icon
التغطية الحية

روسيا تعيد رسم حضورها في سوريا.. ماذا وراء تعيين دوغاتكين سفيرا في دمشق؟

2026.08.05 | 11:55 دمشق

آخر تحديث: 2026.08.05 | 12:07 دمشق

ماذا وراء تعيين روسيا سفيرا في دمشق؟
ماذا وراء تعيين روسيا سفيراً في دمشق؟
 تلفزيون سوريا - دمشق
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تم تعيين ديمتري دوغاتكين سفيرًا جديدًا لروسيا في دمشق، خلفًا لألكسندر إيفينوف، مما يشير إلى مقاربة روسية جديدة تجاه سوريا، حيث يتمتع دوغاتكين بخبرة واسعة في الشرق الأوسط ويتقن اللغة العربية.

- إلغاء منصب الممثل الخاص وتعيين دوغاتكين يعكس رغبة موسكو في إعادة صياغة علاقاتها مع الحكومة السورية الجديدة، والتركيز على التعاون عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية.

- السياسة السورية تسعى لتنويع الشركاء الدوليين مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع روسيا، بينما تحاول موسكو الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي في سوريا من خلال وجود عسكري رمزي ومزايا اقتصادية وأمنية.

أعاد قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعيين ديمتري دوغاتكين سفيرًا فوق العادة ومفوضًا لروسيا لدى دمشق، وطيّ صفحة السفير السابق ألكسندر إيفينوف الذي شغل أيضًا منصب الممثل الخاص للرئيس الروسي لتطوير العلاقات مع سوريا، فتح باب النقاش حول طبيعة المقاربة الروسية الجديدة تجاه دمشق، وما إذا كانت موسكو بصدد إعادة صياغة سياستها بعد المتغيرات التي شهدتها سوريا.

وجاء القرار بالتزامن مع تقارير نقلتها وكالة "رويترز" عن مصادر قالت إن دمشق أبلغت واشنطن استعدادها لتقليص وارداتها من النفط الروسي، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرًا على محاولة الحكومة السورية الجديدة إعادة ترتيب علاقاتها الخارجية وتنويع شركائها الاقتصاديين.

هذه التطورات كانت محور نقاش في برنامج "سوريا اليوم" على شاشة تلفزيون سوريا، بمشاركة مدير العلاقات الدبلوماسية في "بوليتيكو تايمس" الدكتور باسل الحاج جاسم، والأكاديمي والخبير السياسي الدكتور محمود الحمزة.

من هو ديمتري دوغاتكين؟

ينحدر ديمتري دوغاتكين من جيل الدبلوماسيين الروس المتخصصين في الشأن العربي، إذ يمتلك خبرة طويلة في العمل الدبلوماسي في منطقة الشرق الأوسط.

وذكرت وكالة "تاس" الروسية أن دوغاتكين شغل منصب سفير روسيا لدى قطر منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2021 حتى تموز/يوليو 2026، كما سبق له أن تولى منصب سفير بلاده لدى سلطنة عُمان.

وبحسب بيانات وزارة الخارجية الروسية، وُلد دوغاتكين عام 1967، وتخرج في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية عام 1990، والتحق بالسلك الدبلوماسي الروسي في العام نفسه، كما يجيد اللغتين العربية والإنجليزية.

وخلال مسيرته المهنية، شغل دوغاتكين عددًا من المناصب داخل وزارة الخارجية الروسية والبعثات الدبلوماسية في الخارج، قبل تعيينه سفيرًا لروسيا لدى سلطنة عُمان عام 2017، ثم انتقاله إلى الدوحة سفيرًا عام 2021.

وفي نهاية مهمته الدبلوماسية في قطر، استقبله أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، حيث منحه وسام "الوجبة"، أحد الأوسمة القطرية، تقديرًا لدوره في تطوير العلاقات بين البلدين، وفقًا لما نقلته وكالة "تاس".

تغيير إداري أم رسالة سياسية؟

اعتبر الدكتور محمود الحمزة أن تعيين ديمتري دوغاتكين لا يخرج، من الناحية البروتوكولية، عن إطار التنقلات الدبلوماسية الطبيعية، موضحًا أن السفير الجديد أنهى مهمته في قطر، وكان من المقرر انتقاله إلى موقع جديد.

