رواية (الشاعر وجامع الهوامش) بين سطوة العبث واختبار الذات

رواية (الشاعر وجامع الهوامش) بين سطوة العبث واختبار الذات

الصورة
13 أيلول 2018

(أنتَ لسْتَ أنتَ؛ فقد يحدثُ أن تكونَ نسخةً مُبرمجةً منك تتحرّكُ في حياتكَ؛ تنجحُ وتفشلُ كما يريدون لكَ أن تكون).

بهذه العِبارة تختصرُ انطلاقة أحداث رواية "الشاعر وجامع الهوامش" للروائي السوري "فواز حداد" الصادرة عن دار رياض الريس عام 2017 في بيروت.. لترسمَ أمام القارئ مضمارًا تتسابق فيه حكاياتُ الواقعِ والخيال المُستشفُّ من الواقع.

تبدأ أحداثُ الرّواية مع مأمون الشّاعرِ قَديمًا والكاتبِ حاليًّا؛ الناجح والمشهور الذّي اختِيرَ لرئاسةِ وفدٍ شعريٍّ للقيامِ بجولةٍ شعريّةٍ على بعضِ القُرى والمدن في قمّة تأزمِ الأحداثِ في سوريا، تحت شعارٍ مُفبركٍ ينادي بضرورةِ الشعر كما ضرورة الهواء والماء.
وعلى الرغم من كلِّ محاولاتِ المُخبرين والحُسّاد بتنحيته، وكذلك على الرغم من اعتذار مأمون عن هذه المُهمة إلا أنّه يبقى هنالك إصرارٌ مجهولُ المصدر وأوامرٌ نافذة؛ تَصرُّ على قيادةِ مأمون للرحلة الشّعرية ابتداءً من ناحية "مغربال" في طرطوس التي تدور فيها لاحقًا أحداثُ الرواية .

هذه المنطقةُ المُهمّشةُ على الخريطة والتي تعتمدُ على التهريبِ كعملٍ أساسيٍّ ــ أهلوها علويو المذهب

يجبرُ الاستاذُ مأمون على تنفيذ مهمةٍ مخابراتيّة من قبل هذه الإدارة التي أشارَ الكاتب من خلالها إلى تحكّمِ النظامِ الفعليّ بأدقِّ التفاصيلِ في البلد؛ واطّلاعِ أجهزتِه المتشعبةِ على أيِّ تفصيلٍ كان، كلُّ شيء في حياة الناس اتجاهاتهم أو حتى نجاحاتهم.

ومحبونَ للأدب والمظاهر الثقافية ــ يتّضحُ فيما بعد أنَّ مأمونَ مُختارٌ من قبلِ إدارةٍ خاصّةٍ تابعةٍ للقصر الجمهوريِّ مَعنيةٍ بمتابعةِ القَضايا الاجتماعيّة وهي سريّة للغاية؛ تختارُه بسببِ موقفه الحياديّ عَلنيًّا من الثّورة المناسب لهذه المهمة. كونهم يبحثون عن إنسانٍ حياديٍّ ليقيّمَ الحَركة المريبةَ التي تحصل هناك.

يجبرُ الاستاذُ مأمون على تنفيذ مهمةٍ مخابراتيّة من قبل هذه الإدارة التي أشارَ الكاتب من خلالها إلى تحكّمِ النظامِ الفعليّ بأدقِّ التفاصيلِ في البلد؛ واطّلاعِ أجهزتِه المتشعبةِ على أيِّ تفصيلٍ كان، كلُّ شيء في حياة الناس اتجاهاتهم أو حتى نجاحاتهم.

وهنا كانتِ الصدمةُ الكبيرةُ للشاعر مأمون عندما عَلِم أنَّ كلَّ النجاحات والتسهيلات والسفريات التي كان يحصدُها ماهي إلا أمرٌ مدبّرٌ مسموحٌ به من الإدارة إيّاها وليست بفضلِ جهدِه الخاص.

