رواية "المَطَخْ" .. ذاكرة مثقلة بالظلم

تاريخ النشر: 26.05.2018 | 00:05 دمشق

"ها هو التاريخ أمامك، تفقده وقلب صفحاته وتمعن فيه، تجد أن الذكور يتصارعون منذ الأذل على السلطة والمال والجاه والنساء، وينتصر في هذا الصراع دائماً: الشر على الخير والظلم على العدل والباطل على الحق والقبح على الجمال.. ". كان هذا مقتطفاً من رواية (المَطَخْ) للمسرحيّ والروائي غسان جباعي، والتي صدرت مؤخراً عن دار ميسلون.

تتكلم الرواية عن صديقين وُلدا جنوب سوريا، أحدهم أمير الشامخ سليل عائلة إقطاعية، والآخر يحيى الثور من الفلاحين، كلاهما درس في الاتحاد السوفييتي، الأول الإخراج السينمائي، والثاني فنون تشكيلية ونحت، الاثنان كانا شيوعيين، إلا أن أمير تحول بقدرة قادر إلى قومي بعثي، فيما بقي يحيى على مبادئه، فتعرض للاعتقال. أثناء اعتقاله كتب مسودة الرواية الأولى في السجن، وبعد خروجه من السجن عمل عليها خمس سنين، يمحي ويكتب يبيض ويسود.

 

الطغاة وهتك الأعراض

الرواية التي انطلقت من هذه المقولة لغابرييل غارسيا ماركيز "الحياة ليست ما يعيشه الإنسان، بل ما يتذكره منها، وكيف يحكيها"،   ستأخذك بعيداً في حنايا ذاكرة مثقلة بالظلم، بدءا من بطل العمل نفسه يحيى الذي وُلد دون أن يعرف أباه، وأمه منيرة التي هربت مع من تحب، فأصبح كل أهل تل الرماد يصفونها بما يشاؤون من النعوت المقبِّحة. جد يحيى لأمه (فضل الله الثور) كان كذلك ضحية ظلم، إذا اعتدى الباشا (شامخ الشامخ) على أمه وتحرش بها، فغضب أبوه – والد فضل الله - وضرب الباشا، مما جعل أزلام الباشا يضربونه ويربطونه في البراري، ولكنه بعد ثلاثة أيام اختفى، فاختفت كذلك حزناً عليه زوجته إثر تعرضها للاغتصاب على يد الباشا وأزلامه، فتربى فضل الله على يد خادمة بدوية كانت تعمل في بيت آل الشامخ تدعى ألماسة كان عم المخرج قد اغتصبها فحملت ثم أجهضت، فزوجوها لبدوي يعمل عندهم، بعد أن أصبحت غير قادرة على الحمل.. تلك العائلة الإقطاعية التي كانت تحكم تل الرماد، وتعيث فيها ظلماً وعسفاً، فهم من اغتصبوا كذلك فتاة اسمها (غزالة) وحبّلوها، ليجبروا بعد ذلك أخاها صقر على قتلها غسلاً للعار، بدعوى أنها حملت من ضابط فرنسي.

 

المثالية لا تطعم خبزاً
وظلم آخر هو أن الكاتب عندما كتب رواية راح يبدل فيها الأسماء ويموه الأحداث كي تنجو من مقص الرقيب، "حتى تحولت إلى مستنقع حقيقي يشبه المطخ" ولكنها ظلت ممنوعة من النشر، إلى أن قرر صديق طفولته أمير أن يحولها إلى مسلسل تلفزيوني، فوافق الكاتب الذي اسمه خارج السرد القصصي أكرم، بغية الحصول على قليل من المال يستطيع من خلاله شراء نصف شقة على العظم. فمثالية الكاتب الذي عندما كان فناناً تشكيلياً ونحاتاً، هي التي حولته إلى "شحاذ فراشٍ وأقلام وألوان وزيوت".


