في العصر الرقمي، لم يعد اللاجئ يواجه تحدياته على الأرض فقط، بل أصبح أيضا هدفا لمعارك من نوع آخر، تخاض بالكلمات والصور والرموز على شاشات الهواتف وأجهزة الحاسوب. وفي حين يواصل مئات اللآلاف من السوريين المقيمين في مصر رحلة التكيف والعمل وبناء حياة جديدة، تنهال عليهم موجات من الكراهية الإلكترونية، تشكك في نواياهم وتحملهم مسؤولية أزمات ليسوا طرفا فيها.
وبين تعاطف شعبي ملموس في الشارع، وتنمر إلكتروني "شرس" على المنصات الرقمية، تطرح هذه المفارقة سؤالا مؤلما، هل تكفي الكلمة الطيبة في الدفاع عن اللاجئ السوري؟ أم أن المعركة الرقمية بحاجة إلى أدوات أعمق، تتجاوز المجاملات الفردية نحو خطاب مجتمعي عادل؟
كراهية خلف الشاشات
منذ اندلاع الثورة السورية ولجوء مئات الآلاف من السوريين إلى مصر، شكل حضورهم في الفضاء العام –ومنه الفضاء الرقمي- مادة خصبة للجدل.
وبالرغم من الترحيب الشعبي منذ سنوات اللجوء الأولى، بدأت نبرة النقاش تتبدل تدريجيا على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصا في فترات الأزمات الاقتصادية.
تتكرر عبارات مثل "السوريون أخذوا عملنا" أو "فتحوا مشاريع وسيطروا على السوق"، وتترافق أحيانا مع دعوات كانت مبطنة لطردهم وتقليص حقوقهم، ثم تحولت إلى دعوات علنية وهاشتاغات بعنوان" ترحيل اللاجئين السوريين من مصر".
يرى الباحث المصري في علم الاجتماع ، عامر محمد، أن خطاب الكراهية الإلكتروني ضد السوريين ليس ظاهرة منعزلة، بل يرتبط بثلاثة مخاور رئيسية، منها الأزمة الاقتصادية التي تجعل اللاجئ يبدو وكأنه منافس، وضعف الخطاب الإعلامي المسؤول، وغياب التوعية الرقمية.
يقول الباحث لموقع تلفزيون سوريا، إنه في ظل نقص الوعي حول حقوق اللاجئين، تنتشر الصور النمطية بسرعة كبيرة، الصورة التي تقول أن كل لاجئ غني أو يحصل على دعم دولي ضخم، لا تعكس الواقع.
ويُقدر عدد السوريين المسجلين لدى المفوضية السامية للاجئين في مصر بحوالي 150 ألف لاجئ، تقلصت في الفترة الأخيرة أعدادهم، كما تناقصت أعداد الحاصلين منهم على مساعدات تدريجيا، حتى أنها تكاد تكون معدومة.
في حين وصلت أعداد المقيمين منهم في مصر إلى مليون ونصف المليون سوري، يحصلون على إقامات بأنواع مختلفة.
هل تنجح الكلمة الطيبة وحدها؟
أمام هذا السيل من التنمر والكراهية، يظهر صوت آخر، وهو صوت التعاطف، ومبادرات الدفاع عن اللاجئين بإختلاف جنسياتهم.
وتعتبر معظم المنشورات أو التعليقات على مواقع التواصل منصفة وعادلة بحق السوريين، حيث تصفهم "بالشعب المحب للعمل" ، كما يشير بعضهم الآخر إلى النجاحات الاقتصادية التي حققها السوريون بفترة تجاوزت العشر سنوات، وكيف أسهموا بتوفير فرص عمل لعدد كبير من المصريين، ورفضوا انتظار المساعدات. لكن هل تكفي هذه الكلمات لمواجهة آلة الكراهية الإلكترونية؟
تجيب الناشطة في قضايا اللاجئين هبة محسن، وتقول إن "التعاطف جميل، لكنه غير كاف، المطلوب هو تدخل مؤسسي، قوانين تجرم خطاب الكراهية، وسياسات منصات تواصل أكثر صرامة، وإعلام يقدم قصص السوريين بإنصاف".
