سردية الصورة: مَن يغتال القضية الفلسطينية؟

تاريخ النشر: 20.05.2021 | 06:18 دمشق

تخرج الصور والفيديوهات الموجعة ـ المبهجة من القدس وقطاع غزة لتنتشر في جميع أنحاء العالم بعد سنوات من حصار الصورة واحتكارها من قبل وسائل الإعلام الغربية ـ العربية الرسمية التقليدية.

سنوات من التعتيم والتشويه واختزال القضية الفلسطينية بنزاع بين "دولة إسرائيل" وحركة فتح ثم حركة حماس الإسلامية، ينزل رجال ونساء، شباب وصبايا إلى الشارع ويعيدون سرد قضيتهم التي طالما حاولت الدول الغربية والأنظمة العربية تشويهها (كل حسب أجندته ومصالحه): شعب يدافع عن أرضه وبيته، يرفض التفريط بحقوقه ومستعدّ للموت في سبيلها.

تقول الرواية الغربية: إن حركة حماس تسيطر على قطاع غزة منذ عام 2007، وتتعمّد وضع منشآتها العسكرية بين مواقع مدنية من أجل دفع جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى إعادة النظر في شن غارات في مناطق يوجد فيها مدنيون حسبما تقول إسرائيل. لا تخفي وسائل الإعلام الغربية مصادرها: الرواية الرسمية الصادرة عن "الحكومة الشرعية".. إسرائيل .. هكذا..

على عكس الصورة المصدَّرة لنا، فالمواطن الغربي لا يهتم بما يحصل في الشرق الأوسط إلا في حدود ما ينعكس على حياته اليومية بشكل مباشر، لذلك تترسخ في وعيه صور وسرديات تتراكب وإن بشكل غير منطقي وتتصادم بكل قناعاته وفلسفته: دولة دينية تريد أن تستعيد حَدَثاً تاريخياً عمره أكثر من أربعة آلاف عام، وتؤسس بالقوانين الغربية نفسها القائمة على مفهوم المواطنة أكبر دولة فصل عنصري تفرز مواطنين درجة أولى وثانية على أساس عرقي وديني. لكنها تمرّ دون محاكمة عقلية أو منطقية، ذلك أن الإعلام الغربي يبدأ بالتعامل مع القضية الفلسطينية من النقطة التي تنتهي إليها في كل مرة. فالمرة قبل الأخيرة كانت عام 2001 حيث كان هناك صراع بين "دولة إسرائيل" وحركة حماس "الإسلاموية" التي تزداد قوة مع انتشار الإرهاب الإسلامي في المنطقة. كانت مهمة إسرائيل إطفاء تلك النيران، وهي مهمة صعبة وشاقة ومحل تقدير من قبل المواطن الغربي، وتعمي على كل القضايا التي وراءها.

في المرة ما قبل الأخيرة كان تعدّي حماس على السلطة الفلسطينية "الشرعية" صارخاً. حيث كانت حماس تريد أن تسرق الديمقراطية بالانتخابات. وأيضاً كانت مهمة إسرائيل النبيلة احتواء ذلك الإرهاب. كل الضحايا هم خسائر جانبية مقبولة لجهة حماية الإنسانية من الظلامية والإرهاب. إسرائيل هنا قاعدة متقدّمة للتنوير تتسلح بصورة نمطية عن العالم الآخر: نساء محجبات يرتدون الجلباب، رجال بلحى يصرخون بالتكبيرات للموت والعدمية. التهجير، القدس، اعتقالات الضفة الغربية، التعذيب، بناء المستوطنات وجدار الفصل العنصري كلها من نوافل القضية.

لكن الغرب لم يصنع تلك الصورة بمفرده، ولم تتراكب تلك الصورة المتنافرة لولا مساهمة الأنظمة العربية في تصدير القضية الفلسطينية على هذه الشاكلة واللعب بها واستغلالها لمكاسبها الخاصة: إحكام قبضتهم ليس فقط على الشعوب العربية بل على الشعب الفلسطيني وحركات المقاومة نفسها.

لطالما ساهمت مصر والأردن على سبيل المثال لا الحصر على خنق فتح الانتفاضة، ودعم السلطة الفلسطينية. فكانت أحرص من إسرائيل على عدم انفجار الوضع الداخلي والتحكم فيه بدل دعمه. لم تنظر الأنظمة العربية يوماً إلى فلسطين كقضية بقدر ما هي "كرت" متعدد الاستخدامات في مختلف الاتجاهات، وكانت مسرورة بذلك التشويه الإعلامي حيث يبتعد العالم عن القضية الفلسطينية، ويبقى الفلسطيني وحيداً.

