بعد أيام من قيام علاء المحمد بتغيير زيت سيارته من نوع "هيونداي'' وطراز "فان – ستاريكس'' تفاجأ بظهور بخار من الفتحة العلوية لمحرك السيارة، ليقوم بدوره بقياس الزيت ليجد أنه ناقص بمعدل لتر ونصف من أصل خمسة لترات ونصف كانت كميته الأصلية.
وقال المحمد لموقع تلفزيون سوريا إنه عندما سأل الميكانيكي عن سبب النقصان السريع في كمية الزيت أخبره بأنه ربما تعرض لعملية غش عبر بيعه زيت سيارات مكرر يُنتج محلياً في ورشات لتكرير الزيت بمحافظة الرقة.
لم ينتظر الشاب الثلاثيني كثيراً حتى عاد إلى المتجر الذي اشترى منه الزيت ليبدأ صاحبه بتبرير الموقف وإخباره أنه تاه بين العبوات البلاستيكية للزيت وعبأ له زيتاً مكرراً بدل الجديد رغم أن العبوتين بذات الاسم واللون، وفق ما ذكره علاء المحمد.
حالة علاء لا تبدو مجرد خطأ في اختيار عبوة زيت، إذ تنتشر في أسواق الرقة زيوت يعاد تكريرها محلياً بعد جمعها من السيارات والورش، قبل أن تدخل مجدداً إلى دورة البيع، في وقت يصعب فيه على المستهلك العادي التمييز بين الزيت الجديد والزيت المعاد تكريره، خصوصاً عندما يعبأ الأخير في عبوات تحمل أسماء وألواناً مشابهة لمنتجات معروفة.
وتتبع موقع تلفزيون سوريا رحلة الزيوت المكررة في محافظة الرقة، والتي تبدأ من لحظة إفراغ الزيت المستعمل (المحروق) من محرك السيارة وصولاً إلى إعادة تعبئته بعبوة جديدة بعد إعادة تدويره داخل ورشات منتشرة بالمحافظة وبيعه مرة أخرى لمتاجر الزيوت.
بداية التكرير
تبدأ رحلة إعادة تكرير الزيت عند متاجر الزيوت نفسها، حيث يقوم البائعون بإفراغ الزيت المستعمل من المحرك وتجميعه في برميل على مدار أيام أو أسابيع أحياناً وعند امتلاء البرميل يُباع إلى سيارات جوالة تقوم هي بدورها ببيعه إلى ورشات تكرير الزيوت.
ويقول فراس الخلف وهو صاحب متجر لبيع الزيوت بمدينة الرقة إنه لا يتحمل المسؤولية في حال باع زيتاً مكرراً للسيارات الجوالة والتي غالباً ما تكون لأصحاب ورشات التكرير نفسها، لأنه غير متأكد من أن تلك الورشات تكرره وتبيعه على أنه جديد، على حد قوله.
ويضيف فراس لموقع تلفزيون سوريا، إن عملية الغش التي تحدث يتحمل مسؤوليتها صاحب متجر الزيت نفسه وليس صاحب ورشة التكرير، وعلى اعتبار أيضاً أن غالبية أصحاب السيارات غير قادرين على تمييز الجديد من المكرر.
وعند وصول براميل الزيت المستعمل إلى ورشات تكرير الزيوت يتم إفراغها داخل خزانات كبيرة لفرز المياه والأوساخ منها كخطوة أولى، ومن ثم تتعرض لدرجة تصل إلى 300 درجة مئوية لفرز مادة الزيت عن مواد أخرى ممكن أن تكون اختلطت معه مثل المازوت.
وعقب فرز الزيت الخام يمر ضمن فلاتر مخصصة لتنقيته بشكل نهائي قبل أن تضاف له بعض المواد الكيميائية والتي تستخدم كمحسنات لزيادة لزوجته وتخفيف درجة الاحتكاك بين المعادن عند إعادة استخدامه مرة أخرى.
ويؤكد إسماعيل الجوجة، والذي كان يملك ورشة لتكرير الزيت المستعمل، أن عملية التكرير نفسها لا تعتبر غشاً بحد ذاته لأنه من المفترض أن لا يباع الزيت على أنه جديد وأن لا يعبأ في محركات السيارات.
ويضيف الجوجة لموقع تلفزيون سوريا أن أصحاب ورشات تكرير الزيوت يكتبون على العبوات البلاستيكية للزيت صنع في سوريا مدينة الرقة في إشارة إلى أن الزيت مكرر ويستخدم في عملية التزييت بالتقطير (تزييت المعادن) وليس لمحركات السيارات.