في الثلث الأول من الرواية ومع انطلاقة الأحداث فيها نلاحظُ أنّ الكاتبَ استطاع ولوجَ قضيتين مثيرتين وتعريتهما تمامًا:

أولا: عالمُ الشّعرِ والشّعراءِ واتّحادِ الكُتّاب العربِ المُسيّس والمُسيّر؛ ونمط الشّعراء والكتّابِ الممثلينَ له وطبيعة هذا الوسطِ المزريّ؛ وحقيقة السذاجة الوهميّةِ لهذا العالم المزيفِ في واقع الثقافةِ والمثقفين السوريين، حيث النفاقُ والفسادُ والدّجلُ والارتزاق.

 ثانيا: فضحُ آلياتِ النظام في التحكّم بالوجهِ الثقافيِّ للبلدِ بالنوعِ والكمّ والتوجّه والكلمة، وأشار الى أنَّ هناك دائمًا مخابرات على المخابراتِ؛ وكلُّه يراقبُ كلَّه.. وبهذا المبدأ المخابراتيِّ يتحكّمُ النظامُ السّياسيُّ بكلِّ الجوانبِ سَواءٌ الاجْتماعيّةُ أو الثقافيةُّ أو غيرها، ونجدُ أنَّ هذهِ فكرةٌ بدأها الكاتبٌ منذ روايتِهِ (السوريون الأعداء) وأكْملها وأكدّها هنا أيضًا في هذهِ الرواية.

# عند انطلاقِ الرحلة الشّعريّة المُسيّسَة إلى ناحيةِ "مِغْربال" ومنها إلى عدّة قرى؛ وكان الهدف الظاهريُّ منها إحياءُ دورِ الكلمةِ والشّعر والثقافة كسلاحٍ ضدِّ الأزمة المتفاقمة، أمّا الهدف الحقيقيّ فكان مهمةً رسميّةً لمأمون فقط؛ وعليه فيها أن يعرف تفاصيل "حركة دينية جديدة" ظهرتْ في "مغربال" على يد ضباط متقاعدين؛ والهدف الأساسيّ من رحلته هو المعرفة عن قربٍ أَسْرارَها عن طَريقِ الاحتكاك بهم وتوضيحَ ماهيةِ هذه الحركة وأبعادَهَا وأخطارَها على النظام.

يصلونَ بعد جولاتِ رعبٍ وخوف إلى مغربال وبعدَ تعرضهم لمخاطر عديدة؛ ونتيجة الخوف

 والخطر تلغى رحلة الشعر؛ ويعود الشّعراء إلى العاصمة؛ ويبقى لسببٍ ما الشاعر القديم مأمون ليقوم بمهمته.

باقي أحداث الرواية تكون في مغربال وتتضمن عدة أمور سنكشفها ونقدمها مع إيحاءاتها:
 1
ــــ وصفُ هذه المنطقة ديموغرافيًّا وجغرافيًّا وعقائديًّا لتكوين فكرةٍ واضحة عن شريحة من الشعب السوري المؤيد للنظام بحكم الطائفة؛ فنلاحظ فيها أنّ الكاتب مرارًا أشار إلى أن الناس في الباطن تعرفُ حقيقة النظام وتعي تمامًا ذلك؛ ولكن بحكم الدّفاع عن البقاء والوجود؛ فهم متمسكون بالقيادة واستمراريتها.

2ــ الفكرة الأهمُّ التي ترتكز عليها الرواية هي "الحركة الدينية المبتكرة" والتي على الرغم من الشرح المطول لها على مدار الثلث الثاني من الرواية؛ إلى أنها بقيت مبهمة نوعًا ما.

حيث نشبَ صراعٌ حادٌّ على براءة اختراع الدين الجديد غير الواضح؛ بين فئة الضباط وفئة الشباب؛ وبمتابعة من القيادة المهتمة نجد أنها لا تريد نسف الفكرة بل توظيفها لخدمة النظام؛ وذلك عن طريق التقرير الذي سيقدمه الشاعر مأمون.

3 ـــــ نلاحظ أن الحدث لا يتصاعد ولا يخبو بالنسبة لمسألة الدين الجديد المتنازع عليه بل يأتي الكاتب بتوضيحات على امتداد صفحات من الرواية.

