رواية "الحرب العالمية الدامية".. ارتدادات الحدث التاريخي على الأجيال

تاريخ النشر: 26.11.2021 | 15:56 دمشق

حسين الضاهر

شغل أدب الحروب مكانة له مع اختراع الكتابة، فمنذ إلياذة هوميروس حتى السلم والحرب لتولستوي إلى يومنا هذا. حيث وجد فيه الكتّاب مساحة توثيقية أدبية، فنية، تثير عاطفة المتلقي. وتلخص الواقع في قوالب أدبية تبقى شاهدًا على أحداث أثرت في مجرى التاريخ.

وفي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، نلاحظ انشغال الكتّاب بمواكبة هذه الحقبة، وما رافقها من كوارث، من كتّاب عايشوا الأحداث أو كانوا على الجبهات مثل "أرنست همنغواي"، لكن أن يكتب المرحلة روائي لم يعايشها، لا بل يبتعد مسافة زمنية كبيرة عنها، ويخوض في تفاصيلها بطريقة أدبية بعيدة عن صلابة التأريخ، ويقنعك بجدية طرحه فهو أمر يجذب الانتباه.

يظنّ القارئ عندما تقع يداه على رواية "الحرب العالمية الدامية" للروائية المصرية "رانيا مهدي"، أن العمل منقول عن ترجمة أو يلامس تلك الحقبة بطريقة سطحية. أما ما يدهش حقاً فهو دقة الحامل المعرفي وقوة المعلومات المطروحة. حيث تمكنت الكاتبة من صهر هذا المخزون بسرد دينامي محكم لا يشعرك بسطوة المعلومة أو الوثيقة التاريخية التي تقدمها، وكأن الكاتبة توثق تجارب خاضت غمارها وتفاعلت معها فتلبسها بطريقة مشوقة.

"هل عاصرت حربًا يومًا ما؟

إن كانت إجابتك نعم، فهذا يعني أنك ستعيش الأجواء مرة أخرى من خلال السطور المقبلة. وإن كانت إجابتك لا فسأخبرك أن تتريث قبل أن ترد بالنفي، فالحرب لا تعني بالضرورة مفهومها المتعارف عليه، فأي صراع نفسي وقعت به يعد حربًا وإن كانت باردة".

لم تكتف الكاتبة بسرد الأحداث بلسان الراوي العليم، بل استخدمت خاصية "الفلاش باك" أيضًا أو استرجاع أحداث ماضية،

بهذا الخطاب الموجه إلى قارئها، تبدأ "رانيا مهدي" روايتها المؤلفة من جزأين منفصلين حدثًا متآلفين شخوصًا. ثم ما يلبث القارئ أن يلج الصفحات الأولى حتى يجد نفسه في ساحة سلم لا تختلف شيئًا عن أي واقع عايشناه. وبعد خطوات قليلة تبدأ الحكاية بالتشكل على هيئة قصة حب تنشأ ضمن ظروف متوترة سببها الشرخ الذي خلفته الحرب العالمية الثانية بين شعوب دول الحلفاء من جهة ودول المحور من جهة ثانية. وإن في اشتغال الكاتبة على إظهار هذا الشرخ بوضوح ثم رأبه من خلال علاقة زواج نشأت بين شخصين من بيئتين مختلفتين متضادتين، يعتبر معالجة لهذا الصدع، حتى وإن كان ضمن حبكة روائية.   

معسكر  (أوشفيتز)

هكذا عنونت الكاتبة جزء روايتها الأول لتنقلنا إلى أحداثٍ حصلت هناك، في ذاك المعسكر الموسوم بأفظع الجرائم، ليس بطريقة مباشرة، إنما بواسطة خط سردي تجري أحداثه في العام 1990 وتتحرك بقالب زمني تصاعدي. فهنا تخرج "رانيا" عن المألوف، أي عندما تطرح سرديتها بشكل يصور انعكاس أو ارتدادات الحرب على الأجيال اللاحقة. ومن هنا أيضًا ينطلق بطل الرواية "أدلار" في رحلة البحث عن جذوره..

