زواج المرأة من شاب يصغرها سناً بين تقبل المجتمع ورفضه

تاريخ النشر: 19.06.2022 | 05:49 دمشق

تلفزيون سوريا ـ وضحى العثمان

الزواج في المجتمع الشرقي يكاد يكون من أكثر المواضيع تعقيداً وجدلية فهو ليس قرارا يتخذه شاب للارتباط بفتاة أو العكس وإنما قرار تتخذه العائلة ومن خلفها المجتمع بعرفه وعاداته وتقاليده التي غالباً ما تكون ضحيتها المرأة.

موضوع عمر الشاب والفتاة المقبلين على الارتباط على وجه الخصوص هو الأكثر جدلية في مشاريع الزواج، فالمجتمع الشرقي غالباً ما يتقبل أن يتزوج الرجل من فتاة تصغره بعشرين عاما على سبيل المثال بينما لا يتقبل زواج رجل من امرأة قد تكبره بسنة وربما ببضعة شهور.

قرار صائب أم لا؟

تقول الناشطة الاجتماعية سوزان الرجب إن زواج الرجل من امرأة تكبره سناً بقي مرفوضاً في المجتمع السوري لفترة طويلة، لكن مع تسارع الزمن ودخول المجتمعات عصر العولمة والانفتاح على ثقافات أخرى، كان هناك تغيير في هذا المنظور الاجتماعي.

وتضيف الرجب في حديثها لموقع "تلفزيون سوريا" تحول الرفض إلى استهجان، وبات وجهة نظر يراها كل شخص من زاويته سواء بالإيجاب أو السلب.

بحسب الناشطة الاجتماعية السورية فالإيجابيون يرون أن المرأة الأكبر سناً لها قدرة أكبر على تحمل واستيعاب الرجل من النواحي العاطفية والمادية، وتكون أقدر على دعمه في إدارة شؤونه الداخلية والخارجية، فهي بمنزلة المحرك الموجه لمركب الأسرة.

كما تكون متفهمة لاهتماماته وأسلوب تفكيره، وقادرة على استيعاب نزواته.

أما السلبيون فيرون فيه زواجاً مفتقداً للتكافؤ، فالمرأة تنضج "نفسياً" قبل الرجل وبالتالي تتعامل مع آراء الرجل الأصغر منها سناً باللامبالاة، وتلقائيا يؤدي ذلك إلى سيطرة المرأة على الرجل وإضعاف شخصيته مما يحذو بالرجل للبحث عن ذاته مع أخرى، وفقاً لسوزان الرجب.

وتتابع الناشطة الاجتماعية السورية: ومن الناحية الجسدية فالمرأة مع تقدم العمر وفي غالب الأحيان تفقد شغف الاهتمام بنفسها، وبالتالي يقل عطاؤها للرجل ولاسيما أن المجتمع الشرقي يقيد المرأة من حيث العمر.

وتشير إلى أن المرأة بعد العقد الرابع مضطرة إلى أن محافظة بمظهرها وإلا اتهمت بالتصابي وقلة النضج بينما يكون الرجل في كامل رونقه وكلما زاد من اهتمامه بمظهره كلما لقي التشجيع أكثر لذلك سيلجأ للبحث عن أخرى أصغر سناً تليق بمظهره وتشبع رغباته وغروره، وفي مثل هذه الحالة المبرر الاجتماعي موجود، بل ويعطيه كامل الحق.

وتذهب الرجب إلى أن الزواج بمرأة أكبر سناً زواج موفق في الكثير من الحالات، لأنها ترى التكافؤ بالزواج لا يتعلق بالعمر وإنما بمدى فهم لبدء الشراكة في الزواج واستيعاب كل شريك لتفكير وثقافة الشريك الآخر.

 لكنْ هناك تدخل كبير من قبل المجتمع والمحيط الذي سرعان ما تحول انتقاداته مسيرة النجاح إلى فشل، لذلك الإقدام على هذه الخطوة يتطلب قدرة من الطرفين على مواجهة التحديات والتركيز على الشراكة بينهما.

تدخل المجتمع

بدورها، تؤكد السيدة "م. س"، وهي إحدى حالات هذا الزوج، رفضت الكشف عن اسمها بسبب حرجها الاجتماعي، ما ذهبت إليه سوزان.

وتقول "م. س"، تعرفت إلى أبو أولادي عن طريق العمل، عندما تقدم لخطبتي علمت أنه أصغر مني بعامين، بداية رفضت الزواج منه، لكن وبعد نقاش طويل معه عن الموضوع استطاع إقناعي بأن العمر لا يشكل أي أهمية وأنه قادر على تحمل مسؤولية قراره، وتزوجا.

كان زواجهما في البداية هادئاً ناجحاً لا يخلو من بعض الإشكالات التي توجد في أي حياة زوجية، وفقاً لما تقوله الزوجة.

