icon
التغطية الحية

زيادة الرواتب الأعلى من نوعها.. هل تكفي مضاعفة الأرقام من دون ضبط الأسواق؟

2025.07.12 | 05:38 دمشق

البنك المركزي في ساحة السبع بحرات وسط دمشق، سوريا، 17 نيسان/أبريل 2025 (تلفزيون سوريا)
البنك المركزي في ساحة السبع بحرات وسط دمشق، سوريا، 17 نيسان/أبريل 2025 (تلفزيون سوريا)
تلفزيون سوريا - دمشق - بارعة جمعة
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- في يونيو 2025، زادت رواتب القطاع العام بنسبة 200% ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 750 ألف ليرة سورية، لكن تأخر صرف الزيادة أثار استياء الموظفين بسبب عدم كفايتها لتغطية تكاليف المعيشة المتزايدة.

- أثارت التعليمات التنفيذية لزيادة الرواتب جدلاً بسبب عدم وضوحها وتأخر الصرف، مع قلق من تضخم إضافي نتيجة سياسة مصرف سوريا المركزي في حبس السيولة.

- رغم التحسن الطفيف في القوة الشرائية، يحذر الاقتصاديون من غياب الرقابة الفعالة على الأسواق، مما قد يمتص الزيادة ويعيد الأزمة الاقتصادية، مؤكدين الحاجة لبنية تنفيذ وآليات رقابية قوية.

يعاني الملايين من السوريين حالة من الفقر المدقع وتآكل القوة الشرائية، لتبدو أي زيادة في الرواتب بمنزلة طوق النجاة، في حين تبدو في نظر الكثيرين مجرد تعويض متأخر لا يلبي سوى الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية للمواطن السوري.

في 19 من حزيران/يونيو، أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسومين (102- 103) منح بموجبهما العاملين في القطاع العام من مدنيين وعسكريين ومتقاعدين، زيادة على الرواتب والأجور بنسبة 200 بالمئة، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 750 ألف ليرة سورية (75 دولاراً أميركياً).

وأعلن وزير المالية محمد يسر برنية عن البدء بصرف الزيادة مع رواتب تموز/يوليو المثبتين وبداية آب/أغسطس لموظفي العقود، لتأتي بعدها التعليمات التنفيذية الخاصة بالمرسومين، الأكثر إثارة للجدل في الشارع السوري، بالتزامن مع تأخير صرف المنحة مدة شهر كامل.

تعد نسبة الزيادة الأخيرة المقررة من قبل الحكومة، هي الأولى من نوعها في تاريخ سوريا، من حيث الحجم، في حين ما تزال المخاوف لدى المواطنين والمراقبين للشأن الاقتصادي من موجة تضخم كبيرة تشهدها الأسواق السورية بعد صرف الزيادة وزيادة التداول النقدي في ظل سياسة مصرف سوريا المركزي القائمة على حبس السيولة تفاديا لارتفاع سعر الصرف.

تأخر في صرف الزيادة

تفاجأ المحاسبون في مؤسسات الدولة السورية بأن التعليمات التنفيذية تقضي بصرف الزيادة بداية آب/أغسطس (الثامن) وليس الشهر الجاري.

يقول الموظف رضا الحمصي (38 عاماً) من دمشق بأن ما تم العمل به في وزارة الاتصالات هو رفع الرواتب ضمن القيمة ذاتها من دون أي زيادة تذكر.

ويتساءل رضا، في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا"، قائلاً: الغريب بالأمر عدم مراعاة المادة السابعة من نص المرسوم التشريعي رقم (102) تاريخ 19/6/2025 الصادر عن رئيس الجمهورية والمتضمنة إضافة نسبة الزيادة 200٪ على الأجر المقطوع في الشهر الذي يلي صدور المرسوم؟

ويرى الموظف علي المحمد (35) عاماً من دمشق بأن ما يعانيه موظفو سوريا بصورة دائمة هو التعليمات التنفيذية المرافقة لأي مرسوم، بالرغم من أن المادة الثالثة من قرار وزير المالية رقم 835 تاريخ 24/6/2025 المتضمن تعديل جدول الرواتب والأجور تنص على أنه يتم العمل بالتعديل اعتباراً من تاريخ 1/7/2025 متسائلاً، هل ثمة التباس في فهم المرسوم وما ورد فيه؟! أم أن الخطأ هو بالتعليمات التنفيذية كما جرت العادة دوما.

