زيارة دمشق.. روسيا ترتب بيت نظام الأسد لدعم استراتيجيتها بسوريا

تاريخ النشر: 09.09.2020 | 06:44 دمشق

آخر تحديث: 13.02.2021 | 21:05 دمشق

إسطنبول - تيم الحاج

أسالت زيارة الوفد الروسي إلى دمشق كثيرا من الحبر، في محاولة للبحث عن الأمور الغامضة التي لم تكشف عنها التصريحات المعلنة من الجانبين، إضافة إلى محاولة إزالة الغموض عن بعض تلك التصريحات، وخاصة تلك التي نطق بها المسؤولون الروس حول الاتفاقيات الاقتصادية، وتحديداً المتعلقة بالتنقيب عن الغاز والنفط في البحر المتوسط.

وعلى الرغم من أن الوفد الروسي تحدث علانية عن سبب زيارته، إلا أنها حملت، وفق مراقبين، صفة "الزيارة المفصلية"  التي تؤسس لمرحلة جديدة في سوريا، إذ فتحت (زيارة دمشق) الباب واسعاً للسؤال عن أهدافها وتوقيتها والرسائل التي حملتها، على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

ماذا تريد روسيا من إرسال وفدها إلى دمشق؟

أعطى تأكيد بشار الأسد أن حكومته عازمة على إنجاح الاستثمارات الروسية في سوريا، خلال استقباله نائب رئيس الوزراء الروسي، يوري بوريسوف، ووزير الخارجية سيرغي لافروف، أعطى انطباعاً أن الوفد الروسي حمل ملفات تتطلب موافقة عاجلة من قبل حكومة النظام، ما يشير إلى أن الزيارة على درجة كبيرة من الأهمية بالنسبة للطرفين.

يرى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة باريس والخبير والباحث في الجيوبولوتيك، البروفسور خطار أبو دياب، أن رئيس الدبلوماسية الروسية (لافروف) لا يتنقل إلا بسبب جدول أعمال مهم، في إشارة إلى أن زيارته إلى دمشق بعد ثماني سنوات على قدر كبير من الأهمية.

أبو دياب اعتبر في حديث لموقع تلفزيون سوريا، أن كل ما قيل من تصريحات خلال الزيارة تصب في خانة الاقتصاد لأن روسيا تعلم أن اقتصاد نظام الأسد منهار وأن انهيار هذا الاقتصاد يعني انهيار الاستراتيجية الروسية في سوريا، وعليه روسيا تعمل على ترتيب بيت النظام لإنقاذه للحفاظ على استراتيجيتها بسوريا.

ولفت إلى أن من مسببات الزيارة هو عدم ارتياح روسيا للعقود الموقعة بين إيران ونظام الأسد، ولذلك هي سارعت (روسيا) لإنقاذ والاستحواذ على بعض محطات الطاقة المتهالكة في سوريا، أما بالنسبة، لما هو أكثر طموحا -أي إعادة الإعمار- فهذا، وفق أبو دياب، من الصعب جداً تحقيقه، "فليس هناك إمكانيات بدون الحل السياسي الحقيقي وبمشاركة اميركية وأوروبية".

وفي المؤتمر الصحفي المشترك، الذي حضره من الجانب الروسي بوريسوف ولافروف مع وزير خارجية النظام وليد المعلم، أكد بوريسوف أن الطرفين توصلا إلى اتفاقات للتعاون في إعادة تأهيل نحو أربعين منشأة سورية مهمة، وقال إن الحديث يدور عن إعادة إعمار وتأهيل البنى التحتية لقطاع الطاقة والمتعلقة باستخراج النفط والغاز، وكذلك إعادة إعمار عدد من محطات الطاقة الكهربائية، وبعضها كان الاتحاد السوفييتي بناها في سنوات سابقة، كما أشار إلى إبرام اتفاق قال إنه سوف يعرض للمصادقة حول استخراج النفط من البحر على السواحل السورية.

اقرأ أيضاً: لافروف: توجد خلافات بين موسكو وأنقرة وطهران بخصوص سوريا

ويتفق المحلل الاقتصادي يونس كريم مع البروفسور خطار أبو دياب في أن روسيا وجهت رسالة إلى إيران من خلال توقيع اتفاقيات اقتصادية وأخرى استثمارية في مجال الغاز والطاقة مع النظام.

كريم قال لموقع تلفزيون سوريا، إن الروس عملوا خلال الزيارة على قطع الطريق أمام إيران من الاستفادة من التنقيب عن النفط والغاز في البحر المتوسط، معتبراً أن الاتفاقات الأخرى التي تم توقيعها تتعلق باستثمارات الطاقة، وهذه بحسب كريم، هي قديمة، وموقعة منذ زمن بين الطرفين، وخاصة ما يتعلق منها بالطاقة الكهرمائية، لكون روسيا الأقدر على إدارة السدود التي بنيت بسوريا بإشراف الاتحاد السوفييتي.

