سؤال يتكرّر في كل مناسبة.. كيف نعرف المتورطين بارتكاب جرائم؟

2025.05.09 | 06:52 دمشق

525
+A
حجم الخط
-A

بعد سقوط النظام السوري، تدخل البلاد مرحلة جديدة عنوانها العريض هو العدالة الانتقالية، والبحث عن الحقيقة، والمحاسبة، ثم المصالحة.

لكن هذه المرحلة، التي من المفترض أن تؤسس لثقافة جديدة تقطع عقوداً من الإفلات من العقاب، تُواجهها ظواهر مقلقة، أحدها تكرار ظهور شخصيات من الحكومة الانتقالية أو مسؤولين في مؤسسات عامة في صور أو لقاءات مع أشخاص متورطين بانتهاكات حقوق الإنسان، أو ارتبطت أسماؤهم بممارسات تعذيب واعتقال تعسفي، أو حتى تورطوا بشكل مباشر في جرائم قتل ومجازر.

وجوهٌ قديمة تعود، أسماء مألوفة تظهر من جديد في صور ولقاءات واجتماعات، إلى جانب مسؤولين جدد يفترض أنهم يمثلون القطيعة مع القسوة.

حين تواجه هذه الشخصيات بعاصفة من النقد على وسائل التواصل الاجتماعي، تأتي الإجابة السهلة: "لم أكن أعرف من هو."

“لم أكن أعرف أنه متورط.” وكأنّ التورط بجرائم ضد الإنسانية أمرٌ يمكن إخفاؤه بسهولة، أو أنه تفصيل هامشي يمكن تجاوزه باسم المجاملة الاجتماعية أو العفوية أو “عادي كان موجود وما عرفنا مين هو”.

لكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح في هذا السياق هو: كيف نعرف المتورطين بارتكاب الجرائم؟ ولماذا نختار ألا نعرفهم؟

ليس صعباً… حين تكون هناك إرادة

في زمن الثورة، تحوّلت الذاكرة إلى أرشيف حيّ: تقارير، شهادات، صور، مقاطع فيديو، مذكرات قضائية وقوائم عقوبات، سرديات متداولة في الحارات والمخيمات والمنفى. لا أحد بحاجة إلى أكثر من دقائق بحث ليعرف من هو هذا الشخص الذي يقف بجانبه، وماذا فعل، وماذا رأى الناس فيه.

مع مرور أكثر من عقد على انطلاق الثورة السورية، تراكمت كمية ضخمة من التوثيق الحقوقي، سواء من منظمات محلية مثل الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أو منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، أو من المبادرات المدنية التي نشطت في أرشفة الشهادات، والوثائق، والصور، والفيديوهات. أسماء الآمرين والمنفذين والداعمين لم تعد مجهولة كما كان الأمر في سنوات الرعب الأولى. يكفي اسم بسيط وبحث دقيق حتى تظهر الخلفية الكاملة لأغلب الأفراد المشتبه بتورطهم.

فهل المسؤول، الذي يمتلك فريقاً ومستشارين وإمكانات، يعجز عن القيام بهذا البحث البسيط؟ أم أن المسألة ليست جهلاً بقدر ما هي تجاهل؟ هل نحن أمام قلة معرفة أم قلة مسؤولية؟

لكن المعرفة هنا ليست مجرد معلومة… إنها موقف. قرار داخلي بألا نشارك الجلاد مكانًا، ولا نظلله بابتسامتنا، ولا نمدّ له يدًا لم يمدّها أبدًا لضحاياه.

أن تقول "لم أكن أعلم"، وأنت مسؤول عن رسم ملامح المستقبل، لا يعفيك. بل يفضح اختلالًا في البوصلة الأخلاقية. لأن من يُكلّف بالمسير نحو العدالة، لا يملك رفاهية التغافل.

المعرفة هنا ليست مجرد معلومة… إنها موقف. قرار داخلي بألا نشارك الجلاد مكانًا، ولا نظلله بابتسامتنا، ولا نمدّ له يدًا لم يمدّها أبدًا لضحاياه.