 وتضيف، ولكن لكونه شخصا اتكاليا فقد وجد بي شخصاً مناسباً لحمل كامل العبء، إلا أن المجتمع خصوصا المقربين من الأسرة لم يوفروا فرصة إلا عزفوا فيها على وتر فارق العمر، مع مرور الوقت بدأ يتأثر، أصبح رأيي مستفزاً له، يحمله دائماً على محمل حب السيطرة، كما راح يكثر من انتقاداته لتفكيري وأسلوب حياتي، إلى أن اكتشفت يوماً أن الموضوع تحول لديه لعقدة نفسية دفعته للخيانة وللبحث عن الفتيات اللواتي يصغرنه بفارق كبير، وبعد أربعة عشر عاماً من الزواج وصلنا لطريق مسدود وانتهى زواجنا بالطلاق، وفعلا تزوج من فتاة تصغره بثمانية عشرة عاماً.

تغيرت المفاهيم في السنوات الأخيرة.. لماذا؟

تزداد حالات زواج الرجل بامرأة تكبره سناً، أو زواج المرأة برجل يصغرها بالسن، في السنوات الأخيرة نتيجة ظروف اقتصادية واجتماعية استثنائية مر بها السوريون خلال الحرب.

وتقول الناشطة الاجتماعية، عبير هاشم، إن هذا الموضوع كان شائكا ولا يجد قبولاً سهلاً في المجتمع، ولكن بعد الثورة السورية وما تبعها من ظروف "قاهرة" يعيشها السوريون تغيرت كثير من العادات والتقاليد بسبب بعد الأهل والأقارب.

وتضيف هاشم أن المحيط المقرب كان يمارس سطوته بشدة ويوسم من يقدم على هذا الزواج بوصمة عار، إلا أن هذه المفاهيم بدأت تندثر وتختفي بنسبة كبيرة نتيجة وفاة ومقتل الكثير من الرجال.

وبحسب الناشطة الاجتماعية، فالأم التي فقدت أكثر من شاب من أولادها وبقي لديها شاب واحد اختار الزواج من امرأة أكبر منه سنة مضطرة للموافقة والرضوخ لقراره كي لا تخسره، كذلك الأم الذي توفي أحد أولادها وخلف وراءه زوجة وأولاد، تعمد لتزويج أحد أبنائها من أرملة أخيه التي قد تكبره بعشر سنوات فقط لتحافظ على أسرة ابنها الفقيد وتشجع الموضع بشدة، ولا سيما أن هناك تشجيعا من منطلق ديني واجتماعي مألوف في المجتمع السوري.

وبالنسبة للمجتمع، تقول هاشم، إن المجتمع برأيي نحن من نصنعه، أنا وابني وأخي وجاري أفكارنا هي من تصنع المجتمع ولذلك فنحن قادرون على تغيير المجتمع وموروثاته الصلبة.

بين العُرف والدين

تناقش هذا الظاهرة في المجتمع السوري بالتركيز على الرجل بأنه تزوج بامرأة تكبره سناً، ويقف معه ضدها، وتشير حالات عديدة إلى أن من يرفض الزواج امرأة أيضاً غالباً ما تكون أم الرجل أو أخته.

تجدر الإشارة إلى أن لا مانع ديني يقف أمام هذا الزواج، ويشجعه كثيرون أسوة بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، الذي تزوج بالسيدة خديجة.

ومن وجهة نظر محافظة (وهي النسبة الأكبر في المجتمع السوري)، تقول أمينة طلاس، امرأة سورية، إن للمجتمع علاقة وطيدة بالعرف، وأغلب الأحيان الشرع يأخذ رأي الشارع (المجتمع).

وتضيف أن زواج المرأة برجل أصغر منها سناً زواج ناقص، فالمرأة لديها وعي أكثر من الرجل علماً يقال بأن المرأة بـ "نصف عقل".

وبحسب طلاس فإن الرجل لديه أكثر من فرصة للمراهقة، أما المرأة لديها مرة واحدة فقط، لذلك يتيح المجتمع للرجل المتزوج من امرأة تكبره سناً الزواج عليها، ويعتبر "من حقه"، في حين إذا كانت هي أصغر منه سناً وبفارق كبير يكون رأي الجمهور "إيه عادي".

وتؤيد أمينة طلاس رأي المجتمع، لأنه -بحسب زعمها- أكبر عدو للمرأة هي المرأة، وتقول من الصعب أن يبقى الرجل الأصغر سناً مع زوجته التي مع تقدم العمر ستفقد نظارتها وتصبح حركتها ثقيلة، أما سيكون بكامل ربيعه ورجولته.

خالد الفجر، مختص بالدراسات العربية والإسلامية، يرى أن ظاهرة الظاهرة ليست جديدة، ولكن العادات والعرف لها تأثير كبير جداً بغض النظر عن مدى تعارضها أو توافقها مع الدين، مرجحاً تأثير العرف أحياناً يتفوق على تأثير الدين في بعض المجتمعات.

ويقول في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا" بأن هناك مبررات لرفض هذا الزواج تتعلق بسن الإنجاب بالنسبة للمرأة، وعدم الاضطرار للزواج الثاني.

وينصح الفجر بالمقدمين على هذه الخطوة على التأكد بأنها ليست نزوة، ويرى بأن نجاح هذا الزواج يحتاج إلى توفر بيئة داعمة، سواء من أسر الأزواج بداية إلى الظروف النفسية والاقتصادية لحصانته من تدخل المجتمع، إضافة إلى توفر التكافؤ بين الزوجين.

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار