رقعة الشطرنج السورية في حسابات بكين وواشنطن

تاريخ النشر: 27.07.2021 | 07:02 دمشق

ليست الزيارة التي قام بها مؤخراً وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، إلى العاصمة السورية دمشق ببريئة في توقيتها أو في مستوى تمثيلها، وهي التي تزامنت مع أداء رئيس النظام السوري بشار الأسد لقسم الرئاسة في عهدها الرابع ولمدة سبع سنوات قادمة لا بدّ عجاف كسابقاتها من سلطته الموروثة.

فالصين هي الحليف الحاضر الغائب للنظام السوري، وغالباً ما يتبدّى دعمه في المحافل الدولية ومجلس الأمن باستعماله حق النقض (فيتو) - بالتزامن مع روسيا بطبيعة الحال -  في كل مرة تحاول الدول الأعضاء في المجلس إيجاد مخارج قانونية لردع الأسد عن الاستمرار في مقتلته الكبرى، وكذا تطبيق القرارت الأممية المتعلقة بالانتقال السياسي في سوريا من عهد الاستبداد البائد إلى دولة القانون والمواطنة الحديثة.

الهدف السياسي من ظروف الزيارة فهو أقرب إلى رسالة موجّهة إلى الولايات المتحدة الأميركية مفادها أن للأسد حلفاء أقوياء ما ليس لقوى الثورة والمعارضة

الحليف الصيني لنظام بشار الأسد في واجهة المعادلة السورية اليوم بعد أن كان لوقت طويل يتحرّك خلف الكواليس، وهذا الحضور المعلن لأول مرة منذ العام 2011 ليس ببعيد عن موافقة روسيا وتشجيعها للزيارة من جهة، ودعم إيران المطلق لها. أما الهدف السياسي من ظروف الزيارة فهو أقرب إلى رسالة موجّهة إلى الولايات المتحدة الأميركية مفادها أن للأسد حلفاء أقوياء ما ليس لقوى الثورة والمعارضة.

ورغم أن الزيارة تحمل رسائل سياسية في عدة اتجاهات إلا أن مرماها البعيد المدى يتساوق مع الاستراتيجية التي وضعتها بكين للتمدد والسيطرة على نصف الكرة الأرضية بواسطة مبادرتها "الحزام والطريق".

فالحزب الشيوعي الحاكم في بكين يسعى بشكل متعاظم ليرفع من تصنيف الصين من مصاف القوّة الإقليمية الأكبر في آسيا إلى مقام الدول الكبرى المهيمنة في العالم مقارَنةً بالخصم اللدود الولايات المتحدة، و"الحزام والطريق" أُطلقت في العام 2013 ضمن دائرة تلك المساعي.

تغطي المبادرة ما يزيد على 85 دولة، وما نسبته 65% من سكان العالم، الأمر الذي ساعد على إدراجها ضمن كبرى مشاريع البنية التحتية والاستثمار في التاريخ بما يشمل قطاعات التعليم، ومواد البناء، والسّكك الحديديّة والطرق السريعة، والسيارات والعقارات، وشبكات الطّاقة والغاز والنفط والحديد والصلب.

للمبادرة كما يشير اسمها مساران: الأول برّي (الحزام) والثاني بحري (الطريق). وللمسارين أهداف جيوسياسية أبعد بكثير من ظاهر المبادرة تكمن في إحياء طرق التجارة القديمة البحرية والبرية. فالمبادرة لا تتعلق بالتجارة والاستثمار وحسب، بل ستتجاوزها نحو التأسيس لتحالفات دولية جديدة تعتمد على الكتلة البشرية الضخمة التي تنضوي تحت مظلتها، ما يضمن للصين هدفها البعيد المدى في ولوجها حلبة الدول الكبرى المؤثرة، وكذا تحقيق التوازن الاستراتيجي مع أوروبا بعامة ومع الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص.

المراقب الأميركي يرى في المبادرة خطة للسيطرة على العالم من خلال شبكة تجارية عالمية تتمحور حول الصين، وكذا أداة حيوية تستخدم لأغراض عسكرية غير معلنة. وسيكون عام 2049 عام استكمال المشروع  بما يتزامن مع الذكرى المئة لقيام جمهورية الصين الشعبية.

