icon
التغطية الحية

رغيد الططري يفتح ذاكرة السجون.. من تدمر وصيدنايا إلى فجر الحرية في طرطوس|فيديو

2026.08.15 | 13:13 دمشق

1
الطيار السوري والمعتقل السابق رغيد الططري يفتح أبواب ذاكرة السجون وعذاباتها - تلفزيون سوريا
 تلفزيون سوريا - خاص
+A
حجم الخط
-A

أمضى رغيد الططري عقودا داخل سجون النظام المخلوع، لكن ذاكرته خرجت منها مثقلة بتفاصيل لم تستطع السنوات محوها: رفاق ماتوا أمامه، أمٌ في التسعين أجبرت على السير بعد زيارته، ابن رآه للمرة الأولى بعدما بلغ السادسة عشرة، وقناصة في صيدنايا كانوا، وفق روايته، يستهدفون رؤوس السجناء مباشرة.

هذه الشهادة القاسية قدمها الطيار السوري والمعتقل السابق رغيد الططري خلال برنامج "يا حرية" الذي يعرض على شاشة تلفزيون سوريا، مستعيدا محطات من تجربته بين تدمر وصيدنايا وطرطوس، من وفاة حافظ الأسد داخل أسوار تدمر، إلى استعصاء صيدنايا عام 2008، وصولا إلى فجر الثامن من كانون الأول 2024، حين فتحت أبواب سجن طرطوس وقيل للمعتقلين: "كل واحد يروح لحال سبيله".

ولا تبدو شهادة الططري مجرد سرد لمسار اعتقال طويل، بقدر ما تكشف كيف تتحول حياة السجين مع مرور السنوات إلى مواجهة يومية مع الموت والخوف والفقد، وكيف يمكن للسجن أن يمتد خارج الزنزانة ليطول العائلة، قبل أن تنتهي الرحلة أخيرا بباب فتح بعد عقود من الانتظار.

وفاة حافظ الأسد.. الخبر يصل إلى تدمر

كان الططري في سجن تدمر عندما توفي حافظ الأسد، ويتذكر بدقة المكان الذي كان فيه لحظة وصول الإشارات الأولى إلى المعتقلين.

يقول إنه كان في "الباحة الرابعة"، داخل الغرفة رقم 10، وكان يتولى في ذلك الوقت مسؤولية الغرفة إلى جانب المسؤولية الصحية فيها، واصفا المهمتين بأنهما من أصعب المسؤوليات داخل السجن.

وفي صباح ذلك اليوم، دخل الطعام إلى المعتقلين، لكن حركة الحراس وسرعتهم أثارت انتباهه.

ويقول الططري: "شفتهم مستعجلين، قلت لرفقاتي بالغرفة في شيء غير طبيعي". لم يكن لدى السجناء مصدر يمكنهم من معرفة ما يجري خارج الأسوار، لكن بعد فترة قصيرة سمع الططري كلاما يأتي من الأعلى: "مستحيل يموت هذا، رب ما بيموت".

فهم المعتقلون أن الحديث يدور حول حافظ الأسد، لكنهم لم يكونوا متأكدين من وفاته. ويقدر الططري أن درجة يقينهم وصلت في البداية إلى نحو 80 بالمئة، قبل أن تتوالى المؤشرات ويسمعوا هتافات "حافظ الأسد ما بيموت"، ليتأكدوا من وفاته.

لكن موت حافظ الأسد، بالنسبة إلى الططري، لم يكن يعني انتهاء المشكلة.

فبعد سنوات من الاعتقال، كان قد وصل إلى قناعة بأن القضية لا تتعلق بشخص واحد، وإنما بالنظام نفسه.

ويقول إن هذا الوعي كان قد بدأ يتشكل لديه منذ محاولة اغتيال حافظ الأسد عام 1980، مضيفا: "صار عنا وعي إنه لو قتل حافظ الأسد بيجي غيره"، لأن هناك، وفق تعبيره، نظاما قائما له قواعده ومخططاته".

"مات قدامنا ونحن عم ناكل"

من تدمر أيضا، يستعيد الططري واحدة من أقسى الصور التي بقيت في ذاكرته، ليس بسبب موت أحد المعتقلين فقط، وإنما بسبب الطريقة التي تحول بها الموت مع مرور السنوات إلى جزء من الحياة اليومية داخل السجن.