ما الفرق بين “الجهل” و”التواطؤ”؟

في بعض السياقات، يمكن اعتبار الجهل بالمعلومة عذراً، أو ضعفًا إنسانيًا، لكن حين يكون الشخص مسؤولاً في مرحلة انتقالية، مرحلة ما بعد الكارثة، التي من المفترض أنها تؤسس لعقد اجتماعي جديد وأن تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس العدالة، فإن الادعاء بالجهل يُصبح شكلاً من أشكال التواطؤ الناعم، أو الحد الأدنى من التقاعس عن أداء الواجب، وتطبيع صامت مع ما لا ينبغي تطبيعه.

أن يظهر مسؤول في صورة مع شخص ارتكب جرائم ضد المعتقلين، أو كان جزءاً من أجهزة أمنية مارست الإبادة بحق المدن، أو تورّط في سرقة أموال السوريين خلال الحرب، ثم يقول: “ما كنت بعرف مين هو” , فهذا ليس عذراً، بل إهانة للعدالة، وعبور فوق ذاكرة الضحايا. وتجاوزٌ لمبدأ أساسي في العدالة الانتقالية: عدم إعادة دمج الجلاد قبل كشف الحقيقة.

وهنا نلامس سؤالًا أشد قسوة: هل نحن في طور إعادة إنتاج النظام، ولكن بوجهٍ ناعم؟ هل نحن نحمل على أكتافنا نفس الجلادين، ولكن في غلاف جديد اسمه "التسامح" أو "الانفتاح" أو "الحياد"؟

من هم المتورطون؟ وكيف نعرفهم أو نراهم؟

تحديد المتورطين ليس مهمة مستحيلة، يمكننا تحديد المتورطين من خلال عدة مصادر ومؤشرات يمكن الاعتماد عليها، منها:

1. الرتب والمناصب الأمنية والعسكرية: أغلب من شغلوا مناصب قيادية في أجهزة الأمن أو في الجيش السوري خلال سنوات القمع الدموي، يحملون مسؤولية مباشرة أو غير مباشرة عن الجرائم التي ارتُكبت. لا يمكن مثلاً تبرئة رئيس فرع أمني أو ضابط كبير في فرقة عسكرية كانت معروفة بمجزرة معينة.

2. المذكّرات القضائية الدولية: مثل التي أصدرتها دول أوروبية بحق عدد من ضباط النظام. هذه مراجع قانونية متاحة للعموم.

3. تقارير المنظمات الحقوقية: وهي متوفرة على المواقع الرسمية، ومرتبطة عادةً باسم الشخص وانتهاكاته وتاريخه.

4. الشهادات الميدانية: آلاف الناجين من المعتقلات ومن مجازر النظام السوري أدلوا بشهاداتهم، وذكروا أسماء ضباط وسجّانين ومحققين وميليشيات. هذه الشهادات باتت مراجع أساسية في العدالة الانتقالية.

5. الأرشيف البصري والصوتي: مقاطع الفيديو والتسجيلات التي وثّقت التعذيب أو القصف أو الإعدامات، وتُستخدم اليوم كأدلة في محاكم أوروبية.

إذن، الحديث عن صعوبة معرفة من هو المتورط لا يستقيم. بل هو تهرّب من المسؤولية. وليس مبررًا أخلاقيًا أو سياسيًا، ونحتاج فقط، إلى وعي. إلى حسّ داخلي يرى ما وراء الوجوه. نعرف المتورطين من رتبهم، من مناصبهم، من ماضيهم، من تقارير الحقوقيين، من شهادات الأمهات، من وجوه المعتقلين الذين خرجوا وعليها آثار الخوف. هناك من لا يحتاج إلى دليل مكتوب. مجرد ظهوره يوقظ فينا ذاكرة الرعب. هؤلاء، لا مكان لهم في المساحات التي تُبنى فيها حياة جديدة.