إلا أن الحمزة رأى أن اختيار دوغاتكين يحمل أيضًا أبعادًا سياسية، لكونه من الدبلوماسيين الروس المتخصصين بالشأن العربي، إذ سبق أن عمل في دمشق بين عامي 2009 و2013، كما شغل مناصب في سلطنة عُمان وقطر، ويتقن اللغة العربية، الأمر الذي يمنحه خبرة مباشرة بالبيئة السورية والإقليمية.

وأضاف أن موسكو تعاني خلال السنوات الأخيرة من تراجع عدد الدبلوماسيين الروس المستعربين، ما يجعل تعيين شخصية تمتلك هذه الخبرة خيارًا مناسبًا في مرحلة تحاول فيها روسيا إعادة بناء حضورها في سوريا.

كما رأى الحمزة أن تغيير السفير يعكس رغبة روسية في طي صفحة ارتبطت بالنظام المخلوع، مشيرًا إلى أن السفير السابق كانت تجمعه علاقات واسعة مع مؤسسات النظام السوري المخلوع ورموزه، في حين تحتاج موسكو اليوم إلى وجه دبلوماسي جديد قادر على بناء علاقات مختلفة مع السلطة الحالية.

ولفت كذلك إلى أن انتقال دوغاتكين من قطر قد لا يكون مصادفة، في ظل العلاقات الجيدة التي تربط الدوحة بدمشق، وما قد يوفره ذلك من خبرات أو قنوات تواصل يمكن أن تستفيد منها موسكو في المرحلة المقبلة.

إلغاء منصب الممثل الخاص.. انعكاس لتغير طبيعة العلاقة

وتناول النقاش قرار إعفاء ألكسندر إيفينوف من منصب الممثل الخاص للرئيس الروسي لتطوير العلاقات مع سوريا، من دون تعيين بديل له.

وفي هذا السياق، اعتبر الحمزة أن هذا المنصب كان مرتبطًا بمرحلة العلاقة مع نظام الأسد، إذ استحدثته موسكو لمتابعة تنفيذ الاتفاقيات الثنائية بعدما واجهت صعوبات متكررة في تطبيقها بسبب ما وصفه بـ"مماطلة النظام السابق".

ورجح أن تكون روسيا قد قررت إنهاء هذا المنصب نهائيًا، لأن الحكومة السورية الجديدة لا تحتاج إلى قناة موازية لوزارة الخارجية، وأن العلاقات ستدار مستقبلًا عبر الأطر الدبلوماسية التقليدية بين الحكومتين.

ويرى الحمزة أن هذا التطور يعكس تغيرًا في آليات إدارة العلاقة بين البلدين أكثر مما يعكس تراجعًا في مستوى الاهتمام الروسي بسوريا.

خطوة دبلوماسية بحسابات استراتيجية

من جهته، رأى الدكتور باسل الحاج جاسم أن روسيا تحاول الحفاظ على موقعها في سوريا الجديدة بعد أن استثمرت، على مدى سنوات، سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا في سوريا خلال عهد النظام السابق.

وأوضح أن تعيين السفير الجديد لا يقتصر على استبدال شخص بآخر، بل يعكس إعادة تنظيم كاملة لإدارة الملف السوري داخل موسكو.

وأشار إلى أن روسيا ما تزال تمتلك نفوذًا سياسيًا وعسكريًا داخل سوريا، في حين لم تبادر الدول الغربية حتى الآن إلى رفع مستوى تمثيلها الدبلوماسي إلى درجة سفير، وهو ما يجعل موسكو أول دولة كبرى تقدم على هذه الخطوة.

وفي المقابل، أشار مقدم البرنامج إلى أن تقارير إعلامية تحدثت عن ضغوط أميركية لتقليص استيراد سوريا للنفط الروسي، إلا أن الحاج جاسم شدد على أن هذه المعلومات لم يصاحبها أي إعلان رسمي من الإدارة الأميركية، معتبرًا أن المواقف الرسمية تختلف عن التسريبات الإعلامية.

وأضاف أن غياب التصريحات الغربية المنتقدة للزيارات السورية إلى موسكو أو لاستمرار الوجود الروسي في سوريا يعكس تغيرًا في طبيعة الخطاب الغربي مقارنة بما كان سائدًا خلال إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، عندما كان الوجود الروسي والإيراني يُطرح باعتباره ملفًا واحدًا.

سياسة سورية جديدة قائمة على التوازن

واتفق الضيفان على أن السياسة الخارجية السورية تتجه نحو تنويع الشركاء بدل استبدالهم، إلا أن كلاً منهما تناول هذا التحول من زاوية مختلفة.

وأوضح الحاج جاسم أن دمشق تواجه معادلة دقيقة تقوم على الاستفادة من روسيا دون الوقوع في دائرة التبعية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على انفتاحها على الغرب دون أن يؤدي ذلك إلى خسارة موسكو.

وأضاف أن الحكومة السورية تدرك أن إعادة إعمار البلاد تحتاج إلى تعاون مع مختلف القوى الدولية، وأنها لا تستطيع الاعتماد على شريك واحد في الملفات الاقتصادية أو السياسية.

وفي السياق نفسه، اعتبر الحمزة أن العلاقات السورية الأميركية تتجه لأن تكون أكثر أهمية على المستوى الاستراتيجي، إلا أن ذلك لا يعني التخلي عن روسيا، خاصة أن ملفات رئيسية، مثل مستقبل القواعد العسكرية والتعاون الاقتصادي، ما تزال قيد التفاوض ولم تصل إلى تسويات نهائية.

وأشار إلى أن بقاء علاقة مستقرة مع موسكو يخدم سوريا أيضًا، لأن روسيا ما تزال لاعبًا مؤثرًا في موازين القوى الإقليمية، ويمكن أن تشكل عنصر توازن في مواجهة الضغوط الدولية.

المصالح المتبادلة.. ماذا تريد موسكو وما الذي يمكن أن تقدمه؟

وفي معرض حديثه عن المصالح الروسية، أوضح الحمزة أن موسكو خسرت جزءًا كبيرًا من نفوذها الاقتصادي بعد سقوط النظام المخلوع، سواء في قطاع الطاقة أو في ميناء طرطوس أو في مشاريع الشركات الروسية التي كانت تنشط في سوريا.

وأضاف أن سوريا كانت تمثل بالنسبة لروسيا منصة استراتيجية للوصول إلى أفريقيا، سواء عبر مطار حميميم أو من خلال شبكاتها العسكرية والأمنية، وهو ما يجعل الحفاظ على موطئ قدم داخل سوريا هدفًا استراتيجيًا لموسكو حتى بعد تغير السلطة.

كما رأى أن روسيا تسعى في المرحلة الحالية إلى الحفاظ على وجودها العسكري بصورة رمزية، وربما تحويل بعض قواعدها إلى مراكز لوجستية أو إنسانية، بما يسمح لها بالحفاظ على حضورها الإقليمي.

وفي المقابل، اعتبر الحاج جاسم أن روسيا ما تزال قادرة على تقديم مزايا عملية لسوريا، وفي مقدمتها استمرار تزويدها بالوقود والحبوب، إضافة إلى دورها في مجلس الأمن واستخدام حق النقض (الفيتو) عند الحاجة، فضلًا عن إمكان مساهمتها في بعض الملفات الأمنية المرتبطة بإسرائيل واتفاقيات فض الاشتباك.

وأشار أيضًا إلى أن بعض التقديرات الإسرائيلية، وفق ما نوقش في الحلقة، تربط استمرار الوجود الروسي في سوريا باعتبارات تتعلق بأمن الحدود مع إسرائيل، وهو ما قد يفسر غياب الاعتراضات الغربية العلنية على استمرار التواصل السياسي بين دمشق وموسكو.

وخلص الضيفان، إلى أن العلاقات السورية الروسية دخلت مرحلة جديدة تختلف عن المرحلة التي حكمتها الشراكة مع نظام الأسد، لكنها لا تعني القطيعة بين الجانبين. وفي حين تسعى موسكو للحفاظ على نفوذها ومصالحها الاستراتيجية، تحاول دمشق بناء سياسة خارجية أكثر توازنًا، تقوم على تنويع الشركاء والاستفادة من مختلف القوى الدولية، من دون الانخراط في محاور متصارعة أو الارتهان لأي طرف.