دول الاتحاد الأوروبي لا تخفي قلقها من امتدادات الصين وغاياتها لاسيما أن "الحزام والطريق" يعتريها الكثير من الغموض الذي تختفي وراءه رغبة جامحة صينية في السيطرة المطلقة. فالمبادرة ستُلحق حيزاً واسع النطاق من البنية التحتية في أوروبا الشرق والوسط تحت المظلة الصينية. فها هو مرفأ بيرايوس في اليونان - أحد أهم المرافئ في العالم - قد انتقل إلى يد الصين منذ عام 2016، ما دقّ جرس الإنذار في العديد من دول أوروبا النافذة اقتصادياً مثل فرنسا والدانمارك وألمانيا. وقد سبق أن عبّرت ألمانيا عن قلقها على لسان وزير خارجيتها الأسبق، زيغمار غابرييل، حين قال: "ستنجح الصين في تقسيم أوروبا إذا لم تكن لدينا استراتيجية موحّدة للوقوف بوجهها".

الولايات المتحدة الأميركية بدورها في حالة ترقّب لمآلات المبادرة. وهي التي لا تخفي عداءها المستشري للصين، وقد تبدّى بأخطر صوره في اتهام يوهان بمسؤوليتها عن انتشار جائحة كوفيد 19 وإخفائها المعلومات عن طبيعة المرض والمريض رقم 1، ناهيك عن الحرب التجارية بين البلدين وانتقادات واشنطن اللاذعة لانتهاكات بكين المستمرة لحقوق الإنسان في هونغ كونغ، ورؤية بايدن على أن العدو الأول لأميركا يكمن في حكومة بكين الشيوعية وطموحاتها الغامضة.

الصين تدرك أن الطريق إلى تحقيق طموحاتها تمرّ عبر البوابة الإيرانية المفتوحة على دمشق حيث النفوذ المطلق لأذرع طهران العسكرية المتحكمة في القرار السياسي لقصر المهاجرين

الأمر المقلق أيضاً لواشنطن وأغلب الدول العربية هو انتعاش العلاقات الصينية الإيرانية حتى بدا البلدان وكأنهما يدخلان في حلف غير معلن، وعلى العديد من الصعد منها السياسية والثقافية والاستثمارية.

وتحكم العلاقات الإيرانية - الصينية مجموعة من المحددات التي ساعدت على تقوية العلاقات بينهما. يتعلق المحدد الأول بالأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط في السياسة الصينية حيث تُعد مصدراً للطاقة والاستثمار فضلاً عن كونها وجهة لرأس المال والعمال الصينيين. ومن هذا المنطلق نجد بكين ساعيةً نحو توطيد وجودها في المنطقة سواء سياسياً أو عسكرياً، ولم تجد أفضل وأسرع من البوابة الإيرانية لتحقيق هذا الغرض نظراً لعلاقات الصداقة والتحالف بين البلدين الممتدة على مدار الزمن، متجاهلة علاقاتها مع الدول العربية ولاسيما دول الخليج وموقف هذه الدول من حلفها مع إيران التي تعيث فساداً وإرهاباً في المنطقة بأسرها.

فالصين تدرك أن الطريق إلى تحقيق طموحاتها تمرّ عبر البوابة الإيرانية المفتوحة على دمشق حيث النفوذ المطلق لأذرع طهران العسكرية المتحكمة في القرار السياسي لقصر المهاجرين.

وبينما أتمّت الصين مهمتها في دعم استمرار نظام الأسد وتمكينه سياسياً من إعادة سيطرته على مساحة كبيرة كان قد فقدها خلال مواجهاته مع المعارضة السورية، فقد آن لها أن تستوفي ما استثمرته في السنوات العشر الأخيرة، وأن تظهر جلياً على رقعة شطرنج المشهد المعقّد في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة الأميركية ومصالحها على الأرض السورية...

فما واشنطن بفاعلة؟!