4ـــــــ تطرق الكاتب كخطٍّ موازي لمظاهر التشبيح والعنف الكبير ولأسلوب النظام؛ وصوّره بأبشع حالاته من خلال رئيس الشبيحة (زيدون) و (الضابط رفعت) رئيس فرع المخابرات عن المنطقة ومليشيات شبيحة هنا وهناك؛ والممارسات السيئة مع المعتقلين واستباحة الدم.

5ـــــ نعود للحدث الرئيس وفكرة الروائي فواز حداد المميزة التي رفعت من الرواية كثيرا، وهي هذا الطرح المتعلق بالدين الجديد؛ والتي كانت ذروته في الثلث الأخير من الرواية.
أخيرًا ــ يتمُّ الاتفاق على عقد مؤتمرٍ عامّ من الفريقين يحدّدان فيه الفكرة؛ ويُدوّن المؤتمرون معالمَ فكرتهم بورقة عمل واحدة.

فيستأجر اللواء المتقاعد " الاستاذ إسماعيل/ جامع الهوامش" لإنقاذ فريق الضباط من مأزق

عدم الثقافة؛ بالمقارنة مع فريق الشباب المتفوق ثقافيّا، والذي أمال الكفة والرأي العام لصالحهم وكادوا يسيطرون على المؤتمر ممثلين بالشاب كريم.

المثقف المُستأجر إسماعيل هو المفكر النهم الذي عاد إلى التاريخ بكل معتقداته وأديانه؛

يغضب مأمون من الضابط المسؤول عن مغربال "رفعت" وعلى الرغم من كلِّ الحصانة المُتمتّع مأمون بها من العاصمة كاد أن يمحى من الوجود على يد رفعت.

وسجّل ودوّن وشرح وفصّل وبنّد وفاجأ المؤتمرين بصيغة الدين المخترع التي وضّحها بآلاف المراجع والشروحات والتفنيدات التي أطلق عليها الكاتب اسم (الهوامش) جعل الكاتب هذه الفكرة" الهوامش" رئيسيّة في صيغة الدّين الجديد.

في أواخر الرواية؛ يغضب مأمون من الضابط المسؤول عن مغربال "رفعت" وعلى الرغم من كلِّ الحصانة المُتمتّع مأمون بها من العاصمة كاد أن يمحى من الوجود على يد رفعت.

في اللحظة الأخيرة يصل خالد ممثلُ الإدارة السرية شخصيًّا إلى مبنى الفرع قادمًا بالطائرة؛ ويكون المنقذ.

يتفاجأ مأمون بأن القيادة اشترت أيضًا "جامع الهوامش/ اسماعيل" الذي أصبح رئيس المؤتمر؛ وتمّ إبعاد الشاب كريم. القيادة ممثلةٌ بخالد تجمع مأمون وإسماعيل؛ وتقول لجامع الهوامش إنها تريد توظيف هذ الدين الجديد ونشره؛ ليكون مواجهًا لدين داعش ويؤكد خالد: كان الدين الجديد ينقصه: "الله"

ويأمر اسماعيل (جامع الهوامش) باختراع صيغة واضحة لله؛ بمهلة محددة
وتبدأ رحلة البحث عن " الله" في الدين الذي سيواجه به النظام دين داعش الذي يحاربون فيه باسم الله خاصتهم.

يعقد جامع الهوامش حلقات بحث من المؤتمرين لإيجاد صيغة لله تناسب الدين؛ فيعودون فيها إلى الديانات الوثنية والإغريقية؛ فيأتون بصيغ عديدة لله وكلها فاشلة التطبيق حتى يملوا.

لكن تنتهي الرواية بتصفية جامع الهوامش مخنوقا بالكتب والهوامش على مرأى عين مأمون الذي حاول إيصال رسالة التهديد له من الإدارة والتي قوبلت باللامبالاة من جامع الهوامش الغائب بين الوعي واللاوعي والتائه في الهوامش.

شارك برأيك