ركلة في وجه الإنسانية

2022.06.03 | 06:37 دمشق

rklt.jpg
+A
حجم الخط
-A

تخيّل أنها أمك أنت أيها القارئ الحصيف، وأدعوك بالقارئ الحصيف لأنك لا بدّ أنك تأثرت بشكل ما أو استفزّك الموقف أو تفاعلت بطريقة أو بأخرى مع هذه الأم المكسورة الجناح. هي امرأةٌ مُسنّة، قد تكون بعمر أمك أو أختك أو حتى ابنتك إن كنت من المُعمّرين، ربّة منزل أو سيدة أعمال أو أستاذة جامعية أو محامية أو مدرّسة أو طبيبة ضاقت بها السبلُ بعد أن دمّر المجرمون بلدها وهجروها منه. قد تكون معتقلة سابقة، أو أرملة شهيدٍ أو أمّاً لشهيدٍ أو أكثر. هي امرأة طحنتها الحرب وويلاتها ولم يترك لها الزمن والفقر إلا التهجير والتشرّد، فبدت كغصنٍ ضعيفٍ يرتجف مع أخفّ هبّة ريح.

تخيل تلك البسمة الصفراء المرتسمة على وجه بشار الأسد الحاقد، عندما يرى تلك العجوز السورية مهانة مهيضة الجناح، تخيّل كيف كان ليقطب جبينه متحدياً كل السوريات والسوريين بمصير مماثل لخروجهم عن طاعته، تخيّل مقدار الشماتة العابرة بين عينيه اللئيمتين لما لقيته تلك العجوز والآلاف مثلها في سوريا وخارجها، من جرّاء فجوره وحقده اللاموصوفين قبلاً في التاريخ من حاكمٍ تجاه شعب يحكمه. تخيّل لو أنّها لم تضطّر إلى الهرب من مزرعة الأسد وأنها بقيت في وطنها بين أهلها وعزوتها، تخيل لو أنّ سبب إهانتها لم يرث سوريا من أبيه، تخيّل لو أنها كانت في يومٍ من الأيام قادرة على انتخاب رئيس مهمته حمايتها وصون كرامتها، بدل هذا المسخ المستبدّ.

تخيل نفسك أنك تعرف هذا الجاني شخصياً، تعرف هذا الكائن المسمّى اصطلاحاً إنسان، تعرف أباه وأمّه وجيرانه، هذا القادم من مجتمع يوقّر ويحترم المسنين لدرجة تصل حدّ التقديس. في المنزل والشارع، في العمل وفي كل مكانٍ يحظى كبيرُ السنّ من الرجال والنساء بمكانة خاصّة في المجتمع التركي، ليس فقط لأنه مجتمع مسلمٌ تربّى أهله على هذه القيم الأخلاقية على خلفية ومرجعية دينية، بل لأنّ الأتراك توارثوا أيضاً من أسلافهم هذه الخصال حتى قبل دخول الإسلام بلادهم وقبل اعتناقهم إياه، فبأي دركٍ ستجد هذا الجاني وبيئته ومحيطه؟ وهل كنت ستصدّق أنّ هذا المجتمع كان يوماً ما مجتمع أجدادك؟

لا يقلل من مسؤولية الحكومة التركية زيارة والي المدينة للسيدة، ولا يمنع اعتقال الجاني من مساءلة الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة عما وصلت إليه الأمور بسبب استخدامها السياسي لقضية اللجوء السوري، فليس لأية منظومة قانونية أو نظامٍ قضائي في العالم قدرة على مجابهة خطابٍ متصاعدٍ متشعبٍ من العنصرية، ولا يمكن لأي مجتمع أن يقاوم هذا الشحن الدائم المستمر ما دامت عناصر المعرفة الحقيقية محجوبة عنه، وما دامت مزاودات السياسيين على بعضهم تستثمر في معاناة اللاجئين لكسب الأصوات أو لحرمان المنافسين منها. ليس لجهاز أي دولة أن يستطيع ضبط سلوكيات الأفراد والجماعات والمجتمع إن كان قادة الرأي من سياسيين وإعلاميين وأصحاب سلطة وقرار هم المحرضين على هذا الاستخدام العنصري والمسيء لقضيّة بهذا الحجم.

