icon
التغطية الحية

رمضان السوريين.. أزمات الطاقة والمحروقات وطعام الإفطار

2026.03.08 | 12:05 دمشق

آخر تحديث: 2026.03.08 | 12:06 دمشق

طابور سيارات تنتظر تعبئة البنزين أمام محطة المجتهد (تلفزيون سوريا)
طابور سيارات تنتظر تعبئة البنزين أمام محطة المجتهد (تلفزيون سوريا)
(تلفزيون سوريا)
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- يعاني السوريون من أزمة اقتصادية حادة تتجلى في ندرة وارتفاع أسعار المواد الأساسية مثل الغاز والمازوت، وتتفاقم بسبب العوامل الإقليمية والبنية التحتية المتهالكة، مما يزيد من صعوبة الحياة اليومية.

- تراجعت الخريطة السياسية في سوريا منذ أكثر من 15 عامًا، مما جعل الشعب يركز على تحديات الحياة اليومية، معبرين عن استيائهم من الفساد والتمييز في الرواتب، وسط تساؤلات حول دور الحكومة في تأمين الاحتياجات الأساسية.

- يحاول السوريون التكيف مع الأزمات من خلال حلول بديلة مثل السوق السوداء، بينما تتفاقم الأزمات في رمضان، ويستمر الجدل حول السياسات الحكومية وأهمية وضع مصلحة الشعب كأولوية.

يمضي السوريون غير آبهين بسرب الـ"إف16" الذي يعبر سماء دمشق باتجاه الشرق. بعضهم يحمل جرّة الغاز على ظهره، وآخر تعب من شدة الحمل، ففضل دحرجتها على الأرض.. أناس آخرون، يحملون "بيدونات" المازوت متجهين إلى الكازية، لحجز دور من أجل الحصول على 10 ليترات تكفيهم حتى ينتهي المنخفض السيبيري.

	طابور لتعبئة بيدونات المازوت في كازية مساكن برزة (تلفزيون سوريا)
طابور لتعبئة بيدونات المازوت في كازية مساكن برزة (تلفزيون سوريا)

يقول صاحب التكسي: "الأجرة ارتفعت بسبب الوقوف الطويل أمام محطات الوقود نتيجة الزحام"، ثم يفاجئنا بسؤال: "أخي شو هاد مضيق هرمز، وما علاقته بنا، وهل صحيح أن الأزمة ستتفاقم إذا تم إغلاقه بشكل نهائي؟".

منذ أكثر من 15 عاماً، غابت الخريطة السياسية عن الحياة السورية، وبات الشعب مشغولاً بخريطة أخرى تحمل تضاريس مختلفة منها: "جرة الغاز.. بيدون المازوت والبنزين.. أسعار الفواكه والخضراوات واللحوم.. تكاليف الطبابة.." وغيرها كثير من مقومات الحياة المتفق عليها كمسلمات عند الدول الأخرى.

	الزحمة على الغاز بدمشق (تلفزيون سوريا)
الزحمة على الغاز بدمشق (تلفزيون سوريا)

أزمة الغاز سبقت الحرب الإيرانية وتفاقمت في رمضان

بدأت أزمة الغاز بالظهور في أوائل الشهر الأول من عام 2026. ثم راحت تتفاقم، ليصل سعر الجرة إلى ما بين 300 – 450 ألف ليرة سورية "بالسعر الحر"، مع أن سعرها الرسمي هو "125" ألف ليرة.

وتبعاً لتصريحات رسمية من وزارة الطاقة، فقد رُبطت أزمة الغاز، بتأخر التوريدات عبر ناقلات الغاز إلى مصفاة بانياس، وسوء الأحوال الجوية، إضافة إلى تهالك خزانات التخزين وتضررها بسبب انتهاء عمرها الافتراضي.

لكن المتتبع لارتفاع الخط البياني لندرة الغاز وغلاء سعره، يكتشف أنه مرتبط أولاً بغلاء أسعار الكهرباء التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة وباهظة، ما جعل الناس تتحول من الاعتماد على الكهرباء إلى الغاز، فوقعت في مطب غلاء المادتين!.

