icon
التغطية الحية

زواج قاصرات وطلاق مبكر.. التحرش يطارد فتيات سوريات في أماكن عملهن

2026.04.09 | 19:50 دمشق

آخر تحديث: 2026.04.09 | 19:51 دمشق

A sewing workshop in Aleppo
سيدة تعمل في ورشة خياطة ـ تعبيرية (IOM)
تلفزيون سوريا ـ عمار مرجان
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تعاني "آية" من فقدان والدها والفقر، مما دفعها للزواج المبكر الذي انتهى بالعنف والطلاق، لتواجه بعدها بيئة عمل غير آمنة تعرضت فيها للتحرش والاستغلال.
- تعكس قصتها واقع الفتيات في حلب، حيث يتقاطع الفقر والتفكك الأسري والزواج المبكر مع سوق عمل يفتقر للحماية، مما يزيد من تعرضهن للاستغلال.
- يؤكد الخبراء على ضعف تطبيق القوانين في بيئات العمل غير المنظمة، ويشددون على ضرورة إطلاق برامج توعية ودعم لحماية الفتيات وتشجيعهن على الإبلاغ عن الانتهاكات.

كان الموت أول فقد كبير في حياة "آية" في مدينة حلب، فوالدها الذي كان يعاني من إعاقة ذهنية، انفصلت عنه والدتها بعد سلسلة من الاعتداءات، وبقيت آية ترعاه وحدها حتى توفي فجأة. كان المنزل متواضعاً إلى حد أن أثاثه بيع خلال يوم واحد لسداد جزء من الديون المتراكمة، ولم يكن مصدر دخل العائلة سوى مساعدة محدودة من قريب يقيم في تركيا.

بعد انتهاء مراسم الدفن، عادت آية إلى منزل جدتها، لكنها لم تشعر بأنه منزلها، فقد كانت والدتها قد تزوجت مجدداً وأنجبت أطفالاً، ولم يعد بإمكانها الإقامة معها.

طُرح عليها خيار العمل، لكنها لم تكن تعرف ماذا يعني أن تذهب إلى ورشة أو محل في هذا العمر، اختارت الزواج باعتباره مخرجاً آمناً، إلا أن التجربة انتهت سريعاً بعنف متكرر وطرد من المنزل، خلال أشهر قليلة، وجدت نفسها مطلقة في السادسة عشرة من عمرها، في فقدٍ ثانٍ بعد وفاة والدها، وقررت هذه المرة أن تبحث عن عمل.

استغلال و"خوف من الوصم الاجتماعي"

في أول مكان عمل، أخفت آية قصة طلاقها خشية الوصم، لكن عندما علم صاحب الورشة بالأمر، بدأ بمحاولات تقرّب رفضتها، قبل أن يتحول الأمر إلى تحرش لفظي متكرر داخل مكان العمل، وفي إحدى المرات، تجاوز الأمر الكلمات إلى لمس غير مرغوب به، ما دفعها إلى مغادرة العمل فوراً، نصحها بعض المقربين بعدم تقديم شكوى كي لا تتحول القضية إلى "فضيحة" اجتماعية.

تكررت التجربة في أكثر من مكان، تقول "آية" إنها لم تعد تبحث عن نوع العمل، بل عن صاحب العمل، في محاولة لتجنب بيئة قد تعرّضها للاستغلال أو التحرش مجدداً.

قصة آية ليست حالة فردية، ففي حلب تجد كثير من الفتيات أنفسهن في مسار مشابه، حيث يتقاطع الفقر والتفكك الأسري والزواج المبكر مع سوق عمل غير منظم يفتقر إلى أبسط أشكال الحماية.

تعمل نسبة كبيرة من الفتيات في ورش صغيرة أو أعمال غير رسمية، غالباً دون عقود عمل واضحة أو آليات شكوى، ما يجعلهن أكثر عرضة للاستغلال أو التحرش، وفي ظل غياب الرقابة الفعالة وضعف الوعي القانوني لدى العاملات، تتحول بيئات العمل بالنسبة لبعضهن من فرصة للعيش إلى مساحة جديدة للهشاشة والخطر.

