رمضان بلا قصف..  كيف يعيش سكان دمشق طقوس الشهر الكريم؟

تاريخ النشر: 31.05.2018 | 15:05 دمشق

تلفزيون سوريا - دمشق -ياسمينة أحمد

"العشر الأول للمرق، والعشر الأوسط للخرق، والعشر الأخير لصر الورق" عبارة تختصر المظاهر الرمضانية المميزة التي تحفل وتحتفل بها دمشق في الشهر المبارك، حيث ينشغل الدمشقيون في الأيام العشرة الأولى بتحضير الأطعمة والمشروبات، فيما يقومون خلال الأيام العشرة التي تليها بزيارة الأسواق والتبضع وتجهيز ملابس العيد، أما الأيام العشرة الأخيرة فيقضونها في صنع الحلويات.

للشام سحرها، ولرمضان فيها خصوصية كبيرة، لن يقدر أي شخص عاشها وعايشها على تجاهلها أو نسيانها، وسيشعر بالحنين إلى تفاصيلها الآسرة خاصة أولئك المبعدون قسراً عن بلدهم ومدنهم وأهلهم. وهنا تختلط تفاصيل الزائر القديم الجديد بتفاصيل وغبار الحرب للسنة الثامنة على التوالي، وتختلط معها الحكايا والقصص.

رمضان بلا طيران وقصف

هادئة صباحات العاصمة في شهر رمضان، خطى وئيدة، حركة سير بطيئة أقل ضجيجاً من الشهور العادية، أما مساءاتها فهي على النقيض تضج بالحيوية والحياة خاصة بعد العشر الأول. سنوات قاسية عصفت بها وببقية المدن، وهي هذا العام ولأول مرة منذ 8 أعوام تستقبل الشهر الكريم بلا أصوات طيران، بلا أصوات مدافع ودون قذائف، لأول مرة منذ 2011 يفطر الدمشقيون بأمان دون أخبار عن دماء تنزف هنا وهناك، ومنازل منهارة على رؤوس سكانها، وبدون خوف من مجهول قادم. لكن الغلاء يفتك بالجيوب، غلاء الاسعار هو النتيجة الحتمية لأي حرب، خاصة في ظل متطلبات الصيام التي تحتاج لمصروف كبير مقابل أجور قليلة. وهو ما يؤكده العم " أبو عرفان" الرجل الستيني الجالس على مدخل إحدى حارات دمشق القديمة بحي ( القيمرية) المشهور ويقول: " رمضان هذا العام أكثر هدوءاً وأمناً، فأنا أجلس هنا دون خوف، أرجو ألا تعود تلك الأيام السوداء وتصبح ذكرى فقط، لم نعد نفطر ونتسحر على أصوات القصف ولا على أخبار الموتى والشهداء، لكن غلاء الأسعار يعكر علينا الفرحة، فما نملكه لا يكفي لإكمال شهر الصيام بالحد الأدنى كما كنا نفعل من قبل، وسنضطر للاستدانة من البقال واللحام أو الاكتفاء بما بقي في مطبخ المنزل من ( مونة)، ويتابع أبو عرفان: "صحيح أنها قليلة لكننا نحمد الله على كل شيء المهم أننا نسمع صوت الآذان على الإفطار وليس النيران، ويختم حديثه بالدعاء والتمني بأن تتحسن الأمور ويبقى أفراد عائلته سالمين".

لغياب المهجرين غصة

تبدأ الخالة أم محمد حديثها بعيون دامعة، تسرح للبعيد، وتستعيد صورة ابنيها اللذين هاجرا منذ عام 2014 وتركا خلفهما قلباً متألماً، وأياماً فارغة بدون وجودهما الذي كان يملأ المنزل عليها، ويزين سفرة الإفطار التي تتناوله اليوم وحيدة مع زوجها، وأحياناً مع ابنتها وأولادها، وتستدرك شاكرة الله على بقاء الصغار بخير بعد سنوات صعبة، وقدرتهم على اللعب في الخارج دون خوف من قذيفة أو رصاص. وتتابع: "يرسلان النقود بشكل مستمر وهو ما يعيننا على أعباء الحياة، وعلى أعباء شهر رمضان، سمعت أن أسعار صرف الدولار في هبوط، لكني لم ألمس أي انخفاض على الأسعار بالعكس لقد بدأت بالارتفاع قبل رمضان بأسبوع".

قلب أم محمد المشتاق يروي حكاية قلب كل أم، انتزعت الحرب القذرة أولادها من أحضانها، ورمتهم على حدود الدول، قلب أم مجروح لكنه قوي اختار الفراق عوضاً عن بقائهم إلى جانبها وخشية تعرضهم المستمر لخطر غير معروف المصدر أو التوقيت أو المكان. تمنت أم محمد أخيراً أن تستقر الأوضاع ويستطيع ولديها العودة إلى بلدهم وضمهم إلى صدرها دون أن يمسهما أذى.

