روسيا تستعد لاجتماع القدس بالتركيز على الإرهاب وأمن إسرائيل

روسيا تستعد لاجتماع القدس بالتركيز على الإرهاب وأمن إسرائيل

الصورة
21 حزيران 2019

طه عبد الواحد

كاتب صحافي مختص بشؤون روسيا والجمهوريات ا

تستعد كل من روسيا والولايات المتحدة وإسرائيل، التي سيعقد رؤساء مجالسها للأمن القومي اجتماعا في القدس حول التسوية السورية والأمن الإقليمي، لحصد ثمار اللقاء، كل بما يلبي مصالحه "القومية"، وأهداف سياساته الإقليمية والدولية، بينما يغيب العرب تماما، ومصالحهم عن ذلك الاجتماع، وبصورة خاصة الملايين من السوريين الذين خرجوا في مظاهرات مطالبين بالحرية والعدالة ودولة تكون السيادة فيها للقانون.

هؤلاء يبدو أنهم خارج حسابات لقاء القدس الذي سيجمع بعد أيام كل من مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون وسكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف، ورئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، مائير بن شبات. ومع هيمنة الهاجس الأمني الإسرائيلي على اللقاء، وتحديدا فيما يخص "التصدي للتهديد الإيراني"، وتنافس موسكو وواشنطن على التزامهما بـ "الأولوية لأمن إسرائيل"، تأمل موسكو بولادة "منصة جديدة" للتسوية السورية، وتسعى لعرض رؤيتها للتسوية خلال الاجتماع.

وتنظر روسيا إلى اللقاء الأمني باعتباره فرصة طال انتظارها لتحقيق اختراق في العلاقات مع الولايات المتحدة، وتسعى عبر بوابة "التوافق على خطوط عامة للتسوية السورية"، إلى إطلاق شراكة روسية- أميركية في الشأن الإقليمي بداية، كمقدمة لشراكة في الشأن الدولي بشكل عام، تُنهي حقبة "أحادية القطب"، وتضمن لروسيا الحصول على اعتراف عملي بمكانتها قوة دولية كبرى تلعب إلى جانب الولايات المتحدة دورا رئيسيا في السياسة الدولية.

الرغبة في تحول كهذا في العلاقات الأميركية-الروسية برزت في تصريحات أكثر من مسؤول روسي طوال السنوات الماضية، بما في ذلك تصريحات ألكسندر فينيديكتوف، نائب سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي حول لقاء القدس، والتي استهلها بالإشارة إلى "فشل إطلاق حوار بين روسيا والولايات المتحدة حول سوريا خلال فترة طويلة"، وأثنى بعد ذلك على ما وصفه "إظهار الأميركيين إرادة سياسية"، دون أن يوضح ما الذي يقصده بذلك، وأضاف: "الآن نحن نستعد للقاء الأمني الذي سيعقد في القدس"، وعرض بعد ذلك ما تأمل روسيا تحقيقه خلال الاجتماع مع تركيز على عبارات مثل "العمل المشترك" و "الخطوات المشتركة"، وقال: "نأمل أن تكون ثمار العمل المشترك خطواتنا العملية المشتركة، الرامية إلى استقرار الوضع في سوريا والشرق الأوسط بشكل عام".

لكن يبدو أن تحقيق هدف إطلاق عمل مشترك بين روسيا الولايات المتحدة يصطدم في مرحلة مبكرة بعقبة العلاقات الروسية – الإيرانية، والشروط الروسية لـ "العمل المشترك"، التي حددها فينيديكتوف في تصريحاته. وتحت غطاء "ضرورة مراعاة مصالح جميع الجهات المؤثرة خلال هذه العملية"، شدد على وجوب مراعاة مصالح إيران، التي حددها بالاسم دون غيرها من قوى إقليمية معنية هي أيضاً بما يجري، طالما أن الحديث سيدور كذلك خلال الاجتماع حول الأمن في الشرق الأوسط بأسره.