هل هناك قائمة سوداء؟ الذاكرة الجمعية أهم من القوائم

لا توجد “قائمة رسمية” بعد تضم كل المتورطين، لأن العدالة في سوريا لم تكتمل بعد، ولم تُفعّل المؤسسات القضائية على مستوى وطني. لكن هناك ما يشبه “الذاكرة الجمعية”، مبنية على وثائق وشهادات ودعاوى. وعلى المسؤولين في هذه المرحلة أن يتعاملوا مع هذه الذاكرة بمنتهى الجدية.

إن كنت مسؤولاً في مرحلة ما بعد النظام، فإن من أولوياتك أن تعرف من تصافح، ومن تلتقي، ومن تجلس معه، ومن تنشر صورك إلى جانبه. لأنك لا تمثّل نفسك فقط، بل تمثّل جرحاً وطنياً مفتوحاً لا يحتمل مزيداً من الاستفزاز.

نحن لا نبحث عن انتقام… بل عن ذاكرة لا تُداس

العدالة الانتقالية ليست خريطة طريق قانونية فقط، بل أخلاقٌ جمعية. هي طريقة في النظر إلى أنفسنا: من نُكرّم؟ من نُحاسب؟ من نُنسّي؟ ومن نُعيد إلى الواجهة؟ وحين نعيد من تلطخت أيديهم إلى الأماكن العامة، دون حساب، فإننا لا نغفر… بل نمحو.

الضحايا لا يُقتَلون فقط في السجون، بل يُغتالون مرة أخرى حين تُلتقط صورة علنية مع جلادهم، ويقال لهم بعدها: "عادي، لم نكن نعرف".

العدالة ليست فقط محكمة وحكم، بل وعي ومسؤولية وحساسية أخلاقية.

العدالة تبدأ بالانتباه

نحن في مرحلة دقيقة وحرجة. والانزلاق إلى “التسامح الاجتماعي” مع الجلادين، تحت شعارات الوحدة أو الواقعية أو الحياد، لا يخدم إلا تكريس ثقافة الإفلات من العقاب. لا يمكن بناء سوريا الجديدة بوجوه النظام القديم، ولا يمكن ترميم الثقة مع المجتمع دون احترام ذاكرة الضحايا.

العدالة ليست فقط محكمة وحكم، بل وعي ومسؤولية وحساسية أخلاقية. وكل مسؤول اليوم عليه أن يسأل قبل أن يلتقط صورة: هل من إلى جانبي يحمل على يده دماً.

ربما لن تصل المحاسبة غدًا. وربما لن يمثل كل مجرم أمام قاضٍ. لكن العدالة الحقيقية تبدأ من أمر أبسط: من ألا نُخون الذاكرة. من أن لا نضع المجرم في مكان البطل. من أن نُصغي لصوت من كُسرت أرواحهم، ونقول لهم: "نحن نعرف. ولن ننسى."

العدالة تبدأ من الانتباه، من الفطنة، من الحساسية الأخلاقية. أن تعرف من تصافح، ومن تجلس بجانبه، هو اختبار يومي للصدق مع الذات. في هذه المرحلة، لا أحد محايد. الصمت موقف. الجهل موقف. المجاملة موقف.

لا تُبنى سوريا جديدة بوجوه من دمّرها. ولا تُرمّم ثقة الناس بدولة، إذا رأوا نفس الوجوه التي كانت تقود المذابح، تعود لتجلس على المقاعد الأمامية.

في النهاية…

لسنا بحاجة إلى محاكم فقط. نحن بحاجة إلى ذاكرة حية، وإلى من يحملها بصدق ومسؤولية. نحن بحاجة إلى مسؤولين لا يقتلون الضحايا مرة أخرى، بابتسامة أو صورة أو عذر واهٍ. لأن من يقف بجانب القاتل، يقف في الجهة الخطأ من التاريخ. ولأن الدم لا يُغسل بالتجاهل. ولأن بعض الأيادي…لا يجب أن تُصافَح.