زيارة الأسد إلى طهران تُظهر خلل نهج التطبيع العربي معه

تاريخ النشر: 15.05.2022 | 06:54 دمشق

أحدث مساعي إعادة تأهيل بشار الأسد وإظهار أنه لم يعد منبوذاً في هذا العالم كانت زيارته الأخيرة إلى طهران. على الرغم من أن إيران ليست مكاناً مثالياً لمثل هذا العرض المسرحي بالنظر إلى أن العزلة التي تعيشها لا تختلف كثيراً عن عزلة الأسد نفسه، إلاّ أن الأخير يشعر هذه الأيام بأن دول المنطقة أصبحت أكثر ميلاً إلى الإقرار بانتصاره في الحرب وتسعى للانفتاح عليه وبأن الدول الغربية لم تعد ملتزمة بالضغط عليه لإحداث تحول سياسي في سوريا. لقد استضافته مؤخراً العاصمة الإماراتية أبو ظبي في أول زيارة عربية له منذ اندلاع الحرب. كما أعادت الأردن والبحرين مؤخراً فتح سفاراتها في دمشق في حين أن الولايات المتحدة لم تستخدم نفوذها بما يكفي للضغط على الدول العربية التي أعادت علاقاتها بدمشق لثنيها عن هذه الخطوة. كما أبدت استعدادها لتسهيل مشروع نقل الغاز المصري إلى لبنان واستثنائه من العقوبات التي فرضتها على النظام السوري.

إن اختيار الأسد زيارة طهران بعد أسابيع قليلة من زيارته لأبو ظبي يُشير إلى أن ارتباط النظام السوري بإيران لا يزال وثيقاً جداً ويصعب على الدول العربية التقليل منه

على الرغم من أن هذه التحولات التي طرأت على الموقف العربي والدولي من النظام السوري لا تزال غير واضحة بعد، إلاّ أن زيارة الأسد لطهران تكتسب بعض الدلالات من حيث توقيتها، إذ أنها تأتي في خضم خفض تصعيد إقليمي واسع النطاق وانفتاح بعض الدول العربية على التعاون مع الأسد وانشغال الغرب في صراع مع روسيا حول أوكرانيا. يسعى الأسد لتوظيف كل هذه التطورات لإعادة تأهيل نفسه بين دول المنطقة على وجه التحديد، لكنّه لا يُظهر أي استعداد لتقديم تنازلات مقابل ذلك. أثناء لقائه بالمرشد الإيراني علي خامنئي، تعهد الأسد بتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي مع طهران. هذا التعهد لم يكن مستغرباً لولا أن العواصم العربية التي قررت إعادة علاقاتها مع دمشق تُراهن على أن الانفتاح العربي على الأسد من شأنه أن يُساعدها في الحد من النفوذ الإيراني في سوريا. إن اختيار الأسد زيارة طهران بعد أسابيع قليلة من زيارته لأبو ظبي يُشير إلى أن ارتباط النظام السوري بإيران لا يزال وثيقاً جداً ويصعب على الدول العربية التقليل منه.

إذا كان من نتيجة واضحة يُمكن استخلاصها من هذه الزيارة، فهي أن النهج الذي تتبعه بعض الدول العربية في سوريا مبني على أوهام غير قابلة للتحقق على أرض الواقع. علاوة على ذلك، فإن هذا النهج سيأتي بنتائج عكسية وقد يُساعد إيران في تعزيز حضورها في سوريا بدلاً من إضعافه. يُعول الأسد الآن على الدعم الاقتصادي له لا سيما من دول الخليج لمساعدة الاقتصاد السوري على النهوض والمشاركة في عملية إعادة إعمار سوريا. إن تقديم مثل هذه المساعدة للأسد من شأنها أن تُساعدَه في تكريس سلطته من جديد من دون أن يضطر إلى التراجع خطوة للخلف في مسألة التسوية السياسية. لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت المكاسب المتواضعة التي يُمكن أن تحققها الدول العربية الساعية لإيجاد نفوذ لها في سوريا تستحق بالفعل هذه المقامرة. لقد أدى الانكفاء العربي عن سوريا بعد سنوات قليلة من اندلاع الصراع إلى إفساح المجال أمام قوى إقليمية ودولية كروسيا وإيران لتكريس دورها وتحويله إلى مشروع لخدمة أهدافها الجيوسياسية. ولا يبدو أن عودة بعض الدول العربية إلى دمشق يُمكن أن تُغير من هذا الوضع القائم.

