ساحر تحت الطلب.. سوريون يلجؤون إلى السحر في تركيا

تاريخ النشر: 05.09.2021 | 06:09 دمشق

آخر تحديث: 07.09.2021 | 10:12 دمشق

غازي عنتاب - وائل عادل

"ثَقَبَ الشيخُ إصبع قدمها بدبوس فخرج منها الدم والجنيّ في الوقت ذاته، وبالفعل هدأت غالية التي كانت تختلج وتتكلم بصوت غريب".. هكذا حدثنا أحمد عما حدث مع زوجته منذ فترة قريبة، حيث كانت تتحول إلى امرأة أخرى بصوت مختلف وحركات عصبية تهيج عبرها في وقت محدد كل يوم، ولا تعود لطبيعتها إلا بعد ساعات، تغفو قليلاً وتعود وهي لا تتذكر ما حدث خلال الساعات الماضية.

كانت تجربة "أحمد" الأولى مع رجل قيل عنه إنه "يفكّ السحر" ويقرأ الرقية الشرعية، في أحد أحياء مدينة غازي عنتاب التركية، اتصل به وجاء إلى المنزل وقرأ ما قرأ وهو يهمس، حتى تغير صوت "غالية" وكأنها شخص آخر، فسألها الشيخ عن اسمها فأجابت بأنها "خاتون" الجنية التي تسكن جسدها، وأمرها بالخروج من جسد غالية، كانت تصرخ رافضة ذلك وثقب إصبع قدمها بدبوس، فهدأت بالفعل، وغفت،  وقال "مشي الحال، طلع منها"، وأخذ أجرته مئة ليرة تركية، وغادر.

لكن عادت حالة غالية إلى ما هي عليه مساء اليوم التالي، ورجع الشيخ محمد، وأخرج الجنية من إصبع قدمها من جديد، وأخذ أجرته وغادر مؤكداً هذه المرة أنها غادرت ولن تعود.

تكررت الحالة وفي المرة الرابعة لم يتصل الزوج بالشيخ نفسه، بل بحث عن آخر، في غازي عنتاب وبالقرب من مشفى "ياشام" هناك شيخ يدعى "الشيخ أبو محمود"، يقطن في بيت وصفه أحمد بأنه عادي لكنه مخيف نوعاً ما، هناك غرفة انتظار، وبعدها يمكنك الدخول للشيخ الذي يرحب بطريقة حارة بضيوفه كما يصفهم، وأيضاً سمع القصة وقرأ ما قرأ وأعطاهما ورقة سحرية، قال إنها يجب أن تبقى ملتصقة بها ليلَ نهار، وأخرى يجب أن تنقعها بالماء الذي تشرب منه، وكانت أجرته خمسين ليرة، دفعها أحمد وأخذ "الحجابات السحرية"، لكن لم تتحسن "غالية" حتى بعد أربع جلسات مع الشيخ الذي قال إن السبب أنها لا تقرأ الأذكار التي أعطيتها.

لدى سؤالنا لأحمد عن احتمال معرفة زوجته معلومات حول هذه القصص، أن زوجته تأثرت كثيراً بالمسلسل السوري "ليل و رجال" من بطولة "فراس إبراهيم" والذي قدم حالات يصل فيها المشعوذ إلى مبتغاه في كثير من الأحيان.

مشايخ إناث.. وشموع في غرفة معتمة

أما الشيخة "أم حسن" الخمسينية والتي تقطن في بيت واسع يدل على سعة الحال، في حي قراطاش في غازي عنتاب، فهي لا تطلب نقوداً للمعاينة في المرة الأولى، لكنها طلبت ستمئة ليرة من "مايا" عندما فكت لها "السحر" كما تقول، وطلبت منها أن تقف وحيدة في غرفة معتمة وتحيط نفسها بدائرة من الشموع وتقرأ آيات ملخبطة من القرآن الكريم، "مايا" لم تستطع أن تكمل الآيات وفقدت الوعي، ولدى استيقاظها بدأت ترى أشخاصاً غير موجودين، وتهلوس وتصرخ بملء صوتها كل ليلة في أثناء نومها.

وذهبت مع والدتها إلى عديد من المشايخ أو السحرة السوريين والأتراك من دون جدوى، ولم تزر طبيباً نفسياً أو مركزاً للعلاج النفسي كما أخبرتنا لأنها متأكدة بأنه ليس مرضاً نفسياً بحسب الأم.

عقوبة الشعوذة في القانون السوري الحبس عشرة أيام

تنتشر ظاهرة السحرة في سوريا سابقاً، وكان لهم صولات وجولات بسبب الاستعمال السياسي لهم، أحد هؤلاء السحرة "الشيخ أبو إبراهيم" كان يعمل مساعداً في أحد فروع المخابرات في مدينة حلب، إحدى الحالات التي ذاع صيتها، فتاة عمرها 14 عاماً كانت مشلولة وصارت تمشي بعد أن عالجها كما يدّعي، وعندما انتشرت هذه القصة في أرجاء الحي، بدأ الزبائن يتهافتون عليه من كل حدب وصوب.

