icon
التغطية الحية

رفع علم الاحتلال في السويداء يثير الجدل ويكشف انقساماً في الخطاب الاحتجاجي

2025.08.02 | 10:19 دمشق

545
أثار رفع علم الاحتلال الإسرائيلي موجة جدل واسعة
 تلفزيون سوريا ـ إسطنبول
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- حادثة رفع علم الاحتلال الإسرائيلي في السويداء أثارت جدلاً حول الرموز المستخدمة في الاحتجاجات، حيث اعتبرها البعض تصعيداً واختراقاً رمزياً، بينما رأى آخرون أنها سلوك فردي لا يمثل المحافظة، داعين لاحتواء الموقف.
- الدكتور رضوان زيادة يرى أن الحادثة محاولة لاستغلال الحراك لأجندات سياسية، بينما يشير الدكتور كمال عبدو إلى أن التيار الانعزالي قد يكون الغالب في السويداء، مما يعكس تعقيدات الوضع الداخلي.
- النقاش حول الدور الإسرائيلي وتأثيره على الدروز أكد على ضرورة الحوار الوطني وتوسيع المشاركة السياسية لتجنب الاعتماد على الدعم الخارجي.

أثار رفع علم الاحتلال الإسرائيلي في ساحة الكرامة بمدينة السويداء أمس الجمعة موجة جدل واسعة، امتدت من الأوساط الشعبية إلى النقاشات السياسية والإعلامية، وطرحت تساؤلات جدية حول طبيعة التحوّلات التي يشهدها الخطاب داخل بعض حركات الاحتجاج في المحافظة.

جاءت الحادثة في ذروة التوتر الداخلي، وتزامنت مع إعلان وزارة العدل السورية عن تشكيل لجنة للتحقيق في الأحداث الأخيرة بالسويداء، ما زاد من حساسية التوقيت، ورسّخ الانطباع بأن ثمة تصعيداً في الرموز والشعارات المستخدمة يخرج عن الإطار الوطني المتعارف عليه.

ورغم أن بعض الفعاليات المدنية سارعت إلى التنصل من الواقعة واعتبارها سلوكاً فردياً، رأى آخرون أن ما جرى يعكس اختراقاً في البنية الرمزية للحراك، ويدفع نحو توظيف سياسي قد يُستثمر ضد مطالب سكان المحافظة.

ما دلالات رفع العلم؟

تعليقاً على الحدث، قال الدكتور رضوان زيادة، الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: "شيء مؤسف للغاية، ولا أعتقد أن هذه الحادثة تمثّل ساحة الكرامة. أنا زرت ساحة الكرامة وافتخرت بالتصوير فيها، واللقاء مع أبرز ناشطي السويداء، وأعتقد أنه لا يحق لعلم الاحتلال الإسرائيلي أن يُرفع مع صور خلدون الزين، الذي كان أول منشق من السويداء وانضم إلى الجيش الحر، أو مع صور غياث مطر. هذه الصور المرفوعة في ساحة الكرامة لا يشرفها أن يُرفع معها علم الاحتلال الإسرائيلي".

وأضاف في لقاء مع تلفزيون سوريا: "أعتقد أن هذه الحادثة لا تمثل السويداء، ولا تمثل أولئك الذين حافظوا على ساحة الكرامة وصانوها حتى أصبحت ساحة للكرامة والحرية بشكل حقيقي. لذلك أرى أنها حادثة فردية، وربما هؤلاء الأشخاص يريدون الانتفاع، أو مغرَّر بهم بشكل أكيد، لأن الاحتلال الإسرائيلي لن ينصفهم، ولن يساعدهم، ولن يحميهم".

وأشار إلى أن "الاحتلال الإسرائيلي موجود فقط لقصفهم واحتلال مزيد من الأراضي السورية. ولذلك، يجب على عقلاء السويداء الآن، وكذلك عقلاء الشعب السوري ككل، أن يحاولوا احتواء السويداء واحتضانها بشكل كبير، لأننا لا نريد لمثل هذه الأصوات أن تتزايد أو تتكاثر. ونؤكد باستمرار أن هذه أصوات معزولة، ولا تمثل الصوت الحر في السويداء".