كان توزيع الطعام يجري ضمن مجموعات، تضم كل واحدة منها ثمانية سجناء، بطريقة تهدف إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المساواة في توزيع الحصص.

وفي إحدى المرات، جلس الططري ورفاقه لتناول الطعام، وكان بينهم معتقل يتذكر أنه من منطقة سرجة.

فجأة، أصيب الرجل بأزمة صحية وتوقف عن التنفس.

وكان بين المعتقلين أطباء، يذكر الططري من بينهم الدكتور فواز شربك، لكنهم لم يستطيعوا إنقاذ الرجل الذي فارق الحياة أمام رفاقه.

يقول الططري: "مات قدامنا ونحن عم نتفرج عليه وعم ناكل، وتوزعت حصته للبقية".

يدرك الططري قسوة الصورة التي يرسمها، لذلك يوضح أن استمرار السجناء في تناول الطعام لم يكن نتيجة قلة إنسانية، وإنما نتيجة سنوات طويلة غيرت علاقتهم بالموت.

فالمعتقل لا يستطيع إنقاذ رفيقه، ولا يملك نقله إلى المستشفى، ولا يستطيع تغيير ما حدث.

ويقول: "صرنا نتقبل الموت شيء عادي"، مضيفا أن وفاة أحد المعتقلين كانت تدفع بعض رفاقه إلى التفكير بأنه انتهى من معاناته: "مو حسد، بس إنه هذا ارتاح".

آخر الخارجين من سجن تدمر

عندما أغلق سجن تدمر في تموز 2001، بدأ نقل من بقي فيه من المعتقلين إلى سجون أخرى.

ويقول الططري إنه كان من آخر من خرجوا من السجن، وإن طيارا آخر يدعى رفيق حمامي خرج بعده.

ويضيف: "طلعت أنا، كنت آخر واحد طالع من سجن تدمر، بعدي واحد اسمه رفيق حمامي، كمان طيار".

بعد ذلك نقل إلى سجن صيدنايا، لتبدأ مرحلة أخرى من حياته خلف القضبان.

وما تزال ذاكرته تحتفظ بتفاصيل المكان الذي عاش فيه هناك: الغرفة والجناح، مكان المطبخ والحمام، الستارة التي كانت تفصل أجزاء الغرفة، وحتى الزاوية التي نام فيها عند وصوله.

ويذكر الططري أن صديقه سامر مندو كان موجودا في الغرفة، وأنه نام إلى جانبه، قبل أن يغادر مندو بعد أيام وينتقل الططري إلى مكانه.

النوم على الأرض وتلفزيون للجناح كله

في البداية، لم تكن هناك أسرة داخل الغرفة، لذلك كان المعتقلون ينامون على الأرض، قبل أن تدخل الأسرة في مرحلة لاحقة.

ويتحدث الططري عن تفاصيل الحياة اليومية في صيدنايا، فيقول إن باب الجناح كان يفتح قرابة السادسة أو السابعة صباحا، ويبقى مفتوحا خلال ساعات النهار، ما كان يسمح للسجناء بالحركة داخل الجناح.

وكان يسمح لهم بالنزول إلى الباحة لمدة تقارب الساعة يوميا.

أما الطبخ، فكان يجري أحيانا في ممر الجناح، في حين كان المعتقلون يقضون بعض الوقت في لعب الورق أو الطاولة.

وكان هناك جهاز تلفزيون واحد للجناح كله، يتنقل بين الغرف. وعندما يصل دور غرفة الططري، كان عدد الموجودين فيها يرتفع أحيانا من ثمانية معتقلين إلى نحو عشرين شخصا يتجمعون لمشاهدة التلفزيون.

ورغم هذه التفاصيل التي كانت تمنح المعتقلين مساحة محدودة للحياة، بقي التفقد المسائي والعدد الدقيق للسجناء قاعدة لا تتغير.

"غايتنا نعذب أهلكم"

من أكثر الجوانب التي يتوقف عندها الططري في شهادته تأثير السجن على عائلة المعتقل.

ويقول إنه كان يرى أن المعتقل غير المتزوج يمتلك، بطريقة ما، مساحة أكبر من الحرية النفسية مقارنة بمن ترك خلفه زوجة وأطفالا.

حتى إنه شعر في بعض الفترات بالندم لأنه تزوج وأنجب طفلا قبل اعتقاله، ليس ندما على أسرته، وإنما لشعوره بأنه تسبب لها بمعاناة امتدت سنوات طويلة.

ويقول: "الآلام اللي بالسجن بتشعر إنه آلامهم أكثر من آلامك، لأن هم متعذبين عليك ومتعذبين بحياتهم، أنت متعذب بالسجن".

وتختصر حادثة عاشتها والدته جانبا من تلك المعاناة.

كانت والدته تبلغ نحو 90 عاما عندما جاءت لزيارته في صيدنايا.

وبعد انتهاء الزيارة، قيل للأهالي إن الحافلة المخصصة لنقلهم تعطلت، واضطروا إلى قطع المسافة سيرا على الأقدام.

يقول الططري إن والدته، وهي في التسعين، اضطرت إلى السير مسافة تقارب كيلومترا.

وعندما اعترض المعتقلون وسألوا إدارة السجن عن سبب معاملة عائلاتهم بهذه الطريقة، يقول إن الإجابة التي تلقوها كانت مباشرة: "نحن غايتنا نعذب أهلكم".

ابنه يبلغ 16 عاما قبل أن يراه

للعائلة مكان آخر بالغ القسوة في ذاكرة الططري.فقد مرت سنوات طويلة لم تكن خلالها أسرته تعرف حتى ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة. ويقول إن أول زيارة حصل عليها كانت عام 1997، بعد نحو 16 عاما من السجن.

وبحسب شهادته، كانت الزيارة "مدفوعة الثمن"، ودفعت عائلته مقابلها 20 ألف دولار.

جاء والده ووالدته وشقيقه وابنه.

أما ابنه، فكانت تلك المرة الأولى التي يراه فيها الططري.

كان عمره قد أصبح 16 عاما.

يقول: "ابني اللي أول مرة بشوفه… كان عمره 16 سنة عام 1997".

لكن اللحظة التي يفترض أن تكون واحدة من أسعد لحظات حياته تركت داخله شعورا متناقضا.

كان سعيدا برؤية ابنه، لكنه لم يكن يريد أن يكون أول لقاء بينهما خلف قضبان سجن تدمر وتحت رقابة السجان.

ويقول: "فرحت إني شفته، بس منزعج الشكل اللي شفته فيه".

رفض "الاسترحام".. الحرية ليست منحة

خلال وجوده في صيدنايا، عرض على الططري أكثر من مرة تقديم طلب "استرحام"، بما قد يسمح بإخلاء سبيله.

لكنه رفض.

ويتذكر أن مدير سجن صيدنايا آنذاك، العميد طلعت محفوظ، استدعاه إلى مكتبه وطلب منه تقديم الطلب.

وعندما رفض الططري، قال له المسؤول إن موقفه قد يكون نوعا من "كبر الرأس".

لكن الططري أجابه بأن القضية ليست مسألة كبرياء، وإنما مسألة حق.

ويقول إنه شرح موقفه بالقول: "أنا حقي أعرف شو عامل بالضبط، وحقي أطلع بدون ما أقدم طلب استرحام".

ثم ضرب مثالا لمسؤول السجن: إذا كان شخص مدينا لك بمئة ألف ليرة، ثم طلب منك تقبيل يده كي يعيد إليك مالك، فهل تقبل؟

بالنسبة إلى الططري، كانت المعادلة بسيطة: كما أن المال حق لصاحبه، فإن الحرية حق وليست منحة من السجان.

ويقول إن مدير السجن عاد بعد أيام ودخل على المعتقلين وقال لهم: "ما حدا بيطلع منكم غير ليطلع رفيقكم".

وفهم الططري الكلام باعتباره محاولة للضغط عليه وتحميله مسؤولية مصير سجناء آخرين لا علاقة لهم بقراره.

استعصاء صيدنايا.. الهجوم بعد أذان الفجر

يتوقف الططري مطولا عند أحداث سجن صيدنايا التي بدأت في الخامس من تموز 2008.

ويقول إن نحو 1500 عنصر من قوات الأمن شاركوا في عملية اقتحام السجن.

بعد أذان الفجر مباشرة، بدأ المعتقلون يسمعون هتافات "بالروح بالدم نفديك يا بشار"، قبل أن تبدأ القوات باقتحام الجناح الواقع فوقهم.

وبحسب روايته، دخل عناصر الأمن إلى الغرف وبدؤوا بتقييد السجناء وتفتيش أغراضهم، لكن المعتقلين في إحدى الغرف تمكنوا من كسر الجدار والخروج.

وتمكن السجناء من كسر جدران وأبواب والانتقال بين أجزاء السجن، في حين أصبح عدد كبير من عناصر الأمن والجيش داخل المناطق التي بات المعتقلون يسيطرون عليها.

ويقدر الططري عدد هؤلاء بنحو 1100 بين ضابط وعسكري في مرحلة من الأحداث، وهو رقم يورده في شهادته استنادا إلى ذاكرته عن تلك الفترة.

اتصال بإذاعة لندن والتشويش على السجن

وسط الأحداث، تمكن أحد السجناء من إجراء اتصال بإذاعة لندن وإبلاغها بما يجري داخل صيدنايا.

ويتذكر الططري أن المتصل أخبر المذيعة بأن السجناء أسروا مئات من عناصر الأمن.

وعندما سألته عن عدد السجناء، قال إنهم ربما نحو 800 شخص، ما أثار استغراب المذيعة من قدرة هذا العدد على السيطرة على مئات العناصر.

لكن الططري يقول إن المتصل لم يكن يعرف في تلك اللحظة العدد الإجمالي للعناصر الموجودين داخل المناطق التي سيطر عليها السجناء.

وتمكن المعتقلون أيضا من الحصول على هواتف كانت محفوظة في الأمانات واستخدموها للاتصال بالخارج.

لكن الاتصالات لم تستمر طويلا.

ويقول الططري إن معدات وصلت إلى محيط السجن، قبل أن تُقطع الاتصالات ويُفرض تشويش كامل على المنطقة.

"القناصة كانوا يطلقون على الرأس"

استمرت أحداث صيدنايا أشهرا، بحسب رواية الططري. وخلال تلك الفترة، استخدمت قوات الأمن، وفق شهادته، القنابل والرصاص المطاطي والذخيرة الحية.

لكن أخطر ما بقي في ذاكرته كان القناصة. ويقول إن القوات أحضرت قناصة ووضعت بعضهم على منصات مرتفعة، وإنهم كانوا يستهدفون السجين بمجرد ظهوره.

ويضيف: "بس يشوف سجين يطلق عليه براسه، يعني يطلق طلقة قاتلة، مو للتهديد أو شيء". ويؤكد أن السجناء كانوا عزلا ولا يملكون أسلحة.

وبحسب الططري، انتهى الاستعصاء بعد أشهر من المفاوضات، في حين بقي نحو 20 إلى 25 سجينا رفضوا الاستسلام.

ويقول إن قوات الأمن اقتحمت المكان الذي كانوا فيه مستخدمة الأسلحة الرشاشة والقنابل اليدوية، ما أدى إلى مقتلهم.

ولا يجزم الططري بالعدد النهائي لضحايا أحداث صيدنايا، لكنه يقدر عدد السجناء الذين قتلوا منذ بداية الاستعصاء حتى نهايته بنحو 60 إلى 70 معتقلا.

لماذا صفحت جدران صيدنايا بالمعدن؟

خلال حديثه عن صيدنايا، يتوقف الططري أيضا عند الجدران المعدنية التي ظهرت في السجن لاحقا.

ويقول إن هذه الجدران لم تكن موجودة سابقا، وإنما وضعت بعد استعصاء 2008.

وبحسب روايته، جاء "التصفيح" المعدني بعدما تمكن المعتقلون خلال الأحداث من كسر الجدران والانتقال بين الغرف والأجنحة، لتستخدم الصفائح لاحقا في منع تكرار ذلك.

ويستعيد الططري بنية السجن وأجنحته وطوابقه بتفاصيل دقيقة، في ذاكرة مكانية ظلت حاضرة لديه رغم مرور السنوات.