نص قانون العقوبات السوري على فرض عقوبة ممارسة أعمال الشعوذة ومناجاة الأرواح وغيرهما بقصد الربح بعقوبة محددة بنص المادة 745، وتتمثل بالحبس من يوم إلى عشرة أيام وبغرامة مالية من 500 ليرة سورية إلى 2000 ليرة سورية مع وجود تشديد للمادة.

فك السحر والكتبة عبر الهاتف:

في غازي عنتاب التركية.. عانت "لمياء" بعد طلاقها أيضاً من الكوابيس، نصحتها صديقتها أن تتصل بشيخ يقطن في أضنة ليعالجها عبر الهاتف، وبعد اتصالين بدأ الشيخ "محمد" يلحّ بأن تأتي لمياء إليه في أضنة، ثم عندما قال لها: أنا شيخ عصري، ولست كالمشايخ الذين تعرفينهم، فأنا أغني، وبدأ بغناء المواويل، وتقول لمياء: استغربت كثيراً وفي آخر اتصال سألني بعد أن مهّد لي بأن "لا حياء في الدين": هل ترين منامات فاحشة أثناء نومك؟، فأنهيت الحديث معه وأنهيت موضوع العلاج.

تكثر ظاهرة فك السحر أو كتابته وممارسته عبر الهاتف أو الإنترنت في إسطنبول، و في أنقرة ألقت السلطات التركية القبض على واحدة من عصابات الشعوذة السورية في 10 شباط 2021 وبحسب الصحف التركية التي نشرت الخبر فإن الشرطة التركية ألقت القبض على 13 سورياً يمارسون أعمال "السحر والشعوذة"، وذلك خلال عملية أمنية واسعة على 15 عنواناً، وبحسب مصدر أمني فإنه "عقب عمليات البحث والتحري في أحد أوكار العصابة المذكورة، والذي كان يُستخدم لخداع الضحايا، تم العثور على وثائق وممتلكات مختلفة، إضافة إلى رؤوس حيوانات محنطة وتماثيل ملونة ودمى مربوطة بالكراسي بواسطة حبال".

ساحر يخدع عشرات السوريات في تركيا

وصلنا إلى أحد السحرة الأتراك والذي يستقبل عشرات النساء السوريات كل يوم -بحسب جاره-، ويكتب "الحجابات" وهي ورقة صغيرة يُكتب فيها آيات من القرآن الكريم أو طلاسم سحرية وغيرها وتطوى وتُخرز وتغلف بكيس من النايلون وتعلق في ملابس أو بطوق صاحب الشكوى، وتُعطى لحالات يائسة منها من تريد أن تتزوج ابنتها، أو لمن تريد أن يعود الوفاق بينها وبين زوجها، أو من تريد أن تنجب طفلاً وغيرها من المشكلات الاجتماعية أو المرضيّة، التي تعتقد النسوة أن الحل لدى الشيخ "الساحر".

في حارة شعبية في أحد الأزقة الضيقة في غازي عنتاب أيضاً، وصلنا إلى بيت متهالك حيث يسكن الشيخ الذي سوف نسميه "يلمز"، دخلنا إلى غرفته كان جالساً على إسفنجة بسيطة على الأرض، وتحدث معنا ببعض العربية المكسرة، لم نظهر له هويتنا، قلت له إنني بعد روايتي للأعراض العامة التي تعلمتها، كالألم في الرأس ورؤية الكوابيس ليلاً، استنتج بأن أحد الأشخاص قد سحرني، أو "كتب لي سحراً"، وللعلاج بدأ بقراءة آيات من القرآن، ثم أشار إلى إصبع يدي وقال بالعربية الفصحى "يخرج من هنا؟ يخرج من هنا؟ هل تشعر؟" أجبته نعم، فارتاح وابتسم لنصره، وطلب مئة ليرة تركية، بعد أن عالجني وأخرج مني الروح الشريرة.

يشار إلى أن القانون التركي ينص على حظر جميع أشكال الاحتيال المالي في إطار قانون العقوبات الجنائية، بما في ذلك الاحتيال بوساطة أعمال السحر والشعوذة والعرافة، ويعاقب من تثبت تهمته بممارسة السحر بالسجن من 3 إلى 10 سنوات، إضافة إلى غرامات مالية.

والمادة رقم 158\1\A في القانون التركي تنص على أن عقوبة استغلال المشاعر الدينية في حال تم إثبات هذا الذنب بين سنتين إلى سبع سنوات حبس، وغرامة مادية تصل إلى خمسة آلاف ليرة تركية.

الحكم الشرعي للسحر

يقول الشيخ محمد سميع، عضو رابطة العلماء السوريين، خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا: إن السحر هو مرض من الأمراض لا بد من علاجه، فإبطال السحر مطلوب وواجب، وتوجد آيات كثيرة في القرآن كآية الكرسي تبطل السحر، وأحاديث كثيرة فسرت السحر وطرق الشفاء منه، فالسحر داء وله دواء، لكن هذا الدواء يحتاج إلى أهل الاختصاص، وتوجيه الناس إلى الرقاة يجوز لكن بشرط أن يكون الشيخ أو طالب العلم يرقي بالرقية الشرعية بقال الله وقال رسوله، وليس بالمشعوذين والكهان أو الذين حولوها إلى مهنة وجعلوها سبباً للتكسب ويعملون بالشعوذة وكتب علاج السحر التي تحتوي على الكذب والافتراء، أما القول المتناقل بين الناس "السحر لا يفكه إلا السحر" فهو باطل.

