icon
التغطية الحية

ساعات غيّرت تاريخ الساحل السوري: ماذا حدث في جبلة ليلة سقوط النظام؟

2025.12.08 | 06:15 دمشق

جبلة ليلة سقوط النظام
جبلة ليلة سقوط النظام
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- في ليلة الثامن من كانون الأول، شهدت جبلة اضطرابًا وغموضًا مع انقسام طائفي وغياب أمني، مما أثار الخوف بين السكان.
- مع اقتراب قوات "ردع العدوان"، ظهرت علامات انهيار السلطة، حيث أخلت الشبيحة والضباط منازلهم، واندلعت الفوضى والسرقات، بينما انقسمت المدينة بين الفرح والخوف.
- تعرضت مقار أمنية للحرق والنهب، مما جعل جبلة بلا سلطة، في لحظة تاريخية قلبت صفحة طويلة في تاريخ المدينة.

في الساعات الأولى من ليلة الثامن من كانون الأول، عاشت مدينة جبلة جنوبي اللاذقية واحدة من أكثر ليالي تاريخها اضطرابًا وغموضًا. مدينةٌ منقسمة طائفيًا في أحيائها، خالية من أي وجود أمني، ومترقّبة لما يبثه التلفاز من انهيار مفاجئ لسلطة حكمت البلاد لعقود. تلك الليلة سجل فيها الأهالي مشاهد متناقضة بين الهلع والانتظار، وبين احتفالات خاطفة وخوف عميق من أن تنفجر المدينة بوجه نفسها.

شهادات سكان جبلة لموقع تلفزيون سوريا ترسم الصورة المتناقضة للمدينة في تلك الليلة بين الأحياء الشمالية التي فرغت بمعظمها وفر سكانها نحو قراهم وأحياء جنوبية كانت تترقب ما يحدث، في مشهد كان ينذر باحتمالات دامية. وبين هذا وذاك، كانت طلائع قوات "ردع العدوان" تقترب من تخوم المدينة، لتعلن بداية مرحلة جديدة.

منازل تُخلى على عجل.. وإشارات مبكرة على انهيار السلطة

محمد عدلة، من سكان حي الجبيبات المتنوع طائفيا يقول إنه أدرك قرب سقوط النظام منذ اللحظات الأولى بعد منتصف الليل. يصف تلك الساعات قائلاً: "بعد الساعة الثانية عشرة ليلاً بدأت تحركات غريبة. في البناء المقابل كان بعض الشبيحة يفرغون المنازل التي استولوا عليها قبل سنوات طويلة. خرجوا منها على عجل وتركوا حتى أثاثهم. الضباط الذين يقطنون حيّنا كانوا يغادرون بسرعة مع عائلاتهم إلى قراهم. لحظتها أيقنت أن النظام سيسقط في تلك الليلة."

كان ذلك التحرك المفاجئ بمنزلة علامة واضحة لسكان جبلة بأن السلطة بدأت تتفكك. ومع غياب الشرطة والأمن والجيش عن الشوارع، بدأ سكان المدينة يشعرون بأنهم تُركوا لمصير مجهول.

شوارع فارغة.. وخوف من حمّام دم

في حي العزة جنوبي جبلة، يتذكر عبد الله يونس حالة الهلع التي سيطرت على الأهالي. يقول: "الشوارع كانت فارغة تمامًا. الجميع كان يراقب التلفاز. الخوف كان سيد الموقف، وكان الهم الأكبر ألا تتحول المدينة إلى حمّام دم أو تبدأ عمليات قتل طائفية. بعد الساعة الثانية فجراً سمعنا همسات بأن النظام سقط، لكن لم يجرؤ أحد على الخروج."

ومع بزوغ الساعة الخامسة فجراً، تغير المشهد. المصلون الخارجون من جامع أبو بكر الصديق لاحظوا شباناً يتجمعون في الشوارع، يحتفلون، ويمزقون صور الأسد. ومع تقدم ساعات الفجر بدأ بعض المسلحين ببنادق بالظهور، تزامنًا مع انتشار الفوضى.

