زرع عقيدة: لن تنجح الثورات في مجتمعاتنا!

زرع عقيدة: لن تنجح الثورات في مجتمعاتنا!

الحرية قدر الإنسان وهو صانع مصيره (أرشيفية - إنترنت)
24 آب 2018

بهدوء، ولكن بخطى حثيثة ومتسارعة، يتم زرع عقيدة مضادة لثورات الربيع العربي، مفادها أن هذه الثورات لا يمكن أن تنجح، لأن الشعوب التي قامت بها غير مؤهلة من ناحية، ولأن العالم تحكمه قوى "كبرى"، ظاهرة وخفية، كلية القدرة، ولن تستطيع شعوب المنطقة الضعيفة، أفراداً وجماعات، فعل شيء إزاء ارادتها وقوتها القاهرة.

تبدأ سردية دوماً بالقول إن الأنظمة العربية مجرمة وقاتلة ومستبدة، وهذا "أمر مفروغ منه"؛ وتحول النقاش إلى البدائل المطروحة أو المناهضة لهذه الأنظمة بالأحرى تعداد مساوئها ونقاط ضعفها، جرائم داعش، بالتفصيل، ومساوئ القادة بأدق شرح، سلطوية وعنف الإسلاميين الحركيين بإسهاب، انتهازية وبلطجة قادة الفصائل والميلشيات المسلحة... لكن بالطبع دون الإشارة إلى قوى المجتمع الأخرى، أو الملايين التي نزلت إلى الشوارع وقدمت دمها وقوداً للتغيير، ولا إلى الحركات والتيارات المناهضة لهذه القوى في أوساط الثورة. وإن سلموا بوجود القليل منها وصفوه بغير المؤثر، أو المدعوم من الخارج، وإن أجبروا على الإقرار بنقاء حالة ما، فإنهم لن يترددوا في وصفها بأنها "حالة فردية"، بل ونادرة. والمهم في مجمل النقاش ألا يتم التطرق في النقاش إلى الأنظمة أو حتى التذكير بها، أو الإشارة إلى البدائل الحقيقية المتوافرة، وأن يبقى الجدل محصوراً في حيز القوى "السيئة" لتثبيت الصورة الذهنية المطلوبة عن "الثورة".

النقلة التالية تتناول الحل. ما الحل في هذه الحالة؟ هل نركن لليأس والإحباط ونقرع أنفسنا أفراداً وجماعات لخوضنا هذه المغامرة العقيمة القاتلة؟ أن نستسلم للأنظمة القاتلة؟

يقولون إن الصراع سواء في سوريا أو في أي من دول الربيع العربي محكوم بأطر وتوازنات إقليمية ودولية

أصحاب هذه السردية يدسون هنا بعض العسل، للمحافظة على توازن الوصفة السامة، يقولون إن الصراع، سواء في سوريا أو في أي من دول الربيع العربي، محكوم بأطر وتوازنات إقليمية ودولية، وهذه لن تسمح للأنظمة بالجموح في طغيانها، لكنها أيضاً لن تسمح للقوى الشريرة التي تنطوي عليها الثورة بالانتصار. وعلينا إذن القبول بالتسويات التي تقترحها، والعناد هنا لن يفيد، فهي إرادة نافذة سواء قبلنا أم لم نقبل، بل إن رفضنا لن يؤدي سوى إلى استبعادنا، واعتماد الأنظمة السابقة مجدداً كقوى أمر واقع لا بديل عنها.

تنطوي مجمل هذه الوصفة على تناقض جوهري واحد على الأقل، هو إذا كانت القوى "القاهرة" ضد الأنظمة، فلماذا لم تساعد على إسقاطها فعلياً، وأن تدعم القوى قليلة الشأن التي بزغت في المجتمعات وأعلنت مناهضتها للقوى الشريرة؟ أليست بقوتها المزعومة تستطيع أن تجعل حتى الحالات الفردية حالات عامة وقائدة! 

ستكشف الإجابة عن هذا السؤال الهدف النهائي لهذه الاستراتيجية والقوى التي تكمن خلفها، فالغاية هي القول إن الشعوب عاجزة أفراداً وجماعات عن الفعل التاريخي، وعن تغيير موازيين القوة، وهي تحت السيطرة التامة لنظام عالمي متماسك ومتوافق، ولا أمل ولا فرصة بنجاح أي تحرك مضاد للأنظمة القائمة. والأنظمة المعنيّة هنا هي بالدرجة الأولى الأكثر قلقاً حول مستقبلها، الأكثر زيفاً وعدم استقرار: الأنظمة التي دعمت وتدعم الثورات المضادة. 

ضعف المجتمعات هو إحدى جرائم الأنظمة

إحباط هذه الاستراتيجية يكون أولاً بالقول إن ضعف المجتمعات هو إحدى جرائم الأنظمة، وبأن هذا الإضعاف المتعمد سبب كاف للانتفاض والثورة. وعلى الثوار ألا يملّوا من تعداد جرائمها وإعادة عرضها وشرحها مراراً وتكراراً، خلافاً لإرادة مخططي الثورة المضادة. والجزء الآخر من الرد، هو سرد إنجازات الثورة، المتعيّن منها والافتراضي، ومقارنة حالة المجتمعات والشعوب قبل الثورة وبعدها، على صعيد التعبير وحريته على أقل تقدير، وإرغام الطرف الآخر على الاعتراف بذلك. 

أما على الصعيد العملي، فإن الفعل الذي يجهض كل تلك الدعاوى عن عجز المجتمعات والأفراد يمكن تلخيصه بعبارة واحدة: تجميع القوى. ذلك السر الذي التقطته مجتمعاتنا حين انخرطوا في التظاهرات يوماً، وصنعوا بوقوفهم معاً التاريخ، وهو السرّ الذي التقطه أيضاً خصومهم، فزرعوا الشك فيما بينهم، وفرقوهم، ثم هاهم يزرعون الشك في نفس كل واحد منا، تمهيداً لتدميره وإخضاعه.  

إن للمكاسب الاجتماعية "الثورية" ثمنا باهظا، وقد دفعته مجتمعاتنا، وإن لتضحياتها نتائج حصدت بعضها، لكن أجمل الثمار ما زالت أزهاراً، وعندما ستنضج، ستتساقط أنظمة الثورة المضادة، بأموالها وعملائها ومرتزقتها، لتطوى صفحتهم في التاريخ إلى الأبد، فالحرية قدر الإنسان، وهو صانع مصيره. 

مقالات مقترحة
إصابتان جديدتان بفيروس كورونا في ريف حلب
إصابة العشرات بفيروس كورونا في وادي بردى
نقابة المحامين تحمّل النظام مسؤولية وفاة 15 محامياً بـ"كورونا"
إصدار مرئي للتنظيم المسؤول عن استهداف الدورية المشتركة على الـM4
قتلى لقوات النظام في جبل الأكراد بعد إحباط محاولة تسللهم
ضحايا مدنيون بغارات جوية على مدينة بنش شمالي إدلب (فيديو)
رايبورن: صيف قيصر سيستمر على الأسد وحلفائه حتى النهاية
حجاب ورايبورن يبحثان أفضل السبل لتطبيق قانون قيصر
شركات نفط في لبنان يديرها مهرّب سوري وعضو في برلمان النظام