حتى في الخطاب السياسي، لا يبدو الأسد مستعداً لتغيير النهج. لقد أشاد بشكل مستفز للدول العربية بالدعم الذي تُقدمه إيران لوكلائها في المنطقة قائلاً إن البعض يعتقد أن دعم إيران لجبهة المقاومة هو الدعم بالسلاح، لكن أهم دعم ومساعدة من إيران هو بث روح المقاومة واستمرارها. سيكون من المفيد التذكير أن مثل هذا الدعم هو من مكّن جماعة أنصار الله الحوثية في اليمن من تطوير قدراتها الهجومية لاستهداف دول الخليج على مدى السنوات الماضية. كما أنه ليس سراً ذلك الدعم الكبير الذي يُقدمه الحرس الثوري الإيراني للحوثيين لتطوير سلاحهم من الطائرات المسيرة التي استهدفت قبل أشهر قليلة فقط الإمارات وتواصل مهاجمة السعودية. وهذا الدعم أيضاً هو من ساعد حزب الله في تعزيز هيمنته على لبنان وتهديد المصالح الخليجية والعربية فيه. إن المعضلة الرئيسية في الدور الإيراني في سوريا لا تكمن فقط بالنفوذ الذي كسبته طهران في هذا البلد، بل في تكريس سوريا كطرف رئيسي في المحور الإيراني على امتداد المنطقة. لم تعد سوريا رهينة الحسابات الجيوسياسية لطهران فحسب، بل حوّلها الأسد إلى مصدر تهديد لاستقرار الدول العربية وجعلها أكبر مصدر للمخدرات إلى المنطقة والعالم.

لقد أحدثت الحرب السورية تداعيات كبيرة على الأمن والاستقرار الإقليميين ومن المفهوم أن دول المنطقة لم تعد قادرة على تحمل تداعيات استمرار هذه الحرب لفترة أطول. لكنّ الدفع باتجاه تسوية سياسية للصراع والحد من دور إيران في سوريا لا يُمكن أن يؤتي ثماره من دون أن تستخدم الدول العربية ما تمتلكه من أوراق ضغط لإجبار الأسد على إحداث تحول سياسي فعلي. ما نراه حالياً أن بعض دول المنطقة تتخلى ببساطة عن هذه الأوراق مقابل لا شيء. ما يُمكن أن يدعو للتفاؤل بعض الشيء أن دولاً عربية مؤثرة كالسعودية لا تزال على موقفها المبدئي الداعم للشعب السوري. مع ذلك، فإن مثل هذه المواقف تضعف أهميتها بالنظر إلى أنها تُظهر انقساماً عربياً في الموقف من نظام الأسد.

المصالح العربية في سوريا هي الحلقة الأضعاف في المعادلة الحالية للنفوذ الإقليمي والدولي القائم في سوريا تجعل من نهج الانفتاح على الأسد خطوة خاسرة للمصالح العربية في سوريا ومصلحة لإيران وروسيا

إن عودة الإجماع العربي على التمسك بالتسوية السياسية للصراع السوري وإبقاء الأسد معزولاً والتعامل معه كرئيس منبوذ وغير شرعي لسوريا هو السبيل الوحيد لإنهاء المأساة السورية بكل أبعادها. مثل هذا الإجماع لم يعد ممكناً على الأرجح في ضوء أن الدول العربية التي أعادت علاقاتها مع النظام السوري اتخذت قرارها بمعزل عن الإجماع العربي. مع ذلك، لا يزال بوسع الدول العربية الأخرى مواصلة الضغط لإفشال مساعي إعادة عضوية سوريا للجامعة العربية. حقيقة أن المصالح العربية في سوريا هي الحلقة الأضعاف في المعادلة الحالية للنفوذ الإقليمي والدولي القائم في سوريا تجعل من نهج الانفتاح على الأسد خطوة خاسرة للمصالح العربية في سوريا ومصلحة لإيران وروسيا. كما أن تحول تركيا، التي لديها حضور قوي ومؤثر في الملف السوري، نحو إصلاح علاقتها مع المنطقة العربية تفتح آفاقاً جديدة أمام إمكانية التعاون التركي العربي للضغط على نظام الأسد بدلاً من الخيار الخاسر المتمثل في الانفتاح عليه. لقد عانت القضية السورية من إهمال الدول العربية لها خلال السنوات الماضية، وإعادتها بشكل صحيح إلى الأولويات العربية يُشكل مصلحة حيوية للمنطقة بأسرها.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار