زكريا الهارب من الموت في حماة

زكريا الهارب من الموت في حماة

زكريا الهارب من الموت في حماة
لوحة للفنان السوري عبد الجليل الشققي بذكرى مجزرة حماة

تاريخ النشر: 09.02.2021 | 00:04 دمشق

في شباط من عام 1982، وبينما كان السوريون يتابعون ما يعتقدون أنها الحياة الطبيعية، فإن واحدة من كبريات مدنهم كانت محاصرة لمدة شهر كامل، وتتعرض أحياء فيها للقصف بالمدفعية وراجمات الصواريخ وبالطائرات التابعة للجيش (الوطني). إنها مدينة حماة، واحدة من أكثر المدن عراقة انقطعت عن العالم الخارجي، فلا طرق توصل إليها، ولا اتصالات بينها وبين العالم المحيط.

يوم الإثنين في الثامن من ذاك الشهر، في مدينة حمص التي لا تبعد عن المدينة المحاصرة سوى خمسة وأربعين كيلومتراً، كنا مازلنا لا نعلم عما يجري في المدينة الجارة أي شيء، سيتلقى صديق لي اتصال من أحدهم ليخبره بأن شاباً غريباً ضائع وأخرس، بحسب المتصل، قد كتب له رقم الهاتف وطلب منه الاتصال. سيصل صديقي إلى عنوان الرجل، ليجد هناك "زكريا" وهو صديق مقرّب من مدينة حماة. كانت لحيته قد طالت وكانت ثيابه بوضعٍ مزرٍ كالعائد من ضياع طويل. زكريا الذي أعطى بنفسه الرقم للبقّال، لم يتعرف على صديقي حين همَّ بمعانقته. بين دهشة وارتياب صاحب الاتصال، وتوضيحات صديقي عن معرفته الأكيدة بزكريا، وتقديمه كافة معلوماته الشخصية لطمأنة صاحب المحل، احتاج صديقي لبعض الوقت حتى استطاع اصطحاب زكريا إلى بيته. بمساعدة طبية استطاع زكريا تجاوز حالة الذهول والصدمة وفقدان الذاكرة بعد عدة أيام.

هاجم الجيش منازل الحي، وأخرجوا الرجال والشباب واليافعين من الأطفال، وجمعوهم في ساحة قريبة، بمن فيهم زكريا وشقيقيه

كانت شقيقة زكريا ذات العشر سنوات قد غافلت أهلها وخرجت للشارع في حيّهم المحاصر بالجنود والقناصين، فأرداها أحدهم على الفور برصاصة في الرأس على بعد أمتار من باب البيت. حين اكتشفوا الأمر، حاول الوالد الوصول إلى ابنته لسحب جثتها إلى المنزل فسقط فوق ابنته برصاصة أخرى. انتظر زكريا وأمه وأخويه خلف الباب حلول العتمة، حتى تمكنوا من إدخال الجثتين إلى داخل المنزل. في اليوم التالي هاجم الجيش منازل الحي، وأخرجوا الرجال والشباب واليافعين من الأطفال، وجمعوهم في ساحة قريبة، بمن فيهم زكريا وشقيقيه. يقول زكريا إن آخر الكلمات التي سمعها هي أوامر قائد المجموعة العسكرية لجنوده بأن يتجهزوا لإطلاق النار. وإن خوفه دفعه للركض إلى ممر فرعي ضيق قرب مكان تجميعهم، أما بعد ذلك فإنه لا يتذكّر أي شيء، لا كيف تجاوز الحصار وغادر المدينة، ولا كيف وصل إلى حمص، ولا حتى كيف كتب رقم الهاتف للاتصال بمن يعرفه. بعد أسابيع قليلة سيعرف زكريا ونعرف أن أخويه قد قتلا ولم يبق له من العائلة سوى أمّه.

كان ما رواه زكريا صادماً، فكيف يمكن لأمر كهذا أن يحدث؟ خلال الشهور التي تلت، سيكون هناك العديد من الناجين من المجزرة يروون برعبٍ قصصاً مشابهة لما حدث في المدينة، ليكتشف السوريون يوماً بعد يوم، حجم الخراب الذي حلَّ بالمدينة، وكيف أن أحياء بكاملها لم تعد موجودة. وستمر بعدها عدّة سنوات، والسوريون يرددون أن الأسد قد ارتكب جريمته في حماة بتعتيم كامل، دون معرفة العالم الخارجي. في وقت لاحق، سيتبيّن أن تقاريرَ عديدة قد وصلت إلى معظم وزارات الخارجية من سفاراتهم في دمشق عما كان يجري، وسوف تتضارب الأرقام في التقارير عن عدد الضحايا. تبدأ من التخمين في البدايات بأن أكثر من ألف ضحية قد سقطوا، لتنتهي بتأكيدات أن العدد كان يتراوح بين عشرة وعشرين ألفاً من المدنيين قتلوا ودفنوا في مقابر جماعية. طبعاً هذا لا يتضمن آلافاً آخرين ممن اعتقلوا وأعدموا فيما بعد في سجن تدمر.

