سؤال الموقف الأخلاقي عند المظلومين؟ خاشقجي مثالًا

سؤال الموقف الأخلاقي عند المظلومين؟ خاشقجي مثالًا

14 تشرين الأول 2018

بخلاف باقي أنحاء العالم، تحفل منطقة الشرق الأوسط بأزمات متتالية ما تلبث أن تختفي إحداها حتى تطل الأخرى برأسها. فهذه المنطقة التي احتضنت وما تزال أكبر الصراعات الدولية وأعمقها، تعيش غالبية شعوبها في دول شمولية  يتماهى فيها النظام مع الدولة فلا تمييز أو تمايز بينهما. في ضوء ذلك، تعيش الشعوب العربية، بالإضافة إلى مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية، حالة غموض مصيري "Uncertainty"، فلا تدري أين سينتهي الحال بها، وما هو عقابها، إذا ما قررت تغير الوضع القائم.

على مدار السنوات السبع الماضيّة، أشعل الشعب السوري ثورة عظيمة ضد نظام الاستبداد وتحالفاته الإقليميّة. انطلقت هذه الثورة متأثرة بمناخ ربيع الشعوب الذي لامس العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه. وكمثيلاتها، كانت شعارات السوريين واضحة في الحرية والكرامة لتأسيس دولة ديمقراطية لجميع مواطنيها. وإذا كان لكل بلاد خصوصيتها، فإن خصوصية سورية تمثلت في موقع الاستراتيجي الذي ترك بدوره تداعياته المباشرة على مواقف القوى الإقليمية والدوليّة تجاه الثورة.

اتخذت غالبية الدول العربية مواقفها المناوئة للنظام ليس حبًا  بالثورة أو تأييدا لقيمها، بل كرهًا في النظام وتصفية لحسابات إقليمية معه.

في حقيقة الأمر، تحددت غالبية المواقف الإقليمية والدولية على أساس النظرة إلى " النظام" لا " الثورة". وبكلمات أكثر تفصيلاً، اتخذت غالبية الدول العربية مواقفها المناوئة للنظام ليس حبًا  بالثورة أو تأييدا لقيمها، بل كرهًا في النظام وتصفية لحسابات إقليمية معه. وفي ظل سياسة المحاور واللعب الصفريّة (Zero Sum Games) التي تجتاح المنطقة، انتقل الاستقطاب الإقليمي إلى صفوف المؤيدين للثورة السوريّة، ونتج عنه في بعض الأحيان مواقف لا تتماشى مع أخلاقية الثورة السورية ومظلوميتها.

يحلو للبعض تبرير ذلك بالبراغماتية السياسيّة أو التعامل مع الأمر الواقع، فيغض الطرف عن اتخاذ أية مواقف من شأنها أن تغضب الحلفاء الإقليميين. ضمن هذا السياق، ترددت المعارضّة السوريّة في إعلان موقف صريح ضد الانقلاب العسكريّ في مصر عام 2013 مع أن رحلة شقاء الشعب السوري بدأت بحركة مماثلة.

ثم مع زيادة الاستقطاب الإقليمي، وبروز محور الثورة المضادة التي كان لبعض دوله مواقف مؤيدة للثورة، بدأنا نسمع بمن يشهر بمواقف النشطاء أو الإعلاميين إذ ما جاءت مخالفة لما تراه هذه الدول في القضايا الإقليمية مثل صفقة القرن، حصار غزة، حصار قطر، الاعتقالات السياسيّة.. الخ.

المفارقة بمكان، أن الداعين لتبني النهج البراغماتي هم أوائل المنتقدين للبراغماتية السياسية، فنراهم يعقدون مؤتمراتهم برعاية السيسي دون أن يلقوا بالًا لمعارضي الانقلاب القابعين في سجون مظلمة، وينتقدون حماس إذا اتخذت موقفا مغايرًا أو مؤيدًا لإيران دون أن نسمع لهم صوتا من حصار غزة واشتراك دول إقليمية في تصفية القضية الفسلطينية.. إلخ.

ومع أن هذه المفارقة تكررت غير مرة خلال السنوات الماضيّة، فإنها أخذت نقاشا أكبر بعد اختفاء الصحفي المؤيد للثورات العربية جمال خاشقجي في سفارة السعودية في إسطنبول. وبينما اتخذ أغلب النشطاء والمؤمنين بالثورة مواقف منتقدة لما جرى، برزت بعض الأقلام تدافع عن هذا الفعل الشنيع أو تدعو لعدم مناقشته على المستوى السوري كونه "شأن داخليّ" سعودي أو لأن المملكة وقفت رسميا ضد النظام.

الموقف من الظلم واضح بين لا لبس فيه إلا لمن كانت معركته غير الاستبداد. لا يمكن أن تكون ديمقراطيًا انتقائيًا ضد الاعتقالات في بلدك وتصمت عنها في دول تتحالف معها براغماتيًا. لا معنى لنضال من أجل الديمقراطيّة مع قبول بتصفية القضية الفلسطينية أو الانتهاكات الحاصلة في اليمن، والعكس صحيح. في ضوء ذلك، يكرر بعض السوريين ( وهم قلة بالمناسبة) ما جرى من بعض الفلسطينين (وهم قلة بالمناسبة) عندما انحازت الفئة الأخيرة إلى النظام وراويته وغضت الطرف عن الجرائم المرتكبة ضد السوريين بزعم أن هذا النظام اتخذ مواقف داعمة للقضية الفلسطينية.

الثورة السورية ابتليت بنخبها السياسيّة وما تزال. فالأخيرة التي لم تنجح في تأطير الحراك الثوري وإيصاله إلى بر الأمان، فشلت أخلاقيًا على كافة الصعد، فضاعت وأضاعت الثورة في متاهات صراعات الدول.

إقامة تحالفات سياسيّة على أسس براغماتيّة ليس غريبًا وهو مألوف في سياق العلاقات الدوليّة، ومن أبرز أمثلته تحالف الغرب الديمقراطية مع الاتحاد السوفيتي ضد النازية خلال الحرب العالميّة الثانيّة. لكن التحالفات السياسيّة لا تكون دائما على حساب المواقف الأخلاقيّة الواضحة. من هنا، يجدر بمن يطالب الآخرين بالصمت أو التستر على الجريمة أن نطالبه بأن يكتسي حياء مظلوميتنا السورية التي وقفت شاهدة على تخلي العالم بمختلف دوله عن القيم مقابل المصالح والأمر الواقع.

جلي القول، أن الثورة السورية ابتليت بنخبها السياسيّة وما تزال. فالأخيرة التي لم تنجح في تأطير الحراك الثوري وإيصاله إلى بر الأمان، فشلت أخلاقيًا على كافة الصعد، فضاعت وأضاعت الثورة في متاهات صراعات الدول. لذلك، لم يكن غريبًا عندما صرح بعض قادة المعارضة بخيانة منتقديه، وعندما غمز أحد المتحدثين باسمها في وسائل الإعلام أن مبالغ تقدم للمحتجين لينتقدوه، ولم يكن غريبًا عمن زار إسرائيل والتقى قادتها الأمنيين بإيعاز من الإمارات أن يستهزأ بالسوريين الذين اتخذوا مواقف ضد اختفاء خاشقجي في سفاره بلاده.

مقالات مقترحة
منظمة الصحة تسلم 20 طناً من الإمدادات الطبية إلى القامشلي
حصيلة كورونا في مناطق "النظام" 5 وفيات و123 إصابة
الخوذ البيضاء تتهم الصحة العالمية بعدم حماية السوريين من كورونا
تركيا ترفع قيود السفر بين الولايات وتنهي حظر التجوال
عدد مصابي كورونا يتجاوز 6 ملايين والمتعافون قرابة النصف
المسجدان النبوي والأقصى يفتحان أبوابهما مجدّداً (فيديو)
تعزيزات للنظام تنذر بعملية عسكرية في إدلب.. ما خيارات تركيا؟
مقتل عناصر من قوات النظام في محاولة تسلل جنوب إدلب
وصول عناصر شرطة سوريين إلى نقطة مورك بعد تدريبهم في تركيا