رواية أولاد الغيتو .. كي لا ننسى

رواية أولاد الغيتو .. كي لا ننسى

الصورة
06 تموز 2018

"أنا ككل الفلسطينيين الذين فقدوا كل شيء حين فقدوا وطنهم، لا أرمي أي شيء له علاقة بالذاكرة الهاربة، فنحن عبيد ذاكرتنا. الذاكرة جرحٌ في الروح لا يندمل، عليك التأقلم مع صديده الذي ينزّ من شقوقه المفتوحة". هذا مقتطف من رواية أولاد الغيتو لـ إلياس خوري صدرت عن دار الآداب عام 2016، ورُشحت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر عام 2017.

امتداد لباب الشمس

هي بشكل أو بآخر امتداد لرواية باب الشمس، فتوثق سقوط مدينة اللد الفلسطينية بيد العصابات الصهيونية، لتنكأ جروح الذاكرة كي تقتل الصمت الذي ارتضيناه، في ظل الهزائم المتكررة، والعجز والقهر الذي ولَّد من النكبة الفلسطينية نكبات متكررة.

عبر حبكة درامية حاول الكاتب أن يخرج نفسه من الرواية، ويقدمها كسيرة ذاتية أو دفاتر كتبها شخص فلسطيني يدعى آدم دنون، الذي ولد في مدينة اللد الفلسطينية، كأول مولود يولد في "الغيتو" بعد احتلال الصهاينة لفلسطين، ولذلك سموه آدم، لما لهذا الاسم من رمز وجودي، أوليس أبو البشر بهذا الاسم؟

وضاح اليمن والصمت

الرواية التي تحاول أن تدق على جدران الصمت، تبدأ بقصة شاعر غير معروف من العصر الأموي، دُفن وهو حي دون أن يدق جدران الصندوق الذي كان فيه، اسمه وضاح اليمن، هام بحب فتاة تدعى روضة، وكتب بحبها الأشعار، ولكن أهلها خشية الفضيحة زوجوها لرجل كهل، وإذا به مصاب بالجذام، فمات بسرعة، بعد أن نقل المرض لروضة، التي نقلت إلى وادي المجذومين، فزارها وضاح هناك، ولما رأى حالها أصيب بالجنون، وهام على وجهه حتى وصل إلى مكة وهناك رأته أم البنين زوجة الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي الشهير، فأحبته وطلبت منه أن يأتي إلى الشام كي يمدح الوليد وينال أعطياته، واحتالت حتى أدخلته في صندوق إلى غرفتها، فكانت تجالسه، وعندما تشعر أن أحداً قد جاء تدخله إلى الصندوق، استمر الأمر على هذا المنوال حتى سمع زوجها الوليد  بالقصة فدفن الصندوق بمن فيه،

إن الفلسطينيين هم ضحية الضحية، ولا يحق للضحية الإسرائيلية أن تتصرف كجلاديها.

" يطرح هذا النص الكثير من الأسئلة، لكن ما يؤرقني  سؤال واحد: لماذا صمت الوضاح في الصندوق ولم يصرخ طالباً الرحمة؟". وهذا التساؤل هو ذات التساؤل الذي طرحه غسان كنفاني في رجال في الشمس عندما مات الفلسطينيون وهم في طريقهم إلى الكويت داخل الصهريج، دون أن يجرؤوا على دق الجدران.

ضحايا الضحايا

يقول آدم إنه وجد نفسه يخرج من صندوق وضاح اليمن كي يدخل في حكايته، التي بدأت من الغيتو، الذي يرمز إلى حارات اليهود، ربما أراد الكاتب من خلاله أن يشير إلى أن اليهود الذين كانوا ضحايا النازية، ومحارقها ومعسكرات اعتقالها، أرادوا أن يحولوا أنفسهم لجلادين، ويجعلوا من الفلسطينيين ضحايا لهم، وحتى حبيبته اليهودية التي كذب عليها آدم وقال لها إنه يهودي جاء من غيتو في بولونيا، كانت تقول" إن الفلسطينيين هم ضحية الضحية، ولا يحق للضحية الإسرائيلية أن تتصرف كجلاديها، لذلك أنا لست يهودية فقط، بل أنا فلسطينية".

علامة شعب كامل

آدم الصحفي ومدرس اللغة العربية عرف متأخراً وهو في نيويورك التي انتقل إليها كي يعمل في مطعم للفلافل أن منال التي كانت تقول إنها أمه، لم تكن كذلك، وحسن دنّون البطل الذي قتل قبل أن يولد آدم وهو يدافع عن اللد في معركة اللطرون لم يكن أباه، فهو ابن شجرة الزيتون، وجدوه في ظلها، بعد أن ماتت أمه الحقيقية، ليحمله مأمون الأعمى إلى منال، التي تبنته على أساس أنها أمه.

بعد أن سيطرت العصابات الصهيونية على اللد بقيادة موشيه دايان وقتلت المئات من أهلها، وعقب أخذ الشباب الذين هم بين 14 سنة و40 سنة إلى الإعدام، وُضع الباقون في غيتو بين الأسلاك الشائكة، وبعد سنة أزيلت الأسلاك من الشوارع، ولكنها لم تُزل من النفوس!، بل انحفرت عميقاً في الوعي الفلسطيني حتى صار "الغيتو علامة شعب كامل".

