تعد منطقة عفرين في ريف محافظة حلب من أبرز المناطق السورية المنتجة للرمان، إذ تنتشر بساتين هذه الفاكهة الحمراء على ضفاف الأنهار والوديان التي تخترق المنطقة، مشكلة لوحة زراعية طالما اشتهرت بها عفرين إلى جانب أشجار الزيتون.
ويقدر عدد أشجار الرمان في المنطقة بأكثر من مليون شجرة، ما يجعلها الثانية بعد الزيتون من حيث الانتشار والمساحة الزراعية، غير أن هذه الزراعة تواجه اليوم تهديداً جدياً بسبب موجات الجفاف وتراجع مصادر المياه، إذ تشير تقديرات المزارعين إلى أن إنتاج الموسم الحالي لا يتجاوز 20 في المئة مقارنة بالمواسم السابقة، ما يعكس أزمة بيئية وزراعية متفاقمة.
يسلط موقع تلفزيون سوريا الضوء في هذا التقرير على واقع زراعة الرمان في عفرين، متناولاً توزع البساتين وأعداد الأشجار والأصناف الأكثر شهرة، إضافة إلى الفروق في الطعم والإنتاج، وشروط نجاح هذه الزراعة من حيث التربة والمياه والأسمدة، فضلاً عن التحديات المتعلقة بالتسويق والتخزين، والصعوبات التي تهدد استمرار هذا المحصول الحيوي في شمالي البلاد.
رمان عفرين
قال مدير المكتب الزراعي في منطقة عفرين، محمد العبد الله، لموقع تلفزيون سوريا إنّ عدد أشجار الرمان في عفرين يبلغ نحو مليون شجرة، تنتشر بكثافة على ضفتي نهر عفرين لمسافة تُقدّر بـ 70 كيلومتراً، مستفيدةً من وفرة المياه في تلك المنطقة.
وتتركز زراعة الرمان في قرى الباسوطة، قرزيحل، عين دارة، ترندة، غزاوية، كفيرة، إسكان، شح الدير، جلمة، جويق، دير بلوط وتل سلور، إضافة إلى ناحية جنديرس حيث تشتهر قرى عدة بإنتاجه، أبرزها مسكه، كما تنتشر بساتين الرمان على ضفاف نهر الأسود قرب الحدود التركية، وتعد قرية سوركي والقرى المجاورة لها من أشهر المناطق بزراعة هذه الفاكهة.
وأوضح العبد الله أن الرمان يحتل المرتبة الثانية بعد الزيتون في عفرين من حيث المساحة وعدد الأشجار، لافتاً إلى أن بلدة الباسوطة تعد المهد الأول لزراعة الرمان في المنطقة، إذ كانت أول قرية تُزرع فيها هذه الشجرة قبل أن تنتشر تدريجياً في بقية القرى، وأضاف أن في عفرين عدة أصناف من الرمان، منها الحلو واللفان والحامض، وجميعها تصنف ضمن الأصناف الممتازة من حيث الجودة والطعم والإنتاج.
زراعة مربحة سابقاً
ويعد الرمان من الزراعات الحديثة نسبياً في منطقة عفرين، إذ لا يتجاوز عمر انتشاره الواسع في المنطقة مئة عام، بخلاف الزيتون الذي يُعتبر أقدم المحاصيل الزراعية فيها ويعود تاريخه إلى مئات السنين، ومع ذلك، شهدت العقود القليلة الماضية تحولاً تدريجياً لدى المزارعين نحو زراعة الرمان، مدفوعين بعوامل اقتصادية وزراعية شجعت على ذلك، أبرزها الإنتاجية العالية والأسعار المجزية، فضلاً عن ملاءمة الظروف الطبيعية من تربة ومياه وأمطار لهذه الزراعة.