لماذا لا يحل علم النفس مشكلات المسحورين؟

تواصلنا مع المختص النفسي "محمد السيد" والذي قال إن الأعراض التي تنسب بشكل عام للمس والسحر وقضايا الجن، غالباً يرتبط بجهل بتركيب النفس البشرية، وعدم الوعي الكافي بالأعراض النفسية وتطور الاضطرابات النفسية، فالأصوات الغريبة والتي تظهر من بعض الناس، هو اضطراب نفسي ويعود سبب الصوت الغريب لاستخدام الشخص باللاوعي مساحات مختلفة من الحبال الصوتية غير معتادة من جرّاء الاضطراب النفسي.

ولدى سؤالنا له عن سبب تفسير هذه الاضطرابات النفسية بالمسّ، أو "اللبس" أجاب: أن الدماغ البشري يسعى لتفسير الظواهر غير المفهومة من حوله بحسب سويته المعرفية، وهو تاريخياً مشهود ومعروف، كتفسير طوفان الأنهار قديماً كان دماغ الانسان يفسرها برضى وغضب الآلهة ويقدّم لها القرابين، ثم مع تطور العلم عرفنا أسباب الفيضانات علمياً وبنيت السدود.

وعلى المستوى البشري إن لم نجد الإجابة لسؤال لماذا حدث هذا الأمر، فنقدم هذه التفسيرات الغيبية كالسحر والمس من الجان والمخلوقات غير المرئية، هذه التفسيرات لا تخص مجتمعنا المسلم فقط، بل موجودة لدى كل الديانات كالمسيحية وغيرها.

وحول موضوع رؤية أشياء غير موجودة حول المريض، يعرّفه الطب النفسي بالإهلاسات، وهي حالة معروفة أن ترى أو تشعر بشيء من دون وجود مثير، كخوف الطفل من شمعة شكلها غريب أو حركة الستائر وانعكاس الضوء عليها، يجعل دماغ الطفل الذي لم يطور إجابات فيزيائية تفسر حركة انعكاس ضوء الشارع على الستائر، وتستجيب أدمغة الطفل لهذه الحالة بخوف حقيقي، وفي حالة البالغين ربما يكون الدماغ العلمي لديه مبكراً، لذلك تدفع المشاعر للاستجابة بشكل كامل، وتدفع سيالة عصبية لرؤية شيء غير موجود أصلاً، وهذا هو الاضطراب النفسي.

أما عن وجود شخصية أخرى داخل الشخص الذي يفسّر بالسحر فإنّ علم النفس يفسره بنوع من الاضطرابات الهيستيريائية وواحد من أشهر هذه الاضطرابات هو تفكك الشخصية أو تعدد الشخصيات، وهو مفهوم معقّد ممكن تبسيط الفكرة بأنه يوجد عدد من الشخصيات داخل الإنسان الطبيعي واحدة ناضجة مثلاً يتعامل فيها الشخص مع مديره، وشخصية غير ناضجة يتعامل فيها مع طفله، وفي حال التعامل بشخصية الطفل مع مديره يقال عنه غير طبيعي، وهي نظريات قديمة، تقول إن الوعي هو المسؤول عن إبراز هذه الشخصية وإخفاء تلك، وعدم انتشار هذه المعلومات بين الناس هو سبب من الأسباب، وهو ليس ذنب علم النفس، فعندما تظهر شخصيّة جديدة لدى الشخص فهو خلل في إظهار الشخصيات.

وأضاف "السيد" أن علم النفس لا ينفي بأن الإيمان بشيء أو بقضية بالحياة تدفعك لتجاوز حالاتك الفيزيائية أحياناً، وعندما أكون مؤمناً بأن "المشعوذ" هو من سوف يحلّ مشكلتي النفسية فإن الجسد أو الحالة النفسية سوف تستجيب بسبب إيماني، والعلاج بالوهم طبياً موجود فأي دواء في العالم يمر بمرحلة فحص "بلاسيبو" أي الدواء الوهمي، وهو واحد من مراحل اختبارات كل الأدوية، يجب أن يكون عدد المرضى الذين يتحسنون بالدواء الحقيقي أكبر من نسبة من يتحسنون بالدواء الوهمي "بلاسيبو" المكون من النشاء والماء على سبيل المثال.

وأخيراً نصح المختص النفسي "محمد السيد" أن يتوجه من يعاني من أعراض نفسية للتواصل مع مراكز للعلاج النفسي أو اختصاصيين، أو أضعف الإيمان أن يقرأ عن العلاج النفسي ليدرك ولو بشكل نسبي ماهية الاضطراب النفسي الذي يعانيه، ويتأكد من طريقة علاجه.