من جهته، قال عميد كلية العلوم السياسية في جامعة الشمال، الدكتور كمال عبدو: "أتمنى أن يكون الأمر كما تفضل الدكتور زيادة، أن تكون هذه قلة عابثة صادرت القرار في السويداء بأكملها لصالح أجندات طائفية، أجندات خاصة، لكن ما نراه للأسف الشديد، أو ربما قد أخطأنا التقدير، أن التيار الانعزالي أو الطائفي أو الانفصالي هو اليوم الغالب في السويداء، وهذه حقيقة لا تُنكرها العين. وبالتالي، لو كان هناك بالفعل تيار وطني، لو كان هناك من يفضلون التقارب مع دمشق على التقارب مع تل أبيب، ربما لاحظنا ردة فعل".

ووفق عبدو، "على أقل تقدير، هذه ليست إساءة فقط لساحة الكرامة ولا للسويداء، بل إساءة لكل سوري. لا يمكن القبول برفع علم إسرائيل على أرض سورية تحت أي ظرف كان. والله لو طالبت السويداء أو طالب هؤلاء بالانفصال عن الدولة دون رفع علم إسرائيل، لربما احترمنا موقفهم على أقل تقدير، وقلنا إنهم يريدون وطناً لأنفسهم، وطناً يعتاشون عليه".

واستدرك: "لكن أن يتم رفع علم إسرائيل، فهذا استفزاز لكل العرب والمسلمين. على أقل تقدير، إن لم يحترموا تضحيات السوريين، فليحترموا أهلنا في غزة. للأسف الشديد، لا أعلم. تطور الأحداث كان دراماتيكياً وسريعاً جداً، ودفع الناس دفعاً نحو هذا التيار".

ولفت إلى أن "هذا التيار، الذي يقوده الهجري، كان تيار أقلية في السويداء، لكنه تضخم، وتطور الأحداث دفع به إلى الصدارة. هو اليوم، صحيح أنه يصادر القرار الوطني في السويداء، لكن له أتباع، وله عسكريون، وله سياسيون، وله رجال دين. هذا تيار قوي لا يمكن الاستهانة به، والتعويل على المكون الوطني لوحده في السويداء لم يعد يجدي نفعاً".

وبحسب عبدو، فإن الأمر "يحتاج إلى تكاتف كل السوريين، كما تفضل الدكتور زيادة، لأننا اليوم أمام مسؤولية عظيمة جداً. لا سمح الله، خسارة أي جزء من الوطن لصالح إسرائيل في قادم الأيام ستدفعنا دفعاً إلى خسارة أجزاء أخرى من هذا الوطن لصالح إسرائيل، وهذا لا يريده أي عاقل في سوريا على الإطلاق".

ما دور الدولة والتيارات المحلية؟

يعتقد الدكتور زيادة أن "أهالي السويداء يدركون تماماً أنهم ليس بقدرتهم الاعتماد على إسرائيل. وأعتقد أن الدروز، بشكل أو بآخر، انقسموا إلى دروز مع إسرائيل، ودروز في لبنان، ودروز في سوريا، وأرى أن دروز سوريا ولبنان لديهم مواقف وطنية مشرفة خلال القرن الماضي. لذلك، من غير المقبول تقريباً لأي شخص مثلي أو أي شخص آخر أن يزايد على هؤلاء".

وقال: "من خلال زياراتي المتكررة إلى السويداء ولقائي مع الكثير من المثقفين والناشطين هناك، يمكنني التأكيد أن الخط الوطني هو الخط الغالب بلا شك، وأن الأقلية أو الأصوات المنفردة تؤثر وتشوّش"، معتقداً أن الهجري اختطف الصوت الدرزي في السويداء. ولذلك، هو لا يمثل الخط الوطني، ولا يمثل الغالبية في السويداء.
 

وتابع: "هناك شكوك كبيرة، فالمشكلة أن لقبه الديني هو (الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز)، ولا يحتفظ الحناوي وجربوع بهذا اللقب، بسبب أقدمية عائلة الهجري. وقد تسلّم مشيخة العقل من شقيقه الذي كان يشغل هذا الدور سابقاً. لذلك، أعتقد أن الوقت قد حان للتفكير جدياً على مستوى سوريا، ودروز سوريا ولبنان، وحتى على المستوى الوطني السوري، في كيفية فك الارتباط بين الهوية الطائفية الدرزية والانتماء الوطني، ليس هناك تناقض: تستطيع أن تكون درزياً، وتستطيع أن تكون سورياً، وتستطيع أن تكون وطنياً. لكن الاشتغال من منطق طائفي في الحقل السياسي هو المشكلة".

ووفق زيادة، بالنسبة لأي مراقب خارجي، "هناك مشكلة ما في الحكم مع الأقليات. نعم، هناك عوامل خارجية كبيرة، منها التدخل الإسرائيلي، وفلول وبقايا نظام الأسد، لكن بالنسبة لنا كسوريين، وبالنسبة للحكومة، يجب أن نفكر في العوامل الداخلية التي يمكن السيطرة عليها، كيف يمكن أن ينفتح الحكم السياسي بحيث يشعر الجميع بالمشاركة المجتمعية والسياسية، بحيث تبقى هذه الأصوات المنعزلة والمنفردة خارج التيار العام؟ لأنه لا يمكن في ظل حرية الرأي والتعبير إسكات كل الأصوات، لكن عندما يكون التيار الغالب، أو التيار الرئيسي كما يقال في العلوم السياسية، هو التيار الوطني المعتدل، والداعم للدولة في مرحلتها الانتقالية، فإن الأصوات الفردية تنكشف وتخبو تدريجياً".

بدوره، قال الدكتور عبدو: "نريد توصيف الواقع كما هو. قول الحقيقة أحياناً لا يعني أننا ضد هذا التيار أو ذاك. نحن نريد أن نصل إلى الحقيقة. هناك مشكلة حقيقية اليوم بين المكون الدرزي وحكومة دمشق. فهل أساس هذه المشكلة ينبع من شيء طائفي؟ لنفترض جدلاً أن هناك تعارضاً بين الانتماء للطائفة والانتماء للوطن، بالتأكيد الناس سيتحصنون خلف طوائفهم، وهذا أمر طبيعي جداً".

وأوضح أن "زيارة أفيخاي أدرعي إلى بعض قرى جبل الشيخ تأكيد على أن إسرائيل تقف مع الدروز قولاً وفعلاً. إسرائيل وقفت عسكرياً مع الدروز، وقصفت صحنايا، وقصفت محيط دمشق، وفي الفترة الأخيرة قصفت الأركان، وحتى قصر السيد الرئيس"، ووجهت تهديداً مباشراً للقيادة السورية. الإسرائيليون يتحدثون علناً: "هؤلاء إخوتنا".

وتابع: "أنا مع مشاركة الجميع، وأن يشارك الجميع في الحكم، وفي الحوار الوطني، وأن يتم توسيع الحوار الوطني ليشمل أشهراً وأعواماً، لا مشكلة في ذلك. المهم أن يشارك الجميع، وأن نتخلى عن فكرة أن الآخر سيدعمنا. اليوم، الإسرائيلي لا يستخدم الدروز حباً بالدروز. هو يقول: (هؤلاء إخوتنا)، لكنهم ليسوا إخوة، والجميع يعلم ذلك. إسرائيل تستخدمهم كورقة، أو كطريق للعبور إلى سوريا، لتفتيت سوريا".

وأكمل: "اليوم الدروز، وغداً الأكراد، وربما بعدها العلويون، ثم الإسماعيليون، فالمسيحيون، وهكذا ستنتهي سوريا من الخريطة. إسرائيل اليوم تقدّم نفسها كداعم للدروز قولاً وفعلاً، تقدم مساعدات مادية وعينية وسلاحاً، ويقال إن هناك ضباطاً إسرائيليين يوجدون في المنطقة الجنوبية بشكل مباشر للإشراف على تطور الأوضاع".

ويرى عبدو أن "الخروج من هذا المأزق التاريخي الذي وجدنا أنفسنا فيه هو أمر صعب وشاق جداً. ربما لا أملك الحلول، وربما حتى الحلول هي خارج مقدرات الحكومة. هناك اليوم مشكلة بيننا كمجتمع سوري، مشكلة في النظرة إلى الآخر، وهناك تدخل إقليمي أيضاً".