وعلى طريقة "حسني البروظان" في مسلسل "صح النوم"، كان على المواطن السوري، أن يكتشف معادلة تشبه "إذا أردنا معرفة ماذا يجري في إيطاليا.. يجب علينا معرفة ماذا يجري في البرازيل"، فحسم أمره بالقول: "إذا ارتفعت أسعار الكهرباء.. قلّ الغاز.. وإذا قلّ الغاز عجزت المحطات عن توليد الكهرباء". هكذا يتندّر سائق التكسي، وهو يقلنا من جرمانا إلى البرامكة، بعد أن وافقنا على رفع أجرة الشخص الواحد من 15 ألف ليرة إلى 20 ألف.

ونخبر السائق، بأن هناك عوامل أخرى زادت في الطنبور نغماً، مثل قيام الأردن بإيقاف توريد الغاز لسوريا، بسبب الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، وقد فعلت مصر الشيء نفسه عبر خط الغاز العربي. ونضيف بأن حرباً إقليمية كبرى تجري، ولاشك سينعكس ذلك على مواد الطاقة والمواد الاسهلاكية أيضاً. لكن السائق، يحدق بنا من خلال المرآة التي تعلو "تابلو السيارة"، ويقول:

"أخي أنا ما بعرف، حرب إقليمية أو كونية.. الحكومة يجب أن تؤمن الغاز والمحروقات والخبز للشعب، وإلا يجب عليها التنحي لتترك المجال لمن يقدر على ذلك".

هل تعود البطاقة الذكية؟

حوّل السوريون خبر عودة توزيع الغاز على البطاقة الذكية، إلى نكتة يتداولونها في أحاديثهم اليومية.. فهذه البطاقة، سبق أن عانى منها المواطنون الأمرّين، مثلما يقال في المثل الشعبي. كما كانت مجالاً حيوياً للفساد والمتاجرة في السوق السوداء.. يتساءل سائق التكسي: "أين الدول التي وعدت بدعمنا بالغاز والمحروقات ريثما نستعيد تشغيل آبار النفط والغاز؟".

في منتصف الطريق، تحولت سيارة الأجرة إلى مدينة مصغرة فيها عيّنات من أبناء الشعب بآرائهم المختلفة.. أحد الركاب قال: "يا أخي أعطوا الحكومة مجالاً حتى تتمكن من معالجة البنية المنهارة التي تركها نظام الأسد، فالمسألة تحتاج لوقت"، في حين قال آخر: "يعني ممكن نعرف كم يبلغ زمن هذه المهلة؟ طول عمرنا عايشين بمراحل يسمونها عصيبة وحساسة ووجودية دون أن نعرف نهايتها".

وعندما تدخل في النقاش الراكب الجالس في الأمام قرب السائق، حمي الوطيس أكثر ضمن الحافلة، فكادت أن تضل طريقها، خاصة عندما قال: "إذا أنا راتبي ما بيطلع 90 دولار بالشهر، يعني ثمن جرتي غاز، فكيف أعيش، خاصة أنني لم أحسب لكم بعد فاتورة الكهرباء والماء وتكاليف المواصلات والطبابة..؟".

لكن وعندما أضاف الراكب المتحمس للنقاش قائلاً: "هل نستطيع أن نعرف لماذا هناك "خيار وفقوس" في رواتب الموظفين؟ هناك من يقبض 300 دولار و500 دولار أما المديرون فيقبضون أكثر من 1000، مع بقاء الرواتب العامة ضمن حدود 90 دولار؟". في تلك اللحظة بنشر دولاب السيارة، واضطر السائق لركنها على جانب الطريق من أجل تغيير العجلة، وما هو أخذ الحوار لمكان آخر.

اللافت في موضوع الغاز، توفر جرات الغاز المباعة بشكل حر، لكن بسعر مرتفع يصل إلى 450 ألف كما أسلفنا، وإلى جانبها تعبئة الغازات الصغيرة المتوفرة هي الأخرى في معظم المناطق والحارات، لكن بسعر يصل إلى 35 ألف للكيلو الواحد، أي أن كلفة تعبئة غاز واحد بسعة 3 كيلوغرام، توازي تقريباً سعر شراء جرة الغاز  التي تتسع لقرابة 20 كيلوغراماً. وتعقيباً على ذلك، يقول أحد المواطنين الفرحين بتعبئة غازه الصغير: "بالله.. ألا تكفي هذه المقارنة للجنون".