ويقول مدير المكتب الزراعي في عفرين، محمد العبد الله، إن ثمرة الرمان في بعض المواسم كانت تزن قرابة كيلوغرام واحد، في دلالة على خصوبة الأرض ووفرة الإنتاج، ويضيف أن مردود زراعة الرمان تفوّق في بعض السنوات على مردود الزيتون، إذ كان الدونم الواحد من الرمان يدر على صاحبه ضعف ما يجنيه مزارع الزيتون في المساحة نفسها، ما جعل هذه الزراعة خياراً مفضلاً لدى كثير من فلاحي المنطقة.
أبو نضال (مزارع رمان من قرى ناحية شران بمنطقة عفرين) يختصر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا معاناة المزارعين قائلاً: "الرمان كان من أكثر المواسم المربحة في عفرين قبل سنوات، واليوم خاسر بالمطلق والإنتاج منخفض بشكل لا يصدق، الجفاف قتل البساتين، والأسعار نازلة، كنا نفكر نزرع الرمان لأنه مربح في السابق، بس اليوم حتى الزيتون أوفر منه لأن شجرة الزيتون مقاومة للجفاف وشجرة تتحمل الظروف الجوية كظروفنا الحالية".
مقومات زراعة الرمان
وبحسب العبد الله، تحتاج أشجار الرمان إلى مجموعة من الشروط والعوامل الطبيعية لضمان نموها الجيد وإنتاجيتها العالية، أبرزها التربة الحمراء الخصبة وتوافر المياه بكميات كافية، إضافة إلى تكرار عمليات الريّ على مدار العام، واستخدام الأسمدة العضوية والكيميائية لتحسين جودة الثمار وزيادة الإنتاج.
ويبدأ موسم قطاف الرمان في عفرين مع مطلع شهر تشرين الأول/أكتوبر، ويستمر حتى منتصف تشرين الثاني/نوفمبر، وتنتج الشجرة الواحدة ما بين 80 و100 كيلوغرام من الثمار في حال توفرت لها كميات كافية من المياه والأسمدة والعناية الزراعية اللازمة. أما كل هكتار واحد من الأراضي المزروعة بالرمان، فيضم نحو 500 شجرة تقريباً.
لا تختلف أصناف الرمان المنتَجة في منطقة عفرين كثيراً من حيث الشكل أو الجودة، غير أن الصنف الأحمر الحلو يُعدّ الأكثر طلباً في الأسواق المحلية، وتُعرف هذه الثمار محلياً باسم "الفرنسي"، إذ تتميّز بحلاوتها العالية وسوقها الرائج مقارنة بالأصناف الأخرى التي تميل نكهتها إلى الحموضة.
أما الأنواع الأقل حلاوة أو التي لا تباع مباشرة في أسواق الفاكهة والخضار، فيتم تخزينها لفترات أطول لكونها أكثر تحملاً، ويوجّه جزء كبير منها إلى صناعة دبس الرمان، وهي حرفة تقليدية تشتهر بها المنطقة وتشكل مصدر دخل إضافي للأهالي.
وفي القرى الصغيرة المنتجة للرمان، يحرص السكان على تخزين مؤونة الشتاء بطرق تقليدية، حيث تقوم ربات المنازل بتجميع الثمار في أماكن جافة وباردة نسبياً للحفاظ عليها حتى فصل الشتاء، كما يستفاد من قشر الرمان في التدفئة وعمليات الصباغة وعلاج بعض أمراض المعدة، في حين يستخدم حب الرمان المتبقي بعد العصر كعلفٍ للأغنام والدواجن.
الصعوبات والتحديات
قال مدير المكتب الزراعي في منطقة عفرين، محمد العبد الله، إنّ موجات الجفاف المتكررة أثّرت بشكل كبير على بساتين الرمان في المنطقة، ما أدى إلى تراجع الإنتاج وعزوف عدد متزايد من الفلاحين عن مواصلة زراعته نتيجة للخسائر المتراكمة.