لا يمكن تبرير هذا الفعل بأي مقياس، فلم يكن المجتمع التركي ليصل إلى التخلي عن احترام المسنين، وهو المبدأ المقدّس لديه، لولا هذا الخطاب السياسي والإعلامي الشعبوي المغرق في الأكاذيب وخلط الحقائق ونقل أسباب التعثر الاقتصادي أو الفشل في إدارة الملفات العالقة من مسؤولية الحكومة ورميها على عاتق اللاجئين.

إن كان ثمّة من يقرأ التاريخ ويبحث بين سطوره جيداً، قد يجد اسم جدّ هذه السيدة في سجلّ شهداء معركة جناق قلعة، تلك المعركة التي كانت بلا أدنى شك حاسمة في الدفاع عن إسطنبول وعن تركيا والشعب التركي

مع ذلك، يصحّ هنا القول إنّ المجتمع التركي متضامنٌ أيضاً مع حكومته وأحزابه ونقاباته واتحاداته وهيئاته المختلفة في تحملّ المسؤولية. إن كان ثمّة من يقرأ التاريخ ويبحث بين سطوره جيداً، قد يجد اسم جدّ هذه السيدة في سجلّ شهداء معركة جناق قلعة، تلك المعركة التي كانت بلا أدنى شك حاسمة في الدفاع عن إسطنبول وعن تركيا والشعب التركي. أليس في التاريخ عبرة، أليس لهؤلاء حقّ في هذه الأرض التي أورثها الله للإنسان، كلّ إنسانٍ بالمطلق، لا لحامل الجنسية الفلانية أو ابن القومية العلانية!

تركيا التي فاخرت كثيراً في نهضتها الاقتصادية وفي وفاء ديونها وارتقائها لمصاف الدول العشرين المتقدمة، ما تزال بحاجة للكثير في مجال تعزيز الأمن المجتمعي واحترام سجل حقوق الإنسان. ليس في هذا انتقاصٌ من الشعب التركي أبداً، بل هو وصفُ واقعٍ مرّت به شعوبٌ كثيرة قبل ذلك، ها هي ذي ألمانيا التي ارتكبت في العهد النازي أفظع الجرائم بحق الإنسانية، تعتلي عرش الدول الراعية لحقوق المهاجرين واللاجئين والملتزمة بالشرعية الدولية لحقوق الإنسان. ها هم الأتراك ذاتهم يشكلون الجالية الأولى والأكبر في ألمانيا، وها هم يعاملون على قدم المساواة مع الألمان في هذا البلد، والسبب يعود هنا بكل تأكيد لسيادة القانون الصارمة، ولحصانة القضاء ومَنَعَته، ولقوّة مؤسسات الدولة ورسوخها.

غضبُ يهرول بين الأزقة والقلوب، خوف وهلعٌ يحوط السوريين من كل جانب، ويلهم ممن حسبوهم ذات يومٍ أنصاراً، وويلهم من بني جلدتهم الذين هجّروهم وأذلوهم، وويلهم ممن امتطى ظهر الثورة ليصل إلى الثروة ويتسلم السلطة في مناطق قوى الأمر الواقع. لا الأرض تتسع لهم، ولا القلوب بقادرة بعد على النبض مع نبضهم ولا العقول بقادرة على استيعاب مصيبتهم. ضاقت بكم الأرضُ بما رحبت بأهلي السوريين، وبات الآن وجودكم حملاً ثقيلاً على كواهل المجتمعات والشعوب المجاورة. لكنّ الطريق في بدايته، وعلينا جميعاً الوقوف مع بعضنا بعضاً لمواجهة هذه الكارثة الإنسانية التي أغرقنا بها السفاحُ، وإلا سنبقى نُركل في وجوهنا صباح مساء.