وينوه إلى أن عملية الغش تحدث عندما يقوم بعض ضعاف النفوس، على حد وصفه، بإفراغ الزيت المكرر في عبوات تحمل أسماءً لشركات عالمية أو معروفة وبيعه على أنه مستورد، رغم أن الزيت نفسه خال من المواد التي تقلل الاحتكاك وتخفض حرارة المحرك الموجودة في الزيوت المستوردة أو الجديدة بسبب الكلفة المالية العالية في حال تمت إضافتها إلى الزيت.
ويشير إلى أن عملية الغش هذه أثرت على ثقة أصحاب السيارات بالزيوت بشكل كبير، وهو ما اعتبره حقاً من حقوقهم بعد انتشار الغش وتعرض السيارات للأعطال المتكررة التي تصل في كثير من الأحيان إلى تلف المحركات.
ولم يتمكن موقع تلفزيون سوريا من الحصول على إحصائية دقيقة لعدد الورشات التي تكرر الزيوت في محافظة الرقة أو الكميات التي تنتجها، إلا أنها غالباً ما تكون بعيدة عدة كيلومترات عن أطراف المدينة بسبب الروائح والضرر البيئي الذي قد ينتج عنها.
وتحوي مدينة الرقة عدة تجمعات لمحال تصليح السيارات لكن أبرزها هو المنطقة الصناعية (الصناعة) والتي تقع في الطرف الشرقي من المدينة، حيث أكد أكثر من ميكانيكي سيارات أن بيع الزيت المستعمل بعد إعادة تدويره ظاهرة انتشرت خلال السنوات الأخيرة في المحافظة.
ويقول محمود جنيد، وهو ميكانيكي سيارات في الرقة، إن ظهور البخار من أعلى المحرك مع انخفاض مستوى الزيت بشكل سريع قد يشير إلى وجود مشكلة تحتاج إلى فحص فني، موضحاً أن نقص لتر ونصف من الزيت خلال فترة قصيرة ليس أمراً طبيعياً إذا لم يكن هناك تسرب أو استهلاك غير معتاد داخل المحرك.
ويضيف جنيد لموقع تلفزيون سوريا أن استخدام زيت لا يطابق المواصفات المطلوبة للمحرك يمكن أن يؤثر في عملية التزييت، ويزيد الاحتكاك ودرجة حرارة بعض الأجزاء، خصوصاً عند استخدام السيارة لفترات طويلة، مشيراً إلى أن الضرر يختلف بحسب نوع الزيت وحالة المحرك ومدة استخدامه.
ولا يستطيع السائق العادي التأكد من جودة الزيت بمجرد النظر إليه، بحسب ما ذكره الميكانيكي، لأن اللون أو اللزوجة لا يكفيان للحكم على مصدره أو مدى مطابقته للمواصفات، مبيناً أن التأكد من جودة الزيت يحتاج إلى فحص متخصص ومقارنة خصائصه بالمواصفات المعلنة على العبوة.
وينوه جنيد إلى أن بعض الزيوت المكررة قد تبدو للمستهلك مشابهة للزيوت الجديدة من حيث اللون والقوام، لكن المشكلة تظهر عندما يباع منتج غير مخصص لمحركات السيارات على أنه زيت محرك جديد أو مستورد.
ويشدد على أن تلف المحرك لا يمكن ربطه بالزيت وحده من دون فحص فني، إلا أن استخدام زيت غير مناسب لفترة طويلة قد يؤدي إلى مشكلات في التزييت وارتفاع الاحتكاك، وهو ما يمكن أن ينعكس على عمر أجزاء المحرك وأدائه.
الأضرار المحتملة
يحذر المهندس الميكانيكي محمد خماش من مخاطر استخدام زيوت سيارات منخفضة الجودة أو غير المعالجة بالشكل المطلوب، موضحاً أن الزيت المطابق للمواصفات يشكل طبقة تزييت تحمي الأجزاء المعدنية داخل المحرك من الاحتكاك والتآكل.
ويقول خماش لموقع تلفزيون سوريا إن استخدام زيت غير مناسب قد يؤثر في عدة أجزاء أساسية من المحرك، بينها عمود المرفق والمحامل، إذ يمكن أن تتسبب الجسيمات الموجودة في الزيت غير المعالج جيداً في تآكل الأسطح المعدنية وخدشها.