تعليمات تنفيذية غير واضحة

لقيت التعليمات التنفيذية الخاصة بالمرسوم رقم 102 لعام 2025، المتعلق بزيادة الرواتب والأجور، التي أصدرها وزير المالية محمد يسر برنية عبر حسابه على "لينكد إن"، في 6 من تموز/يوليو الجاري، القاضي بصرف الزيادة في الأسبوع الأخير من تموز/يوليو الجاري وبداية آب/أغسطس المقبل، موجة من التساؤلات لدى أكاديميين.

ونقلت صحيفة "الوطن" على لسان أحد الأكاديميين أن من التساؤلات التي تم تداولها حول بعض الأمور غير الواضحة في التعليمات- والتي زادت الأمور إبهاماً – الفقرة الخاصة بالعلاوات والرواتب، وعدم ذكر بعض الجهات مثل المدارس المستولى عليها، وعدم ذكر الحد الأدنى للرواتب والأجور، حتى لو ورد في جدول الرواتب الملحق.

أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق اكتفى بالإجابة عن تساؤلات "الوطن" بالقول: “بصراحة، التعليمات التنفيذية بحاجة إلى تعليمات تنفيذية.. لأنها بالنسبة لي غير واضحة ولا تنبع عن مهنية في إعدادها”.

زيادة بالأرقام وتراجع بالقوة الشرائية

عكس تأخير صرف الزيادة انطباعات سلبية لدى موظفي القطاع العام والمتقاعدين على حد سواء، وسط صدمة كبيرة بين الزيادة الإحصائية والواقع المعيشي.

فرحة البدايات لم تكتمل لدى الحاج عبد الله المصري (70 عاماً) بانتظاره الحصول على راتبه الشهري مضاعفاً، لتأتي الصدمة بعدم صرف الزيادة بوقتها المعلن عنه، مبيناً، في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا"، عدم الجدوى منها، أمام ارتفاع تكاليف المعيشة الذي يسبق أي زيادة مرتقبة في سوريا.

ويشاطره الحاج محمود الكردي (65 عاماً) الرأي وهو صاحب أحد المحال التجارية بسوق الشيخ محي الدين في حي المهاجرين، أمام صعوبة تقييم واقع السوق لحين صرف الزيادة، ما يجعل منها تصخما بالأرقام على حساب معيشة المواطن المرتفعة جداً قياساً بأي زيادة يتم الإعلان عنها.

ويضيف الكردي: لم يختلف الأمر في كل مرة ننتظر تحسن المعيشة، ولكن نجد بأن الرقم يتضاعف بلا فائدة تذكر، والحلول تكمن بضبط السوق قبل أي زيادة.

وهناك اعتقاد سائد في الشارع السوري على حقيقة واحدة مفادها، أن الزيادة تغطي أقل من 20 بالمئة من احتياجات الأسرة شهرياً في ظل تضخم تجاوز 300 بالمئة منذ عام 2020.

صدمة الأرقام وواقع السوق

بعملية حسابية بسيطة، قامت بها الموظفة فئة أولى ميساء السلوم (45 عاماً)، أظهرت أنه في الوقت الذي كان راتبها الشهري يعادل "كرتونة" زيت نباتي بات اليوم لا يكفي الحاجة نفسها في حال تم مقارنته بسعر الدولار.

سعر كرتونة الزيت (16 لتراً) ارتفع من 180 ألفاً إلى 480 ألف ليرة (+167%) خلال الفترة نفسها، مثال على معدل التضخم من 2022 إلى 2025.

وتضيف السلوم: ما يواجه الراتب الجديد بعد الزيادة الموعودة هو تضخم بأسعار المواد الغذائية، والدليل عدم القدرة على ضبط السوق وتبدل سعر السلعة الواحدة بين محل وآخر.

كما أن ما يواجه الموظفة المتقاعدة إسراء الدالي (65 عاماً) من جراء تضاعف أسعار الأدوية المزمنة (سكري - ضغط) والتي باتت تشكل ثلث الراتب بعد الزيادة، ما يجعل من مسألة ضبط أسعار الدواء حاجة ملحة.

وتقول إسراء، في حديثها لموقع "تلفزيون سوريا": الزيادة تذهب للصيدليات، أما الباقي لا يُسمن ولا يُغني.

وأمام هذه المخاوف يبقى رغيف الخبز الأكثر جدلاً وإلحاحاً في الأوساط السورية، بعد تحرير سعره وعدم القدرة على الاستغناء عنه بوصفه وجبة يومية الأكثر استهلاكاً.