أما التسوية السياسية للأزمة السورية، فقد استبقت موسكو اللقاء الثلاثي بعرض ملامح رؤية تقوم على تشكيل "منصة جديدة"، وتتجاهل مرجعية "جنيف" والقرار 2254، وتنطلق من مرجعية "أستانة بالدرجة الأولى"، وتلبي مصالحها وتضمن في الوقت ذاته إعادة تأهيل النظام السوري وتوفير الدعم الاقتصادي له في إعادة الإعمار. هذه الرؤية برزت في تصريحات أرتيوم كوجين، مدير دائرة الإعلام والصحافة في وزارة الخارجية الروسية، الذي قال إن "اللقاء يهدف بما في ذلك إلى إيجاد خطوات عملية مشتركة لمصلحة تسوية الوضع في سوريا وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل عام"، وأشار إلى أن روسيا ترى في اللقاء المرتقب فرصة لتشكيل إطار جديد حول التسوية السورية بمشاركة روسيا والولايات المتحدة، وقال: "نرى إمكانية إشراك صيغ عمل جديدة" حول التسوية السورية، وشدد على الفور أن لا تكون تلك الصيغ "بديلا عن الموجودة، وبالدرجة الأولى صيغة أستانا"، بينما تجاهل تماما الإشارة أو التلميح حتى للجهود الدولية و "مسار جنيف" الرئيسي للتسوية السورية.

ولا تريد روسيا من "المنصة الجديدة" لعب دور في تنفيذ القرارات الدولية الخاصة بالتسوية السورية، أو على الأقل لم يعلن المسؤول من وزارة الخارجية الروسية عن هدف كهذا تسعى روسيا إلى بحثه خلال اللقاء المرتقب، وإنما شدد على ضرورة أن "تساهم المنصة الجديدة في المضي على درب السلام والاستقرار في سوريا مع ضمان سيادتها ووحدة أراضيها". وأضاف إن روسيا تأمل كذلك أن تساهم المنصة الجديدة في "القضاء التام على الإرهاب في سوريا"، وفي "عملية عودة اللاجئين"، وأن تبدأ قريباً عملية "إعادة بناء اجتماعية – اقتصادية لسوريا".

وتحاول روسيا بهذا الشكل عرض رؤية تقترب فيها من مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن ضرورة القضاء على الإرهاب ووقف موجات اللجوء من سوريا. لكن مع ذلك تبقى قائمة تناقضات جدية بين الجانبين بشأن مستقبل سوريا السياسي، هذا إن كانت إدارة ترمب صادقة في موقفها الذي أعلنت عنه على لسان جيمس جيفري، المبعوث الرئاسي الأميركي، حين قال إنه "ليست لدى واشنطن سياسة لتغيير النظام بالنسبة للأسد"، لكنه أكد التمسك بالقرارات الدولية و"تغييرات في الدستور وانتخابات برعاية الأمم المتحدة وتغييرات في الحكم"، ووصف نظام الحكم الحالي بأن "غير مقبول ومجرم ووحشي".

وإذا كانت مسألة تحقيق روسيا أهدافها من هذا اللقاء وفرض رؤيتها لتسوية الأزمة السورية رهنا بإمكانية التوافق بين الأطراف الثلاثة، فإن إسرائيل ولمجرد عقد اللقاء بحد ذاته، تبقى الرابح الأكبر، ذلك أنه مكرس لبحث ضمان أمنها على مستوى أكبر قوتين دولياً، فضلا عن أنها ترى في استضافتها لقاء بهذا المستوى دليل على مكانتها الدولية. إذ وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اللقاء بأنه "تاريخي غير مسبوق"، و "قمة مهمة جدا من شأنها ضمان الاستقرار في الشرق الأوسط في فترة هائجة وحساسة"، دون أن ينسى الإشارة إلى أن اللقاء الثلاثي "يجمع بين الدولتين العظميين في دولة إسرائيل"، لذلك رأى أنه "يمثل ألف دليل على مكانة إسرائيل الحالية على الساحة الدولية". أما الولايات المتحدة، ومهما بدا غريباً، فإنه من غير الواضح بعد ما هي الأهداف الحقيقية التي تسعى إليها عبر هذا اللقاء، وباستثناء التأكيد على دورها في الشرق الأوسط، والتزامها بأمن إسرائيل عبر بحث التهديد الإيراني مع روسيا ودفعها للتخلي عن إيران، يبدو أن واشنطن غير مستعدة بعد لإطلاق التعاون مع روسيا، على الأقل بالشكل الذي يريده الروس، لأسباب عدة بينها تشريعات أميركية تحظر العمل العسكري المشترك بين الجانبين، فضلا عن معارضة من الكونغرس قد يواجهها ترمب بحال أقدم على خطوة كهذه.

شارك برأيك