وبذلك تُحكم الأنظمة المعنية قبضتَها على الوضع الفلسطيني وتوجهه (مرغماً) وفق ما تمليه مصالحها هي لا مصلحة الفلسطينيين. لذلك نرى كثيرا من وسائل الإعلام العربية الرسمية تضخم وتبالغ من دور حماس على حساب الشعب الفلسطيني، وتصر على إبراز الصراع بينها وبين الكيان المحتل على حساب النضال الفلسطيني برمّته من أجل حقوقه.

فهناك فصل بين الأرض المحتلة والضفة الغربية وبين غزة بقيادة حماس وكأنهم دول منفصلة، ولا تكاد تسمع في الإعلام العربي الرسمي سوى الصراع الثنائي بين حماس والكيان المحتل. بل ويتم تحميل حماس المسؤولية بشكل غير مباشر عن الضحايا المدنيين، وكأن عرب الداخل والقدس يعيشون في بحبوحة، أو أن دولة الاحتلال لا تقتل أو تهجر الفلسطينيين في الضفة الغربية، التي تنتشر وتتكاثر فيها المستوطنات بشكل يومي.

كما تُختزل الخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية بحماس والسلطة في الاستيلاء على السلطة نفسها، في حين يتم تجاهل التغوّل الأمني للسلطة الفلسطينية بقيادة محمد دحلان في غزة والذي أدّى إلى انفجار الوضع. محمد دحلان ممثل السلطة الفلسطينية لا يختلف عن أي ضابط أمن سوري في تعامله مع شعبه، وهو ما أدى إلى الانفجار الشعبي وطرده وزبانيته من غزة.

كان ياسر عرفات يحترم حماس المقاومة وينسق معها. الاحترام المتبادل حفظ للفلسطينيين وحدتهم وتماسك قضيتهم ولو بالحد الأدنى. في حين أراد محمود عباس سحق المقاومة على غرار الضفة الغربية وهو ما رفضته حماس وباقي الفصائل رفضاً مطلقاً. ولأن سلطة عباس هي نسخة من سلطة الأنظمة العربية، لم يكن هناك حل سوى الخضوع أو الثورة (بتعبير ما بعد 2011) وهو ما أدى إلى طرد دحلان ومنظومته الأمنية التي يطلق عليها اسم "حكومة" من غزة مرة واحدة ونهائياً.

في المرة الأخيرة عام 2014 كان الإعلام العربي الرسمي قد غيّب الفلسطينيين في الوعي العربي تماماً. ترسخت صورة "حماس ـ إسرائيل" والقصف الإسرائيلي على غزة. لم يعد أحد يتحدّث عن فلسطينيي الداخل (عرب 48) أو الضفة الغربية. لم يعد أحد يستنكر الاعتقالات اليومية التي تقوم بها إسرائيل بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية أو السلطة نفسها تجاه أبنائها. حيث أصبح شأناً داخلياً لحكومة شرعية تستبيح ما تريد باسم القانون على غرار الأنظمة العربية تماماً.

فاقم من هذا التعتيم العداء الإيديولوجي لبعض المثقفين والناشطين تجاه حماس؛ حيث فضّلوا "النضال" ضدّ حماس أولاً، وإهمال ما عدا ذلك. مما أدى إلى إنتاج سردية إعلامية تقدم الصراع الإيديولوجي على قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه والتعريف به. وامتد هذا التشويش إلى الغرب الذي لم يعد يحصل إلا على الصورة التي نراها اليوم: الإسلاموية والتطرف الإسلامي والباقي من نافلة الصورة.

اليوم 2021 وبعد أن كسرت مواقع التواصل الاجتماعي الإعلام الرسمي، وتجاوزت السوشيال ميديا المثقفينَ والناشطين وصراعاتهم، خرجت الصورة الحقيقية إلى العلن: صورة بسيطة خالية من كل الألوان، "خامة" تُعبّر عن الإنسان الفلسطيني وهو يتشبّث بأرضه ويصرخ بكل قوته.

كثير منا شعر وكأن هناك وضعاً جديداً، لكن الحقيقة أن شيئاً لم يتغير، كل ما هنالك أنه أتيح للفلسطيني أن يُعبّر عن نفسه، ويصل صوته... يصرخ، يتظاهر، يقاتل.... والمفاجأة أن كثيرا من الناس والشخصيات العامة والصحفيين في أرجاء العالم أيّدوا حقَّه في التشبث بحقوقه والنضال من أجلها، والدفاع عن نفسه حتى وهو يطلق صواريخه باتجاه تل أبيب.

توقعات باجتياح متحور "أوميكرون" العالم خلال 6 أشهر
عبر سيدة قادمة من جنوب أفريقيا.. الإمارات تسجّل أول إصابة بـ "أوميكرون"
تسجيل أول إصابة بالمتحور "أوميكرون" في الولايات المتحدة الأميركية
فيصل المقداد: لولا علاقتنا مع إيران لكانت الأوضاع ملتهبة في الوطن العربي
بين عالَمين
الرحلة الجوية الأولى لـ "أجنحة الشام" بين مطاري دمشق وأبو ظبي