التهاب الأسعار وندرة المواد.. برنامج يتكرر في رمضان

بغض النظر عن واقع البنية التحتية للمنشآت ومحطات التوليد وآبار النفط والغاز، فقد اعتاد السوريون على برنامج سنوي يتزامن مع شهر رمضان المبارك، حيث ترتفع جميع المواد دفعة واحدة.. ومن كثرة الأزمات، يصبح المواطن مأزوماً "يقاتل دبّان وجهه" كما يقول المثل.

هل نتحدث عن طاعون الدجاج الذي أعلنت عن انتشاره الحكومة، ثم تراجعت عنه مؤكدة أن خطأ حصل في ذلك الإعلان؟ يقول سائق التكسي، وهو يضع البرغي الأخير في العجلة البديلة التي ركّبها: "يا أخي كلنا نريد أن نرى هذا البلد أحسن بلد بالدنيا، ونتمنى أن تنجح الحكومة في سياساتها، لكن يجب أن يجعلوا مصلحة الشعب هي البوصلة".

مشهد السيارات المتزاحمة من أجل تعبئة البنزين، أمام كازية المجتهد، كان يؤكد أن الأزمة ليست بسيطة أو عابرة، في ظل الحرب الدائرة في المنطقة، واحتمال انقطاع طرق التجارة العالمية لفترات زمنية غير معروفة. لكن تصريحات وزارة الطاقة، حول الكهرباء والغاز، أغضب الناس، عندما حملت الشعب مسؤولية الأزمة بسبب زيادة الطلب خوفاً من انقطاع المادة..

بعد تنهيدة طويلة، ركبنا سيارة التكسي التي أصبح دولابها جاهزاً للانطلاق.. ليقوم أحد الركاب برمي "فتيشة" أشعلت الحوار من جديد: "يا أخي ألا ترون أنكم تناقشون وتنتقدون الحكومة بحرية دون أن تتلفتوا يمنة ويسرةً قائلين: "الحيطان إلها آذان؟". ليرد آخر بغضب: "أيوا.. احسبولنا الحكي ع البطاقة الذكية كمان.. معقول أن تمنّني بالحرية، في ثورة جاءت من أجل نشر الحرية؟". لكن لحسن الحظ، في تلك اللحظة كانت السيارة قد وصلت إلى البرامكة حيث المحطة الأخيرة، وما كان من الركاب إلا أن تبادلوا الابتسامات وتفرقوا كلٌّ في طريق.

أمام أفران المعروك قبل الإفطار في سوق الشعلان بدمشق (تلفزيون سوريا)
أمام أفران المعروك قبل الإفطار في سوق الشعلان بدمشق (تلفزيون سوريا)

يفطرون على اللبنة.. أم المعروك المحشي "سنيكرز"؟

خرجت أفران المعروك، بأنواع تتوزع ضمن درجات حسب الطبقة الاقتصادية التي ينتمي إليها الزبون.. قطعة المعروك الكبيرة بـ22 ألف ليرة! أما القطعة الصغيرة "العيّنة" فهي بـ7 آلاف.. وأمام طاولات المعروك المنتشرة قدّام الأفران الخاصة، انقسم الناس إلى درجات: المقتدر قام بشراء معروك محشو بالشوكولاه الأجنبية، ومتوسط الدخل، اكتفى بقطعة معروك السادة الصغيرة، أما فقير الحال، ففضل شراء نصف كيلو من اللبنة غير البلدية، لتكون فطوره الرئيسي مع أفراد عائلته. وكان مشهد الشحاذين الذين يلاحقون كل من يشتري المعروك، طالبين قطعة منه، أسوأ ما في المشهد.

الساعة تقترب من وقت الإفطار، ويبدأ جدل الأسعار بالاضمحلال، لتبدأ موجات الزحام في العاصمة.. الكل يهرعون إلى موائدهم المنتظرة: الباذخون المعزومون على المطاعم.. والبسيطون الذين يفطرون مع الأسرة ويقولون: "جود بالموجود"، إلى جانب المعدمين الذين يبقى كثير منهم في الشوارع وأمام الجوامع، عساهم يحظون بوجبة "صدقة"، تبلّ الريق ليوم واحد، من دون أن تحل المشكلة!.