الموت يأخذ الأم والزوجة والأب

خلال سنوات السجن، فقد الططري عددا من أقرب الأشخاص إليه. توفيت والدته عام 2012، ثم توفيت زوجته عام 2018، كما توفي والده خلال سنوات اعتقاله.

ويتحدث عن وفاة والدته بألم خاص، إذ يقول إنه كان يشعر بأن رغبتها في رؤيته خارج السجن كانت أكبر حتى من رغبته هو في رؤيتها. لكن تلك الخسارات ولدت لديه شعورا آخر شديد التعقيد.

فمع رحيل الأشخاص الذين كان يخشى أن تستخدمهم السلطة وسيلة للضغط عليه، شعر بأن إحدى أهم أدوات السجان ضده قد اختفت.

لم يعد هناك من يمكن تهديده بإيذائه لإجباره على تقديم تنازل. ويقول الططري: "ما عاد في أي شيء حدا يساومني فيه". ويصف ذلك بأنه لحظة امتلاك حريته الكاملة، رغم أنه كان ما يزال خلف القضبان.

المحطة الأخيرة.. طرطوس

في المرحلة الأخيرة من اعتقاله، نقل الططري إلى سجن طرطوس. ويقول إنه وصل إليه في كانون الأول 2021، وبقي فيه نحو ثلاث سنوات، حتى الثامن من كانون الأول 2024.

كان موجودا في جناح يعرف باسم "جناح الإرهاب" أو "جناح الشغب"، ويقول إن غالبية الموجودين فيه كانوا من المعتقلين السياسيين، مع وجود سجناء في قضايا أخرى.

وفي الأيام الأخيرة قبل سقوط نظام المخلوع، بدأت أخبار الخارج تصل إلى السجناء.

بعض المعتقلين كانت لديهم، بحسب الططري، صلات بأشخاص يعملون في مؤسسات الدولة أو بالقرب من دوائر السلطة، وبدأت تصل إليهم رسائل بأن المسؤولين تركوا مواقعهم وأن بشار الأسد غادر البلاد.

في المقابل، كان التلفزيون السوري ما يزال يبث رسائل تدعو الناس إلى عدم تصديق الإشاعات والاعتماد على وكالة "سانا" مصدرا موثوقا للمعلومات.

داخل السجن، كان المشهد مختلفا

كان السجناء يشعرون بأن النهاية تقترب. الرابعة فجرا.. "كل واحد يروح لحال سبيله" قرابة الساعة الثانية فجرا من الثامن من كانون الأول 2024، بدأ سجناء طرطوس يطرقون الأبواب.

استمر الطرق والترقب لساعات. ثم، قرابة الرابعة فجرا، جاءت اللحظة التي انتظرها الططري طويلا. فتح مدير السجن الأبواب.

وقال للسجناء، بحسب رواية الططري: "كل واحد يروح لحال سبيله". خرج الططري.

كانت لديه مقتنيات ورسومات وأشياء جمعها خلال سنوات السجن، لكنه لم يحمل كل شيء.

أخذ الأوراق التي اعتبرها مهمة وترك بقية أغراضه خلفه.

وكانت محاميته خديجة منصور وزوجها موجودين في طرطوس، فتولت مساعدته بعد خروجه وأخذته إلى منزلها.

وهكذا انتهت واحدة من أطول رحلات الاعتقال في سوريا. وتقدم شهادة رغيد الططري في برنامج "يا حرية ذاكرة شخصية كثيفة عن السجون السورية، لا تقوم على الأحداث الكبرى وحدها، وإنما على تفاصيل ربما تختصر قسوة التجربة أكثر من الأرقام: معتقل يموت أمام رفاقه وهم يأكلون، أم في التسعين تجبر على السير بعد زيارة ابنها، ابن يبلغ السادسة عشرة قبل أن يرى والده للمرة الأولى، وسجين يرفض "الاسترحام" لأنه يرى أن حريته حق لا يحتاج إلى طلب الصفح للحصول عليه.

أما آخر مشاهد الحكاية، فكان مختلفا.

فبعد عقود كان فيها فتح الباب يعني دخول الحارس، أو التفقد، أو أمرا جديدا من إدارة السجن، فتح باب سجن طرطوس فجر الثامن من كانون الأول 2024.

وهذه المرة لم يدخل منه السجان. خرج منه رغيد الططري.