سقوط خرافة العالم الافتراضي

تاريخ النشر: 25.09.2019 | 00:09 دمشق

للقادة والزعماء والوزارات والمؤسسات السياديّة، وللمؤسسات الإعلاميّة، الاقتصاديّة، الاجتماعيّة، الثقافيّة، وللشخصيّات العامّة؛ فنانين وفنانات، أدباء، نقّاد، قادة رأي...، وللأفراد العاديين أيضاً، حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. وهذه الأخيرة، ساهمت في إحداث تحوّلات اجتماعيّة – اقتصاديّة في الكثير من المجتمعات؛ ثورات، انتفاضات، عصيانات، اعتصامات، مظاهرات، انقلابات،..إلخ، وبعد كل هذا التأثير العميق في حيوات الأشخاص والمجتمعات والبلدان من قبل وسائل ومواقع التواصل الاجتماعي، وما زالت تتكرر توصيفات "العالم الافتراضي" أو "الفضاء الافتراضي" أثناء الحديث عن هذه المواقع!

لو حسب كل واحد منّا الزمن الذي يقضيه على مواقع التواصل الاجتماعي، سواء عبر نشر ما لديه من صور وآراء وأفكار وانتقادات وملاحظات، أو التعليق على ما ينشره أصدقاء "افتراضيون" وحقيقيون، لوصل إلى نتيجة تكشف له حجم الزمن الكبير الذي اقتطعه من عمره وخصصه للتواصل والتفاعل مع الآخرين على مواقع التواصل الاجتماعي في "الفضاء الافتراضي".

إذا لقي منشور أو صور لأحدهم أو إحداهنّ تفاعلاً جميلاً وملحوظاً، فهذا التفاعل يترك أثراً جميلاً على نفسيّة صاحب/ة الحساب. وإذا حدث العكس، فالنتيجة أيضاً ستكون سلبيّة ومخيّبة. زد على هذا وذاك، ثمّة من يهجو الفيسبوك، ويدمنه أيضاً، ويحاسب الناس على إعجاباتهم على أنهم لا يستحقّونها، وأن الفيسبوك وتوتير ليسا مقياساً للإبداع وجودة النصّ أو أهميّة الشخص، وهذا الكلام صحيح، لكن الصحيح أيضاً أن مجرّد نشر القصائد في ديوان أيضاً ليس مقياساً لجودة النصّ. بالتالي، الإكثار من ملاحقة الناس على "لايكاتهم" هذا أيضاً يعكس مستوى الضعف والهشاشة والحسد والخيبة والخذلان الذي يشعر به الشخص على أنه يستحق مستوى أكبر من التفاعل قياساً بالذين ينتقدهم وربما يسخر من مناشيرهم ونصوصهم وصورهم وهيئاتهم وحجم التفاعل والإعجاب الذي يحظون به!

كثيراً ما أرى كتّاباً ومبدعين يصل بهم الحال إلى الصراع على "الإعجابات" رغم أن إبداع الإعجاب بمنشور مسؤوليّة، لجهة المصادقة على المنشور، والمساهمة في التسويق والترويج له ولصاحبه. ذلك أن مجرّد الضغط على خيار من خيارات التفاعل كفيل بإيصال المنشور لكل الأصدقاء الموجودين في لائحة أي حساب أو صفحة. من جهة أخرى، يبرر البعض إبداء إعجابهم بمناشير أشخاص آخرين، حتى من دون قراءتها أو الاطلاع على فحواها، على أن ذلك من باب المجاملة، لأن صاحب المنشور ينتظر من أصدقائه التفاعل معه في كل شيء ينشره، وأحياناً يطالبهم بذلك، ويحاسبهم على السهو أو التجاهل. وهنا، أحياناً تحدث خصومات أو سوء فهم بين أصدقاء، لأن أحدهم أبدى إعجابه بمنشور

الفيسبوك وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي، في إحدى أوجهها، تكشف البواطن ومستويات الوعي والسلوك والأخلاق التي ربما تكون خافية عن كثيرين في الحياة والتعاملات العاديّة

يستهدفه بالقدح والذم، تلميحاً أو تصريحاً. وعليه، لا يمكن استسهال الأمر، والتقليل من التفاعل مع خطاب الكراهية والنفس العدواني التشويهي الذي يثار على صفحات التواصل الاجتماعي. وعليه، يكشف التفاعل مع مناشير مهينة ومشينة وأحياناً كارثيّة تستهدف أشخاصاً أو مؤسسات، مصداقيّة أصحاب التفاعل الإيجابي مع الذين تستهدفهم تلك المناشير.

بمعنى أكثر وضوحاً، إذا تفاعل وأعجب شخص بشتائم وجّهها أحدهم لشخص آخر، والشخص المعجب بهذا المنشور (الذي يعبّر عن مستوى السلوك والوعي والأخلاق أيضاً) له علاقة حتى ولو "افتراضيّة" بالشخص المشتوم المستهدف، فهذا أيضاً يميط اللثام عن شيء يشبه الازدواجيّة في السلوك الإنساني. وعليه، الفيسبوك وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي، في إحدى أوجهها، تكشف البواطن ومستويات الوعي والسلوك والأخلاق التي ربما تكون خافية عن كثيرين في الحياة والتعاملات العاديّة. ورغم كل هذا التحكّم بمزاج ونفسيّة ومشاعر وأفكار المرء، ما زال يقال عن الفيسبوك بأنه فضاء افتراضي؟!