أما هبة. ت، الفتاة الجامعية التي تدرس الحقوق في السنة الثالثة، فتحدثت عن أجواء رمضان الجميلة في دمشق، وعشقها لطقوسه بدءاً من تحضير الطعام إلى تبادل الأطباق مع الجيران إلى تأدية الفروض وقراءة القرآن التي لها بركة خاصة، ورغم نزوحهم من بيتهم بمنطقة الحجيرة منذ أكثر من 6 سنوات، واضطرارهم للاستئجار في منطقة صحنايا، إلا أنه بقي لهذا الشهر الكريم رونقه وحلاوته كما تقول، خاصة عند اجتماع أفراد أسرتها وقت الإفطار وتبادلهم الأحاديث والطرفات وهي تستبشر الخير وتتأمل عودتهم إلى حارتهم وبيتهم هناك، أما الشيء الوحيد الذي يؤرقها هذا العام هو تزامن الشهر الكريم مع فترة التحضير للامتحانات. وتضيف الشابة مع صوت أكثر هدوءاً: " دمشق حزينة، لقد خيم الخوف عليها لسنوات وقطع أوصالها، هي قادرة أن تقف من جديد، لكنها تحتاج وقتاً لالتئام أجزائها المبتورة، وعودة الدماء الشابة إلى عروقها بعد عودة أبنائها النازحين والمهاجرين."

إزالة الحواجز

وهو ما تطرق له سامر. د  ذو الـ 35 عاماً حامداً الله أنه لم يضطر كالكثير من الشبان السوريين إلى النزوح عن بيوتهم أو التهجير خارج الوطن (كونه شاب وحيد)، وقدرته على متابعة الحياة على صعوبتها بين أهله، ويؤكد أنه يقوم بطقوس الشهر الكريم على أتمّها، وسعيد أنه ما زال يؤدي الصلوات كما اعتاد منذ الصغر في الجامع القريب من منزله الكائن في منطقة المزة وأن باستطاعته تناول الإفطار على بساطته مع عائلته، ويتابع: "الأجواء الأمنية هذا العام أفضل مما سبق، فقد تراجعت أزمة الحواجز والانتظار لساعات طويلة ونحن صائمون للوصول من مكان لأخر"، وأضاف سامر حول عمله الكائن في محال تجاري، إنه يقل خلال ساعات النهار في شهر رمضان من الأيام العادية، لكنه ينشط ليلاً بعد الإفطار بحوالي الساعتين ويستمر إلى فترة السحور، فنرى شوارع دمشق خاصة الأسواق تضجّ بالحيوية وكأنها في النهار، وأشار أيضاً إلى غلاء أسعار المواد الغذائية المطلوبة للجميع التي يزيد استهلاكها أثناء الصيام.

ويعود عدنان. ع ( 49 عاماً) بذاكرته إلى عهد الطفولة، كيف كان يتسابق مع أولاد الجيران ليسمعوا أولاً صوت طلقة مدفع الإفطار أو كما يقال له ( الطوب)، فقد كان هناك مدفعان متموضعان على جبل قاسيون، المدفع 1 الذي يطلق طلقة تمهيدية، والمدفع 2 الذي يعيد لمن لم يسمع الأول. ويرى عدنان أن الأمور اختلفت قليلاً عن الماضي حيث قلّت دعوات الناس لبعضهم على الإفطار وذلك بسبب الظروف الأمنية، وبسبب التكاليف الكبيرة حيث لم تعد أغلب الأسر قادرة على دفعها للقيام ( بالواجب) تجاه الضيوف، وتأمل عدنان أن تتحسن الأوضاع.

من ناحيتها مها. ف المنحدرة من منطقة "العمارة" العريقة، افتقدت هذا العام لصوت المسحراتي، وتستغرب أنها لم تسمعه في أكثر من منطقة، وخمنت أن يكون السبب أمنياً فهي خلال السنوات المنصرمة وفي أكثر الأحوال تأزماً كانت تسمعه وتفرح بنداءاته للسحور، وتذكر كيف كانوا ينهضون لتحضير طبق خشاف البرتقال، بتقطيع البرتقال بعد تقشيره، ثم رشه بالسكر وتركه ليتصفى وتناوله مع الجبنة.

مقالات مقترحة
منظمة الصحة: أقل من 10 بالمئة من البشر لديهم أجسام مضادة لكورونا
بسبب كورونا.. ملك الأردن يقبل استقالة وزيري الداخلية والعدل
من جرعة واحدة.. أميركا تصرح باستخدام لقاح "جونسون آند جونسون"