وتشير تقديرات منظمات دولية معنية بحقوق النساء إلى أن الزواج المبكر ليس ظاهرة نادرة في سوريا، فقبل اندلاع الحرب، كانت نحو 13% من الفتيات في سوريا يتزوجن قبل سن الثامنة عشرة، وفق بيانات متخصصة حول زواج القاصرات في البلاد، ومع تفاقم الفقر والنزوح وتراجع فرص التعليم خلال سنوات الصراع، ارتفعت المخاطر التي تدفع بعض الأسر إلى تزويج بناتهن في سن مبكرة كوسيلة للتخفيف من الأعباء الاقتصادية أو بدافع الحماية الاجتماعية .

طلاق القاصرات والزواج المبكر في سوريا

لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة حول عدد حالات طلاق القاصرات في سوريا، إلا أن مؤشرات الزواج المبكر تعطي صورة عن حجم الظاهرة. فقد كانت نسبة زواج القاصرات في سوريا تقارب 7% قبل الحرب، لكنها ارتفعت خلال سنوات الصراع إلى نحو 14%، وفق تقديرات منظمات معنية بقضايا النساء. كما تشير بيانات حديثة إلى أن قرابة 40% من حالات الزواج في البلاد تنتهي بالطلاق، بينما يحدث نحو ثلث هذه الحالات خلال السنوات الخمس الأولى من الزواج، وهي الفترة التي تقع فيها كثير من الزيجات المبكرة.

يرى المحامي زكريا ميلاجي، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن المشكلة لا تتعلق بوجود النصوص القانونية فقط، بل بضعف تطبيقها في بيئات العمل غير المنظمة، ويقول إن كثيراً من الفتيات يعملن في ورش صغيرة أو أعمال غير رسمية دون عقود عمل واضحة، ما يجعلهن في وضع هش قانونياً ويحدّ من قدرتهن على تقديم شكاوى عند تعرضهن للتحرش أو الاستغلال، ويضيف أن الخوف من الوصمة الاجتماعية أو فقدان مصدر الدخل يدفع كثيرات إلى الصمت بدلاً من اللجوء إلى القضاء، الأمر الذي يسمح باستمرار هذه الانتهاكات في بعض أماكن العمل.

وتؤكد مواثيق حقوق الإنسان الدولية، بما في ذلك اتفاقيات منظمة العمل الدولية، على حق كل إنسان في العمل ضمن بيئة آمنة وخالية من العنف أو التحرش، إضافة إلى حقه في الأجر العادل وعدم التمييز، غير أن كثيراً من الفتيات اللواتي يعملن في القطاع غير المنظم يجدن صعوبة في التمتع بهذه الحقوق بسبب غياب العقود الرسمية وآليات الشكاوى.

من جهته، يوضح الناشط الاجتماعي المهتم بقضايا دعم المرأة "ياسر كور"، في حديث خاص لموقع تلفزيون سوريا، إلى أن دخول فتيات صغيرات إلى سوق العمل ازداد بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في القطاع الخاص، نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة التي دفعت كثيراً من العائلات إلى الاعتماد على عمل بناتهن للمساهمة في تأمين الدخل. ويوضح أن مدناً مثل حلب ودمشق شهدت انتشاراً واضحاً لعمل الفتيات في المحلات التجارية والمعامل.

ويربط كور بين هذه الظاهرة وبين ارتفاع معدلات الزواج والطلاق المبكر، موضحاً أن الزواج في سن صغيرة غالباً ما يكون نتيجة قرارات غير ناضجة، ما يؤدي إلى انتهاء كثير من هذه الزيجات بسرعة ويدفع الفتيات لاحقاً إلى البحث عن عمل. كما يشير إلى أن ضعف الضوابط في بعض أماكن العمل، إلى جانب الظروف الأمنية والاجتماعية، قد يفتح المجال أمام حالات تحرش أو استغلال.