حذف الأشياء المهمة 
هكذا يوافق أكرم على التنازل عن حقوقه وتحويل روايته إلى مسلسل، رغبة بالمال وكي يشاهده الملايين، ولكن صديق طفولته المخرج يحذف كل الأشياء المهمة من الرواية التي هي سيرته الذاتية، حتى بطل الرواية يحيى الذي تتكلم الرواية عن حياته وتبدأ به عندما هرب من القرية متوجهاً إلى المدينة يحذفه المخرج كلياً، ويضيف عليها أشياء لم تكن بها سابقاً، ويحول الاسم من " المطخ" إلى " أزهار وجذور" محاولاً تجييرها لتلميع صورة عائلته، المعروفة بالظلم والفساد، " لماذا أغفل المخرج تلك العاطفة الصغيرة للصبي، والخلفية التاريخية لتلك القرية البائسة التي يعرفها مثلي؟!". فعائلة الشامخ التي كانت مطية لكل الاحتلالات، كان كذلك ابنهم المخرج، وإن أظهر في المسلسل بعض الظلم الذي اقترفته عائلته، فحتى وهو يقول الحق يريد به باطلاً، لأنه كان إسلامياً مع الإسلاميين، وقومياً مع القوميين، وشيوعياً مع الشيوعيين.
ثورة أم ثأر وتخريب!

عندما ثار أهالي تل الرماد ، صورها المخرج على أنها ثأر بدوي وتخريب همجي ضد القرية وضد آل الشامخ، رغم أن الأخيرين لم يكونوا يتوقعون أن يقوم الفلاحون الذين اعتادوا الخنوع والهوان بثورة، ولكنهم ثاروا أخيراً بعدما منع المير متعب عنهم الماء، وكادوا يقتلعونه وكل أزلامه، فحاصر تل الرماد وقصفها بالمدفع التركي فدمر بيوتها وقتل أهلها، وبالتالي هُزم الفلاحون المظلومون وانتصر الظالم من جديد، وكأنها إشارة إلى ما جرى ويجري في سوريا، بعد الثورة التي كانت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق أهدافها، إلا أن التدخل الروسي أصابها بمقتل. 

 

المطخ: بركة ماء
"المطخ" الذي هو اسم بركة ماء في تل الرماد تتحول في الصيف إلى مستنقع، عندما كتبها أكرم لم تكن الثورة السورية قد بدأت، ولكن تحويلها لمسلسل جاء بُعَيد الثورة، كي يثبت المخرج أمير أن البلد لا شيء فيها، ولا قتل ولا اعتقالات، والشمس فيها ساطعة والعصافير تزقزق، ولكن الكاتب بعد أن رأى الموت والدمار لم يعد بحاجة للمال، فهو لا يريد إلا أن يموت مطمئناً، وأن يكون منسجماً مع نفسه.

 

مسؤولية المثقف
يناقش الكاتب في روايته مسألة مهمة جداً، ألا وهي المسؤولية الاجتماعية التي ينبغي على المثقفين أن يتحملوها إزاء المجتمع والنهوض به ثقافياً، إلا أن صديقه المخرج المشهور المتلوّن، " كانت تفوح من مشروعه رائحة الهروب إلى الماضي، والتهرب من الأسئلة والتخلي عن الحاضر، وعدم التصدي له وفضح علاقة الإنسان المعاصر بالظلم والذل والاستبداد والتخلف والهمجية والإرهاب.. كان هذا التخلي سمة من سمات الدراما التلفزيونية وغيرها من أشكال الإبداع المختلفة في بلدنا".

المؤلف غسان الجباعي المعتقل السياسي السابق كتب عددًا من المسلسلات التلفزيونية، وصدرت له أعمال قصصية ومسرحية وروائية وفكرية، من هنا فهو يحاول دائما أن يبحث عن أسباب التخلف الحضاري، وعدم القدرة على النهوض عند العرب، "منذ عصر الظلمات ونحن نعود للماضي المقدس ونغرق فيه، نجتره ولا نستفيد منه، يسبقنا ولا نستطيع أن نلحق به أو نجاريه. أغلب شعوب الأرض حولت تاريخها إلى أساس متين ونهضت فوقه، إلا الشعب العربي حول تاريخه إلى مجرد قبر ونام فيه".

كلمات مفتاحية