وزاد أن الوفد الروسي جاء ليجبر النظام على تنفيذ هذه الاستثمارات، لافتاً إلى أن الروس يشعرون أن النظام يريد سحب بعض هذه الاستثمارات وإعطائها لإيران، كما حدث باتفاق البلوك رقم 12 (النفطي) في مدينة البوكمال. إلى جانب الأسواق الحرة التي أعطاها النظام للإيرانيين، بمعنى أن الروس جاؤوا ليقولوا للنظام "توقف عن منح إيران أي استثمارات اقتصادية".

المسار السياسي أحد أهم أجندات الوفد الروسي إلى دمشق

في هذا السياق، رجح البروفسور خطار أبو دياب، أن تكون الزيارة إلى دمشق، تمثل اختباراً للعلاقة الروسية- السورية، وأنها ستشكل نقطة تقييم لما يمكن أن يكون عليه حال النظام في المرحلة القادمة أمام القيادة الروسية.

أبو دياب أشار إلى الجانب السياسي لزيارة لافروف إلى دمشق، معتبراً أن تصريحات وليد المعلم بشأن "اللجنة الدستورية"، تؤكد مماطلة نظام الأسد لإيجاد حل سياسي في سوريا، على الرغم من الاتفاق الذي رعته روسيا بين حزب "الإرادة الشعبية" أي منصة موسكو مع "مجلس سوريا الديمقراطي" (مسد).

وأردف "نفهم من تصريحات المعلم أن النظام غير متحمس لفكرة العلاقة مع قوات سوريا الديمقراطية أو مجلس سوريا الديمقراطي".

أما بالنسبة للجانب الآخر الغامض من زيارة لافروف، تحدث أبو دياب عن تسريبات ألمحت إلى طلب  لافروف انسحاب كل المحور الإيراني من جنوب سوريا، تطبيقاً للاتفاقيات التي عقدت سابقاً مع أميركا وإسرائيل، وقيل فيها إن على إيران أن تنحسب لعمق 80 كيلو مترا بعيداً عن حدود إسرائيل. كما تحدثت التسريبات أيضاً عن عدم ارتياح روسيا لوجود الميليشيات الأفغانية والباكستانية داخل الأراضي السورية، وأن عليها الرحيل.

وحول ما إذا حملت الزيارة رسائل للجانب الأميركي، علّق أبو دياب قائلاً "عندما نتحدث عن انسحاب من الجنوب السوري فأميركا حاضرة، وعندما نتكلم عن الأكراد فأميركا حاضرة، وعندما يتم طرح إعادة الإعمار فأميركا وأوروبا حاضرة".

وأضاف "بمعنى أو بآخر روسيا تعمل قبل موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية وقبل انتخابات الرئاسة في سوريا على ترتيب الوضع السوري ولتكون قادرة على إدارة الوضع السوري لاحقاً".

وتوقع أن تخضع هذه الزيارة لدى الجانب الروس لتقييم، وتبعاً لذلك سيتبين إن كانت روسيا قد أعطت دفعاً للأمام أو ستمثل فرصة لإعادة النظر في استراتيجيتها بسوريا.

118923227_3503400739703733_2414435930257064861_o.jpg

كيف استعدت روسيا قبل إرسال وفدها إلى دمشق؟

كبير الباحثين في مركز "جسور للدراسات" عبيدة فارس، يرى أن زيارة الوفد الروسي إلى دمشق جاءت بعد ثلاثة تطورات أساسية وصفها في حديث لموقع تلفزيون سوريا بـ"الملفتة".

الأولى: هي زيارة الوفد التركي رفيع المستوى إلى موسكو، والتي يُعتقد أنها ناقشت كثيرا من تفاصيل المشهد الميداني في الشمال والشرق السوري، مثلما ناقشت تفاصيل المشهد السياسي، وخاصة فيما يتعلق بتطورات "اللجنة الدستورية" و"هيئة التفاوض".

اقرأ أيضاً: تحركات أجرتها روسيا قبل إرسال وفدها إلى دمشق

الثانية: زيارة وفد "مجلس سوريا الديمقراطية" إلى موسكو، والتي انتهت إلى اتفاق مع حزب "الإرادة الشعبية"، والذي يُعرف على نطاق واسع قربه من دوائر صنع القرار الروسية، ثم لقاء الطرفين بعد ذلك مع وزير الخارجية لافروف، كنوع من الدعم للاتفاق.

الثالث: انتهاء الجولة الثالثة من "اللجنة الدستورية"، والتي لم تتمكن من الوصول إلى نتيجة تذكر.

ووفق فارس فإنه من المرجح أن الوفد الروسي ناقش مع نظام الأسد آليات تتعلق بإدماج الطرف الكردي في العملية السياسية، وفقاً للبنود التي تم الإعلان عن أسسها العامة في اتفاق "مجلس سوريا الديموقراطية" مع حزب "الإرادة الشعبية".

وربما يكون مثل هذا الترتيب هو جزء من اتفاق روسي أوسع مع الطرف الأميركي، وحتى مع الطرف التركي، حيث سيضمن منح المكون الذي يحصل على الرعاية الأميركية الشرعية القانونية والسياسية المطلوبة، وفي نفس الوقت فإنّه سيُكبّل حرية هذا المكوّن في التحرك سياسياً وعسكرياً، وهو ما يخدم الجانب التركي أيضاً، بحسب تعبير فارس.