ويضيف أن الزيت يؤدي دوراً في تقليل الاحتكاك بين المكابس وجدران الأسطوانات، كما يساعد في تبريد هذه الأجزاء، مشيراً إلى أن استخدام زيت رديء قد يؤدي إلى زيادة الرواسب وتآكل حلقات المكبس وارتفاع استهلاك الزيت.
ويشير خماش إلى أن عمود "الكامات" وأجزاء الصمامات تحتاج إلى تزييت مستمر بسبب سرعة حركتها والضغط الواقع عليها، لافتا إلى أن استخدام زيت معاد تكريره بمواصفات غير مناسبة قد يؤدي إلى تآكل أسطح "الكامات" وأجزاء الصمامات.
وفي السيارات المزودة بشاحن توربيني، يوضح خماش أن الزيت يجب أن يكون نظيفا وقادرا على تحمل درجات الحرارة المرتفعة، محذرا من أن وجود شوائب أو ضعف خصائص الزيت قد يؤدي إلى تلف محامل الشاحن التوربيني نتيجة السرعات العالية ودرجات الحرارة المرتفعة.
كما ينبه إلى أن وجود الرواسب والشوائب في الزيت قد يؤدي إلى انسداد فلتر الزيت أو بعض مجاري التزييت، ما يقلل من وصول الزيت إلى الأجزاء المهمة داخل المحرك ويرفع خطر تعرضها للتلف.
ويعدد خماش من أبرز المخاطر المحتملة لاستخدام زيت غير مطابق للمواصفات زيادة الاحتكاك والتآكل، وتراكم الرواسب داخل المحرك، وانخفاض ضغط الزيت، وارتفاع درجة حرارة الأجزاء المتحركة، إضافة إلى احتمال تلف المحامل وعمود "الكامات" وزيادة استهلاك الزيت والوقود وتقليل العمر الافتراضي للمحرك.
وفيما يتعلق بتمييز عبوة الزيت الأصلية، ينصح خماش المستهلك بالتأكد من أن الغطاء محكم ولم يسبق فتحه، وأن حلقة الأمان أو ختم الحماية سليم، إضافة إلى التأكد من وجود رقم التشغيلة وتاريخ الإنتاج مطبوعين بوضوح على العبوة، وليس على ملصق يمكن إزالته بسهولة.
القانون.. هل يحمي المستهلك؟
وبحسب قانون حماية المستهلك السوري رقم 8 لعام 2021، يحق للمستهلك الحصول على المنتج وفق الغرض المخصص له، ومعرفة المعلومات والبيانات الصحيحة المتعلقة به، في حين يشترط القانون أن تكون المنتجات والسلع مطابقة للمواصفات القياسية السورية والمتطلبات الصحية والبيئية وشروط الأمان الخاصة بها.
ويحظر القانون كذلك تقديم بيانات أو معلومات مضللة عن طبيعة المنتج أو نوعه أو طريقة صنعه أو مصدره أو جودته، ما يجعل إعادة تعبئة زيت مكرر وطرحه للمستهلك على أنه زيت جديد أو مستورد مسألة تستدعي التحقق من مدى مطابقة المنتج للبيانات المعلنة عليه، ومن مسؤولية الجهات الرقابية عن ضبط هذه المنتجات والتأكد من مواصفاتها.
موقع تلفزيون سوريا تواصل مع مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في الرقة، حيث قال أحد المسؤولين فيها إن مراقبة وضبط جودة الزيوت في المحافظة تقع على عاتق الشركة السورية للبترول لأن المديرية لا تملك حالياً آلية لتحديد الجودة أو حتى مختصين في هذا المجال.
مدير مديرية خدمات الطاقة في محافظة الرقة مصطفى الجاسم قال لموقع تلفزيون سوريا إن المديرية لم تتلق أي طلبات لترخيص ورشات تكرير الزيوت بالمحافظة حتى الآن، إضافة إلى أن مستودع الزيت التابع للحكومة لا يزال غير مفعل وهو ما يصعب ضبط عملية بيع الزيت.
وأوضح الجاسم أن المديرية تسير حالياً دوريات لمراقبة جودة المشتقات النفطية في المحافظة وترسل عينات إلى محافظات أخرى لتحليلها بحكم عدم وجود مخبر بالرقة، إلا أنها لم تتلق شكاوى من مواطنين حول تعرضهم لعملية غش بالزيت المكرر.