ويضيف أن الخوف من الوصمة الاجتماعية يدفع كثيراً من الفتيات إلى عدم الإبلاغ عن هذه الانتهاكات، إذ ما يزال المجتمع في كثير من الأحيان يلوم الضحية بدلاً من محاسبة المتحرش، ويشدد على ضرورة إطلاق برامج توعية ودعم تشجع الفتيات على الإبلاغ عن أي حادثة تحرش، إلى جانب إلزام أصحاب العمل بوضع سياسات واضحة لمنع التحرش وتوفير بيئة عمل آمنة.

تحرش وطلبات زواج "سري"

يقول الأخصائي النفسي محمد السيد، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن التعرض لصدمات متتالية في سن مبكرة، مثل فقدان أحد الوالدين أو الزواج المبكر أو الطلاق، قد يترك آثاراً نفسية عميقة لدى الفتيات، ويوضح أن دخول سوق العمل في هذه المرحلة الحساسة من العمر، خصوصاً في بيئات غير آمنة، قد يعزز الشعور بعدم الأمان وفقدان الثقة بالآخرين.

ويضيف أن كثيراً من الفتيات يفضلن الصمت عند التعرض للتحرش خوفاً من الوصمة الاجتماعية أو فقدان مصدر رزقهن، ما يجعل هذه التجارب أكثر تأثيراً على صحتهن النفسية واستقرارهن الاجتماعي.

تعمل "آية" اليوم في ورشة صغيرة للخياطة بتنظيف الملابس من الخيطان الزائدة وطويها وتغليفها، حيث تعمل فتيات كثيرات في أعمال بسيطة في مثل هذه الورشات سواء الخياطة أو التعبئة أو البيع.

ال

غالباً ما تكون هذه الورش أماكن فوضوية ضيقة تفتقر إلى التنظيم أو الإشراف الواضح، ويعمل فيها العمال لساعات طويلة مقابل أجور زهيدة، دون عقود عمل أو ضمانات قانونية. في مثل هذه البيئات، تصبح الحدود بين العمل والعلاقات الشخصية غير واضحة، ما يفتح الباب أمام سلوكيات قد تتحول إلى تحرش أو استغلال.

وتروي "تاج" –وهو اسم مستعار– لموقع تلفزيون سوريا، وهي عاملة في إحدى الورش بمدينة حلب، أنها عملت سابقاً في ورشات مشابهة في تركيا، وأيضاً رغم وجود بيئة عمل منظمة أكثر كانت تتعرض للمضايقات وطلب الزواج السري، وإن كانت في الورشات بحلب الحالة فوضوية لكن هنا يوجد خوف من المجتمع أكثر والفضيحة خاصة للفتيات، وتقول أن كثيراً من الفتيات يفضلن تجاهل المضايقات التي قد يتعرضن لها في العمل خوفاً من فقدان مصدر رزقهن ومنهن مَن تكون ضحية وتنزلق وتتجاوب مع صاحب الورشة أو المتحرش.

وتضيف: "معظمنا يعمل لأننا مضطرات، وإذا تركت العمل ليس من السهل أن تجد مكاناً آخر خاصة في الفترة الأخيرة".

رغم التجارب القاسية التي مرت بها، ما تزال "آية" تحاول العثور على فرصة عمل آمنة، وتفضل العمل مع صديقات أو قريبات لها في نفس الورشة لتشعر بالأمان أكثر، تقول إنها لا تبحث عن الكثير، فقط مكان عمل يحترمها ويمنحها فرصة للعيش بكرامة، وتضيف: "أنا لا أخاف من العمل… أنا أخاف فقط من الناس".

 

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من 

“JHR” صحفيون من أجل حقوق الإنسان