كانت الصحافة الغربية تقدم ما يشبه التبريرات لذلك العمل بصفته شراً لا بد منه، لإزاحة شبح الخمينية عن بلاد الهلال الخصيب

مطلع الثمانينيات، كان صنّاع القرار الدوليون، يعيشون حالة من الخشية بعد نشوء نظام إسلامي رجعي في طهران، ما جعلهم يدخلون في حالة تواطؤ غير معلن مع الأسد في تدمير مدينةٍ، ستصفها كبريات الصحف العالمية في تلك الفترة، بأنها تمثّل حالة من التخلف والتعصب الإسلامي، معتبرة أن ما قام به الأسد، هو حل ومخرج مناسب لتجنّب حدوث الأسوأ (ربما ما زالوا يعتقدون ذلك لليوم).

في كتابه "سوريا الدولة المتوحشة" يقول ميشيل سورا: "كانت الصحافة الغربية تقدم ما يشبه التبريرات لذلك العمل بصفته شراً لا بد منه، لإزاحة شبح الخمينية عن بلاد الهلال الخصيب، من دون أن تنسى أن تشجب أعمال العنف بطبيعة الحال، فتلك كانت نوعاً ما عملية جراحية ضد معقل الأصولية الإسلامية في سوريا".

سيذكر زكريا وآخرون كثر، أن القتل كان بدون تمييز، وأن القوات العسكرية لم تطلب هوية أحد منهم، فيكفي أن تكون من هذه المدينة لتستحق الموت، حتى لو كنت بعثياً موالياً للنظام، فقد كان الأمر درساً وأمثولة لإخضاع السوريين. وهذا ما يفسّره سورا بالقول "لم تعد الدولة تعترف في خضم عملها القمعي سوى بالانتماء الطائفي للتمييز بين الحبة الصالحة والزؤان".

نعم، حدث هذا قبل تسعة وثلاثين عاماً في حماة. ورُوي الكثير عن المجزرة ممن شهدوها، وقد تكون هناك من بين الروايات السورية ما احتوى على شيء من المبالغة، ولكن تبقى الرواية الأسوأ هي التي كررها حافظ الأسد حين كان يُسأل من الصحفيين الغربيين عن حماة، فيجيب بأنه حارب مجموعات من المتمردين الإسلاميين ممن قتلوا جنود الجيش في منازلهم مع نسائهم وأطفالهم، ورموا جثثهم في الشوارع. وأنّه أثناء مواجهة هؤلاء، لا بدّ أن تكون قد حدثت بعض الخسائر الجانبية.

مدينة حماة اليوم عنوان لمجزرة من ضمن مئات المجازر التي تابعها الأسد الابن بذات الوحشية. ولليوم بعد مرور عشرات السنوات، لا تُعرَف تماماً أمكنة القبور الجماعية التي دفن فيها الضحايا المدنيون في المدينة عام 1982، ولليوم ما زال العالم لا يفصح عن تقاريره السرية بشأن المجزرة، التي أسست للجرائم التالية في سوريا، هذا العالم الذي ما زال حتى اللحظة، يتمثَّل القرود الثلاثة التي لا تسمع ولا ترى ولا تتكلم. أما زكريا، فمازال يرى وجهي أخته وأبيه الملطخين بالدماء في كوابيسه فيستيقظ مفزوعاً، لكنه حتى الآن لم يتذكر كيف غادر المدينة المحاصرة ووصل إلى مدينة أخرى، ناجياً من موت أتى على بقية عائلته.

كلمات مفتاحية
مقالات مقترحة
بسبب كورونا.. ملك الأردن يقبل استقالة وزيري الداخلية والعدل
من جرعة واحدة.. أميركا تصرح باستخدام لقاح "جونسون آند جونسون"
فتاة ملثمة استغلت إجراءات كورونا وطعنت طالبة في جامعة تشرين