يساهم الفيسبوك وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي في خلق شبكة هائلة من العلاقات بين بشر مختلفين في الأمكنة والأمزجة والميول، بحيث يمكن لصديق "افتراضي" أن يتحوّل إلى صديق حقيقي. ويمكن أن يحدث العكس أيضاً. أكثر من ذلك، ساهم الفيسبوك في نشوء علاقات حبّ، تطوّرت إلى زواج، وساهم أيضاً في التشويش على الحياة الزوجيّة لبعضهم، إلى درجة حدوث الافتراق والطلاق! ومع ذلك، ما زال يقال عن مواقع التواصل الاجتماعي "الفضاء الافتراضي"!

يتخذ البعض مواقع التواصل الاجتماعي كعمل تجاري صرف، يدرّ عليهم الأرباح، ما يساهم في تحسين الدخل. وذلك عبر الحصول على أكبر كمّ ممكن من الإعجابات والمشاركات والمشاهدات، والسماح للإعلانات بالظهور على حسابه. بالإضافة إلى مساهمة هذه المواقع في التسويق والترويج للمنتوج الجيّد والرديء أيضاً، أيّا يكون نوع ذلك المنتوج. وعليه، حتّى على المستوى الاقتصادي مواقع التواصل الاجتماعي فاعلة ومنتجة ومجدية أيضاً. ومع ذلك، ما زال وصف العالم الافتراضي يلاحق هذه المواقع!

ليس خافياً عن أحد؛ الرعب والهلع اللذين أحدثته وتحدثه مواقع التواصل الاجتماعي للنظم الاستبداديّة القمعيّة البوليسيّة رغم امتلاكها ترسانات من الجيوش العسكريّة والأمنيّة والإعلاميّة، وحشوداً من الكتبة والمطبّلين، ووعي دوغمائي خراساني مسلّح لدى الأتباع والأشياع على هذه المواقع. ذلك أنه يمكن لشخص، لديه موبايل وحساب على مواقع التواصل الاجتماعي مع وجود الإنترنت، أن يقلق سلامة نظام عرمرم بأكمله.  

على مستوى جرائم القدح والذم والتشهير والتشويه الذي يحصل على مواقع التواصل الاجتماعي، سنّت كثير من الدول قوانين خاصّة

إذا ساهم العالم الافتراضي في فضح قبائح وفظائع العالم الحقيقي بهذا القدر والحجم الكبير، حينئذ أعتقد أنه لا يبقى أي مبرر لتوصيف مواقع التواصل الاجتماعي بـ"العالم الافتراضي"

بهذه القضايا. وإذا كان هذا المجال الحيوي الفاعل والمؤثّر من التواصل والنشر الحرّ، أصلاً، مضبوطاً بقوانين تتعلّق به؛ (شروط وضوابط فتح حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي)، وبالجرائم التي تحدث على صفحات هذه المواقع، هل يبقى هناك أيّ مسوّغ لإطلاق تسمية "العالم الافتراضي" أو "الفضاء الافتراضي" على هذا الأخطبوط الذي يكاد يتحكّم بجوانب عديدة من حيوات البشر؟ معطوفاً على ما سلف، إذا ساهم العالم الافتراضي في فضح قبائح وفظائع العالم الحقيقي بهذا القدر والحجم الكبير، حينئذ أعتقد أنه لا يبقى أي مبرر لتوصيف مواقع التواصل الاجتماعي بـ"العالم الافتراضي"، أو "الفضاء الافتراضي"، بل هو عالم حقيقي ومنتج للحريّة والمسؤوليّة والإبداع وللخير والجمال والاقتصاد وكل أشكال المشاعر النبيلة ونشر الطاقة الايجابيّة، كذلك هو عالم حقيقي قادر على كشف وبل فضح الخصومات والأحقاد والشرور والمشاعر السلبيّة لمستخدمي هذه المواقع.

قصارى القول: الحجم المهول لما يتم وصفه بـ "الفضاء الافتراضي" في حياتنا سياسيّاً، اجتماعيّاً، اقتصاديّاً وثقافيّاً ونفسيّاً، ودوره وتأثيره على خياراتنا وميولنا، ومشاعرنا وأفكارنا...، لدرجة ربما يصل الأمر بنا في يوم من الأيّام أن نصف الواقع الموازي أو "الافتراضي" بأنه الحقيقي، والأخير هو الافتراضي، فيما يشبه تبادل الأدوار والمقامات. ذلك أن هذا الواقع، في كثير من الأحيان، يتغلّب على الواقع المعاش لجهة كشف القليل من بواطن الأنفس والعلاقات بين البشر، سلباً أو إيجاباً.

درعا.. ملازم في جيش النظام يهين لؤي العلي رئيس "الأمن العسكري"
تنفيذاً للاتفاق.. النظام يدخل تل شهاب غربي درعا ويفتتح مركزاً "للتسويات"
مع تسارع التطبيع.. هل ينجح الأردن في إعادة تعويم الأسد؟
كورونا.. الولايات المتحدة تسمح بجرعة ثالثة من لقاح فايزر للمسنين
تركيا.. عدد متلقي جرعتين من لقاح كورونا يتجاوز 68 في المئة
"محافظة حماة" تغلق صالات التعازي حتى إشعار آخـر