يضيف عبد الله: "شاهدت عناصر في أحيائنا يحملون السلاح، ليسوا غرباء. وتوجه البعض نحو وسط المدينة لتمزيق علم النظام. لاحقًا رأينا فرع الأمن العسكري يحترق، ويبدو أن عناصره هم من أشعلوه قبل أن ينسحبوا."

تلك اللحظات تحولت سريعًا إلى موجة فوضى شملت إطلاق نار في الهواء وسرقة بعض المحال التجارية، في حين كانت سيارات عديدة تهرب مسرعة نحو القرى المحيطة.

طلائع المقاتلين تصل.. والمدينة تنقسم بين الفرح والرعب

عند الظهيرة، بدأ المهاجرون من أبناء جبلة الذين كانوا يقاتلون في ريف اللاذقية بالوصول إلى مدينتهم. كان المشهد، كما يرويه الأهالي، خليطًا من الدموع والدهشة والاحتضان.

عبد الله يونس يصف تلك اللحظة: "وصلت أولى طلائع المقاتلين حوالي الساعة الواحدة ظهرًا. شاهدت عائلات تحتفي بأبنائها وتلتقي بهم لأول مرة منذ سنوات. كان شعورًا لا يُنسى. لكن في الجانب الآخر من المدينة كان الخوف يسيطر على كثيرين."

ذلك الانقسام بين مشاعر الفرح والقلق كان يعكس تركيبة المدينة وتعقيدها، فجبلة لطالما كانت نقطة تماس حساسة بين مكونات متنوعة طائفيا.

خوف من الانتقام.. وطمأنة في الساعات الأولى

علي صبوح، الموظف المدني ومن سكان حي الضاحية الشمالية، بقي في منزله طوال تلك الليلة. يقول: "لم نخرج من بيتنا. كنا نخشى انتقامًا أو أعمال عنف مع دخول قوات المعارضة. رأينا جيراننا يغادرون نحو القرى، والقلق كان يملأ الوجوه."

لكن الهواجس، كما يقول علي، لم تتحول إلى واقع: "في اليوم الأول لدخول قوات المعارضة سمعنا الرصاص والاحتفالات، لكن لم يحدث أي اعتداء على المنازل. لم تُسجل انتهاكات. بقينا أيامًا في المنازل حتى عادت الحياة تدريجيًا."

 أم تحتضن ابنها بعد 14 عامًا

من أكثر اللحظات تأثيرًا تلك التي ترويها دلال إدريس، أمٌّ لابن هُجّر منذ عام 2012. كانت ليلة الثامن من كانون الأول بالنسبة لها ليلة معجزة: "لم أنم تلك الليلة. لم يخطر ببالي أنني سأرى ابني في ذلك اليوم بعد 14 عامًا. كنا نخشى أن تتحول مدن الساحل إلى قلعة للنظام المخلوع، أو تبدأ أعمال قتل طائفية. لم يخبرني ابني أنه قادم… وفجأة توقفت دراجة نارية أمام منزلنا، وسمعت زوجي يكبّر. دخل ابني وعانقني… كانت لحظة لا تُنسى." تختصر دلال بذلك المشهد مشاعر آلاف الأسر التي فرّقتها الحرب.

فراغ أمني يسبق دخول قوات "ردع العدوان"

قبل دخول قوات "ردع العدوان"، تعرضت مقار أمنية عدة للحرق، مثل فرع الأمن العسكري والمجمع الحكومي وشعبة التجنيد. كما سُرقت أسلحة ونهبت بعض المحال، في حين أخلى عناصر ميليشيا "الدفاع الوطني" المنازل التي كانوا قد استولوا عليها سابقًا. كانت جبلة، لساعات طويلة، مدينة بلا سلطة وبلا مؤسسات، تنتظر من سيملأ الفراغ.

ليلة سقوط نظام الأسد في جبلة لم تكن مجرد حدث سياسي أو عسكري؛ كانت لحظة خروج مدينة جبلة عن قبضة السلطة لأول مرة منذ عقود. ومهما تعددت الروايات، سيبقى الثامن من كانون الأول يومًا قلب صفحة طويلة في تاريخ المدينة، التي قدمت أكثر من 300 قتيل في معارك مع النظام المخلوع أو في معتقلاته.