وأوضح العبد الله أن أسباب الخسارة تعود إلى شحّ المياه وتراجع الإنتاجية، إضافة إلى التحكم بأسعار البيع في سوق الهال من قبل عدد محدود من التجار، ما يدفع المزارعين لبيع محاصيلهم بأسعار تقلّ عن كلفة الإنتاج. وأشار إلى أن العديد من الفلاحين تقدموا هذا العام بطلبات إلى المكتب الزراعي للحصول على تراخيص لاقتلاع بساتين الرمان وتحويل أراضيهم إلى محاصيل أقل كلفة وأكثر استقراراً.
وبيّن العبد الله أن أزمة المياه ناجمة عن التغير المناخي وضعف جريان نهر عفرين نتيجة لانخفاض منسوب مياهه وجفاف الينابيع التي كانت تغذيه، في حين لجأ بعض المزارعين إلى حفر آبار بتكاليف مرتفعة من دون أن يتمكنوا من الوصول إلى المياه الجوفية.
أبو حسن (مزارع رمان من قرية الباسوطة) يقول: "من عشر سنين، كانت الشجرة الواحدة تعطينا أكتر من 100 كيلو رمان، الموسم الحالي ما طلع منها 20 كيلو، الأرض عطشانة، والمياه في النهر وفي جوف الأرض قليلة ولا أمطار كافية، وما في مي نسقي فيها البساتين، إذا ما تأمنت مي الري، الرمان رح يختفي من المنطقة خلال كم سنة"
يضيف لموقع تلفزيون سوريا "الرمان كنا نعتبره ذهبنا الأحمر، بس الجفاف أكل تعبنا، ما بقى في ينابيع مثل قبل، وكلفة سقاية البستان صارت أكبر من ربح الموسم، تعبنا من انتظار المطر، والمازوت غالي، والناس صارت تقلع أشجارها لأنها ما عادت تتحمل الخسارة"
يتابع" سابقاً كانت المياه من نهر عفرين تكفينا نسقي الرمان والزيتون، هلق النهر صار مجرى ترابي، اضطرينا نحفر بئر خاص بالبستان، دفعنا ملايين وما طلع مي كافي، الإنتاج نزل أكتر من 70 بالمئة، وصرنا نبيع بأقل من التكلفة".
مطالب مزارعي الرمان
دعا عدداً من مزارعي الرمان الذين التقاهم موقع تلفزيون سوريا إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية زراعة الرمان في المنطقة، مقترحاً مجموعة من الخطوات أبرزها:
. تشغيل قنوات الري القادمة من بحيرة ميدانكي، والتي تعد شريان الحياة لما يقارب نصف الأراضي الزراعية في عفرين، سواء المزروعة بالرمان أو الزيتون أو غيرها من المحاصيل.
. تقديم تسهيلات ودعم مباشر للمزارعين، خصوصاً في ما يتعلق بتأمين مادة المازوت بأسعار مدعومة، وتركيب أنظمة طاقة شمسية لتشغيل الآبار.
. توفير الأسمدة مجاناً، وتقديم معدات للتعشيب والمبيدات الحشرية ومستلزمات الري بالتنقيط.
. فتح أسواق تصريف خارجية لتسويق منتجات الرمان وتحسين مردود الفلاحين.
ورغم الصعوبات التي تواجه زراعة الرمان في عفرين، من جفافٍ متزايد وتراجعٍ في الإنتاج وغيابٍ للدعم الزراعي الكافي، فإن المزارعين لا يزالون يتمسكون بالأمل في إنقاذ هذه الشجرة التي تحولت إلى جزء من هوية المنطقة وذاكرتها الزراعية، وفي كل موسم، وفي حين تتساقط الثمار القانية على ضفاف نهر عفرين الذي كان يوماً شريانها الحيوي، يواصل الفلاحون رعاية بساتينهم بما تيسّر من إمكانات، على أمل أن تعود المياه إلى مجاريها، وتستعيد أراضي عفرين لونها الأحمر القاني الذي طالما رمَز إلى خصوبتها ووفرة عطائها.