مدينةٌ جثة

بعد أن تغلب آلاف المقاتلين من العصابات الصهيونية على مئات المقاتلين الفلسطينيين، وبتواطئ بريطاني، وتم لهم الأمر، أرادوا إزالة جثث الفلسطينيين الذين قتلوهم، فكلفوا أبناء الغيتو بذلك، تقول الرواية إنهم بقوا شهراً كاملاً وهم يعملون عل إزالة الجثث، حتى قال مراد العلمي أحد أعضاء لجنة إزالة الجثث، لقد تعرفت على اللّدّيين جثة جثة، " هل رأى أحد في العالم جثة مدينة؟"

تعفيش إسرائيلي

تم كذلك إجبار لجنة من سكان الغيتو على تعفيش البيوت والمحال التجارية، ولكن العفش والمواد المسروقة كانت تذهب إلى العاصمة تل أبيب لأنها أصبحت ملكاً للدولة الجديدة، والأسوأ من ذلك هو أن اللديين الذين رفضوا أن يتركوا بلدهم وتمسكوا بها، تم تجريدهم من كل ممتلكاتهم حتى اضطر بعضهم للعمل أُجراء في بياراتهم التي تحولت ملكيتها للدولة الإسرائيلية!.

في أحد الأيام من 1954 أراد الاحتلال أن يقيم عرضاً عسكرياً في مدينة الرملة القريبة من اللد وحضره بن غوريون، وملأت الشوارع باللافتات التي كتب عليها " جيش يحمي" ولكن مدرّسة آدم كانت عيونها تغرورق بالدمع وهي تقول " فين الناس"، إذاً لماذا يهرب الناس من جيش يحميهم، وهذا يأخذني مباشرة إلى من يسمون "حماة الديار" الذين ما دخلوا منطقة إلى أحالوها دماراً، بعد أن يعفشوا كل ما فيها.

نكبة مستمرة

تنتقل بك الرواية بين أكثر من دراسة ورواية وفيلم وكلهم يتكلمون عن فلسطين ونكبتها، كرواية خربة خزعة للكاتب الإسرائيلي س. يزهار التي أصبحت الوثيقة الإسرائيلية الوحيدة على طرد الفلسطينيين من أرضهم.

تمارس إسرائيل فعل تنكيب الفلسطينيين كل يوم ليس في القدس والضفة وغزة، بل في إسرائيل ذاتها، فالجيل الذي كان من المفترض أن ينسى نكبة آبائه وأجداده، يعيش اليوم نكبته ونكبتهم.

وروايات إميل حبيبي، وأنطوان شماس، فضلاً عن محمود درويش الذي تذكر الرواية أنه وعائلته فضلوا العودة إلى قريتهم البروة التي دمرت وجرفت، في فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي، على البقاء في مخيمات اللجوء بلبنان، وهذا يذكرني بكثير من العائلات السورية التي تعود اليوم من مخيمات لبنان، إلى سوريا تحت الاحتلال الروسي الإيراني.

تمارس إسرائيل فعل تنكيب الفلسطينيين كل يوم ليس في القدس والضفة وغزة، بل في إسرائيل ذاتها، فالجيل الذي كان من المفترض أن ينسى نكبة آبائه وأجداده، يعيش اليوم نكبته ونكبتهم، حسبما يقول آدم، وأنا أضيف ليس فقط الفلسطينيين بل كل المنطقة، ولا يمكن بحال من الأحوال فصل ما يجري في سوريا عن فلسطين، ألم يقل صيرفي العائلة الحاكمة في سوريا، رامي مخلوف إن أمن سوريا من أمن إسرائيل؟، وقبل أيام فقط قالت صحيفة هآريتز إن الأسد هو حليف إسرائيل!

جريمة الصمت

"المسألة ليست فقط جريمة تهجير الفلسطينيين من أرضهم، لأن جريمة أكبر جاءت بعدها، هي جريمة الصمت على شعب كامل"

وهذا ما يجري بالضبط مع الشعب السوري، حيث كل العالم يشاهد مذبحته بصمت، ألم تقل الرواية "إن التاريخ الإنساني برمته مصنوع من القسوة والوحشية"؟.

فما بال بعض قوم يدّعون طلب الحرية، وتحت مبدأ الواقعية السياسية بدأوا يسوّقون للتطبيع مع إسرائيل، التي هي بالأساس من شردت وقتلت شعباً كاملاً، وحرمته من حريته، فمن سرق حرية الفلسطينيين لن يساهم بإعطائنا الحرية، والمبادئ الإنسانية كل لا يتجزأ، ومن هنا تأتي أهمية هكذا روايات، فهي كي لا ننسى.

يقضي آدم حسب الرواية منتحراً، بعد حرق منزله، وهو تقليد منه لحياة الشاعر الفلسطيني راشد الحسين، ولكن دفاتر آدم التي ضمت مخطوط الرواية لم تصب بأذى، ولولا ذلك لما كنا نقرأ الرواية اليوم!.

شارك برأيك