تحسن ملحوظ بالقوة الشرائية

يرى الدكتور في كلية الاقتصاد جامعة حلب محمد الغريب أن زيادة الرواتب بنسبة 200 بالمئة تزيد القدرة الشرائية لموظفي ومتقاعدي القطاع العام، كما أن استقرار سعر الصرف بحدود 10 آلاف ليرة سورية للدولار الواحد، أسهم في تحسن الليرة مقابل الدولار بنسبة 33.3 بالمئة، وبالتالي انخفاض أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية، بالإضافة إلى انخفاض أسعار المواد المستوردة بالليرة السورية، لكن بالمقابل ارتفعت أسعار السلع المدعومة سابقاً بشكل كبير مثل: الخبز والمحروقات والمواصلات.

ويشير الغريب، في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا"، إلى تحسن القوة الشرائية لليرة السورية بنسبة 15 بالمئة وسطيا، وهنا يمكننا القول إن القدرة الشرائية لدخل الموظف أو المتقاعد الحكومي تحسنت بنسبة 230 بالمئة.

ويتوقع الغريب قيام مؤسسات القطاع الخاص بزيادة رواتب موظفيها تحت ضغط الزيادة التي تمت لموظفي القطاع العام، للحفاظ على ولاء موظفيها ولا سيما الكفاءات، وفي حال زيادة الرواتب في القطاع الخاص فإن هذا سيحسن القدرة الشرائية للمواطن السوري بشكل عام ولن يكون ذلك مقتصراً على الموظف الحكومي. 

ويرى الأكاديمي الاقتصادي أن الحكومة أمام تحدٍ كبير، وهو الحفاظ على استقرار سعر الصرف ومنع امتصاص الزيادة من قبل السوق من خلال الرقابة على الأسواق، والاعتماد على التعاملات النقدية الرقمية من خلال تحويل الرواتب عبر تطبيق "شام كاش".

هل سيلمس المواطن الزيادة أم يبتلعها السوق؟!

يجيب الباحث في الشؤون الاقتصادية الدكتور عباس رشيد كعدة من دمشق، شارحا أثر الزيادة في ظل بنية رقابية غير واضحة، وصعوبة قياس أداء الفاعلين الاقتصاديين في الواقع الجديد، وسط صعوبة توقع تحول النشاط التجاري الناجم عن الزيادة إلى دورة اقتصادية متكاملة، لأسباب تتعلق بالسلوك الاستهلاكي الحذر لدى السوريين، وضعف الاستقرار السعري، وغياب التوقعات الواضحة لدى المواطنين حول مستقبل السوق.

ويرى كعدة في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن لجوء الأسر إلى سياسة الإنفاق بحذر أمر بديهي، ما يفرز سلوكا استهلاكيا قصير الأمد، في ظل غياب نظام تسعير شفاف، وعدم وضوح السياسة الضريبية، مؤكدا عدم تسجيل أي تغير بسعر الصرف حتى اللحظة، واحتمالات بأن تتعرض الليرة لضغوط جديدة، خاصة إذا رافق ذلك مضاربة أو حركة غير منضبطة في السوق الموازي.

وعن دور الدولة بمواجهة هذه المخاوف يضيف الباحث الاقتصادي: عدم امتلاك آليات تنفيذ قوية، واستجابة فورية لأي ممارسات احتكارية أو تسعير وهمي، فإن الأسواق ستعيد ضبط أسعارها تلقائيا وفق منطق الربح لا الحاجة، وهو ما يعيد تدوير الأزمة الاقتصادية بأشكال جديدة.

ويحذر كعدة من ترك الأسواق لإعادة ترتيب معادلاتها وحدها، لأن النتيجة ستكون تآكل الزيادة تحت ضغط الأسعار، وتكرار مشهد الإنهاك الاقتصادي بشكل مختلف، وبأن الحاجة الأكبر اليوم ليست للقرارات وحدها، بل لبنية تنفيذ تليق بحجم التحدي.

الأبعاد غير المرئية للزيادة

يعيش الواقع الاقتصادي في سوريا حالة من الانفصام الرقمي، بالزيادة تبدو ضخمة في بيانات الحكومة لكنها تذوب أمام دولار السوق السوداء.

ويبدو السؤال الأكثر إلحاحا اليوم: هل الزيادة مسكن دائم أم مؤقت؟!

كما أن المشكلة اليوم ليست في مقدار الزيادة، بل غياب حزمة متكاملة من كبح جماح التضخم ودعم سلاسل الإمداد، وإصلاح نظام دعم المواد الأساسية، لكي لا تتحول إلى أرقام فقط.