لم تكتف الكاتبة بسرد الأحداث بلسان الراوي العليم، بل استخدمت خاصية "الفلاش باك" أيضًا أو استرجاع أحداث ماضية، كما أضفت على عملها حوارات بصبغة لغوية مرنة كي تسمح للقارئ بالانخراط في أجواء الرواية والسير معها دون الشعور بالتململ.

"لقد أخذوا كارلا تلك الفتاة اليتيمة التي تقربت إلينا أنا وجوليا بحكم وجودنا في نفس الظروف، لم نعلم وقتها إلى أين؟ أو ماذا سيكون مصيرها؟ حتى عادت كارلا بعد عدة أيام وقد تم وضع ضمادات على أجزاء متفرقة من جسدها بطريقة تدمي القلب، علامات استفهام كثيرة اندفعت نحو عقلي، فكنت أتسلل إلى الأكواخ المجاورة في محاولة مني لفهم ما يدور حولنا. وفي يوم كنت أحوم حول الكوخ المجاور، وجدت كارلا تخرج جثة هامدة".

ولا يخفى البعد النفسي الذي خلفته الحرب على شخوص وأحداث "رانيا" فيظهر جليًا كما في حالة انعدام الثقة بالآخر لدى شخص البطل "أدلار"، وأيضًا في أحداث أخرى، وهذا ما أدخل الكاتبة في مأزق القفزات الزمنية غير الواضحة، ومن جانب آخر قد نرى في تلك القفزات صدىً لصمت الشخوص.

وكما في معظم الأعمال الأدبية المكونة من جزأين أو أكثر، أقفلت رانيا الجزء الأول من روايتها بنهاية مشرعة على أحداث مستقبلية، لتمنح القارئ فسحة التأويل وتتبع الأحداث.

 الوحدة 731

من هذا العنوان تنطلق الكاتبة في رحلة الجزء الثاني من روايتها، فتنقل شخوصها محملين بمعارف وأفكار جديدة، إلى وجهة مكانية كانت شاهدة على فداحة الحرب أيضًا، لتدور أحداث مؤتلفة اختلافًا مع الجزء الأول. وهنا يظهر بوضوح تصاعد تجربة الكاتبة، من متانة الحبكة ومرونة السرد بالإضافة إلى رشاقة التحرك بين فصول الرواية. وكما عملت في سرديتها الأولى على دفاعها المستميت عن الحياة -وهذه سمة أدب الحروب- نقلت خطوط دفاعها أيضًا إلى السردية الثانية مع وضوح أكبر وأكثر قربًا إلى المتلقي.

"ودّ أدلار لو استطاع أن يربت على كتف هوشيكو التي تغير حالها إلى الحزن الشديد، بعد أن استعادت ذكريات مؤلمة، بمجرد رؤية تلك الصورة التي وضعتها أمام أدلار. كانت الصورة قديمة، تظهر مجموعة من الناس في حالة مزرية.

أمعن أدلار النظر إلى الصورة ثم رفع رأسه باندهاش نحو هوشيكو التي تحدثت بصوت يخفي خلفه الكثير:

- القنبلة الذرية سيد أدلار".

أخيرًا، نستطيع القول: إن رواية "الحرب العالمية الدامية" لم تكن عملًا فنيًا أدبيًا فقط، بل هي وجهة نظر جمعية واصطفاف إلى جانب المظلوم أينما وجد، فلم يثن الاختلاف الثقافي، الاجتماعي، اللغوي، الكاتبة عن الوصول إلى ذاك المظلوم والدفاع عنه.

"في تلك اللحظة التي تقرأ فيها الكلمات، لا تزال أصوات الضحايا تصدح وما من مجيب".


* جاءت رواية "الحرب العالمية الدامية" في جزأين من القطع المتوسط، صادرة عن دار "موزاييك" للدراسات والنشر.
الجزء الأول: 80 صفحة
الجزء الثاني: 127 صفحة