصل لداعش بقرار من المالكي، كتسليم سوريا لإيران وروسيا والجولاني والبغدادي بقرار من بشار، كتسليم السودان لمشارط التقسيم بقرار من البشير، كتسليم الجزائر للمجهول بقرار الكفن. لم يحظَ يوماً، أيٌّ من هؤلاء الطغاة، ببعض الشرعية أو بمسحة منها، فما عساهم يفعلون بالبلاد وبالعباد إذن؟ إنّهم لا يتقنون سوى القتل والاعتقال والتدمير والترهيب، فهل يمكن أن نتصوّر منهم غير ذلك؟

قد تخبُو شعلة الأمل، لكنّها لا تنطفئ، قد يعمّ الدمار، لكنّه إلى زوال، والبلاد ستتعمّر، بسواعد أبنائها وبقلوب محبّيها وبأموالهم النظيفة لا بأموال تجّار الدماء وأمراء الحروب ومنظّمات العفن ودول المصالح.

قبل أيّامٍ نشر المحامي والروائي إيهاب عبد ربّه في أحد مواقع تواصل الرابطة السوريّة لحقوق الإنسان والمحاسبة، صوراً عن المركز الطبّي لجمعيّة إنعاش الفقير في مدينته، مدينة التلّ في ريف دمشق. هذه الجمعيّة المموّلة من تبرّعات أبناء التلّ حصراً، مسؤولة عن تأمين المساعدات لخمسٍ وعشرين ألف عائلة، ووصل الرقم إلى أربعين ألف عائلة بعد محنة تهجير أهلنا في الغوطة. كانت

استطاع أهل التلّ فرض إرادتهم من خلال مجلسهم المحلي الذي انتخبوه رغم أنف أجهزة مخابرات النظام من أبناء بلدهم الغيارى عليها وعلى أهلها

هذه الصور أكبر برهان – لي على الأقلّ - على أنّ الأموال النظيفة هي التي ستعمّر سوريا، وليست أموال الإرهاب ولا أموال القروض ولا أموال البنوك. لقد استطاع أهل التلّ أن ينتزعوا من بين براثن فرع الأمن السياسي قطعاً كبيرة من أراضي مدينتهم، كان قد استولى عليها أمراء الحرب باسم جمعيات سكنية من مجلس محلّي لا شرعي خلال فترة سابقة. استطاع أهل التلّ فرض إرادتهم من خلال مجلسهم المحلي الذي انتخبوه رغم أنف أجهزة مخابرات النظام من أبناء بلدهم الغيارى عليها وعلى أهلها.

تغيّر البشرُ، والناس تعلّموا الدرس، لن نسكت على إرهاب الدولة ولا على إرهاب الأنظمة، فنحن لم نُهزم، حتى ولو هُزم من تصدّروا المشهد العسكري أو السياسي يوماً، نحن أهل الأرض ونحن ملحُها، نحن الأرض ونحن السماء، نحن الشجر ونحن الحجر، نحن البشر.

سلامٌ علينا نحن الذين قال عنّا محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة... ساعةُ الشمس في السجن، غيمٌ يقلّدُ سرباً من الكائنات، هتافات شعبٍ لمن يصعدون إلى حتفهم باسمين، وخوف الطغاة من الأغنيات."

سلامٌ علينا، يوم ولدنا ويوم نموت ويوم نُبعث أحياء على قيد الثورة، على قيد الأمل.

شارك برأيك