وتتابع، "الكلمة الطيبة تهدئ، نعم، لكنها لا تبني سياج حماية، نحن بحاجة إلى خطاب مضاد، منظم، ومدعوم بالمعلومات والحقائق".
انحصار خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي
رغم ضجيج الكراهية على منصات مثل "فيس بوك" و"تيك توك" و "إكس" إلا أن المفارقة الكبرى أن هذا الخطاب غالبا ما يبقى حبيس الشاشات. ففي الحياة اليومية، يبدي معظم المصريين تعاونا واحتراما تجاه السوريين، سواء كجيران أو زملاء عمل أو زبائن في الأسواق.
تقول رنا جلال، وهي سورية تعيش في حي مدينة نصر، "أحيانا أخاف عندما أقرأ منشورات عنصرية، تحرض على السوريين وتطالب بترحيلهم، ولكن عندما أغلق هاتفي وأنزل إلى الشارع وأتعامل مع المصريين أشعر أنني في بلدي، ومع أصدقائي وجيراني، الجميع يبتسم في وجهي ويقولون كلاما طيبا".
شيماء سيف الدين، مواطنة مصرية، ترى أن الخطاب الإلكتروني لا يعكس المزاج الشعبي الحقيقي، بقدر ما يعكس استقطابا رقميا تتحكم فيه "لجان إلكترونية" هدفها خلق فتنة بين شعبين عاشا معا لسنوات، حيث تضخم هذه اللجان صوت الغضب وتهمش صوت التعاطف.
وتضيف شيماء، "نحن كمصريين نشعر بالانزعاج من هذه الحملات التي تستهدف جميع إخوتنا العرب، سوريين وسودانيين، حتى السعوديين، نحن شعب مضياف وحكومتنا رحبت بأي شخص عربي استغاث بها، يجب أن لا تؤثر هذه اللجان على صورة مصر كحاضنة للعرب، كما أن من ينزل إلى الشارع يدرك أنه لا مكان للعنصريين بيننا".
خطاب الكراهية ضد اللاجئين لا يعبر عن إجماع، بل هو ضجيج أقلية نشطة على الإنترنت، وفي حين لا تزال الكلمة الطيبة قادرة على التخفيف من الجرح، إلا أن مواجهته الحقيقية تحتاج إلى وعي جماعي، ومؤسسات مسؤولة، ومساحات رقمية تدار بإنصاف وعدالة.
بعد سقوط الأسد.. لماذا لم يعودوا؟
في الآونة الأخيرة وبعد التغييرات السياسية في سوريا على إثر سقوط نظام بشار الأسد، إلا أن الواقع أن عدد من السوريين في مصر لا يرون خيار العودة واقعيا بالنسبة لهم، حتى مع زوال سبب لجوئهم.
حيث استقرت أعداد كبيرة منهم، نشأت بينهم وبين المصريين علاقات مصاهرة، وأصبحوا شركاء في المشاريع، وزملاء في الدراسة، وليس من السهل أن تهدم سنوات من الاستقرار.
كما أن عدد من الراغبين بالعودة لديهم صعوبات كثيرة تتمثل بفقدانهم لبيوتهم، وأعمالهم، والاضطرار إلى البدء من الصفر من دون أساس ثابت.
رائد الحلبي، سوري مقيم في مصر يقول، "بالتأكيد سنعود، ولكن الأمر ليس سهلا كما يتصوره من يحرض علينا على الإنترنت ويطالب بترحيلنا، حيث أنا قضينا سنوات لاندماج والاستقرار، ليس من السهل اقتلاع كل هذا بعدة أشهر والعودة بدون ترتيبات مسبقة، كما أن عدد كبير منا هنا ملتزمون بمدارس وجامعات و أعمال أخذت من أعمارنا سنوات".
ويضيف رائد، "هناك عائلات فقدت بيوتها خلال الحرب، إلى أين سيعودون؟ يجب أن تقوم الحكومة السورية بوضع خطة لعودة هؤلاء، لا يمكن بين ليلة وضحاها أن يعود مئات اللآلاف".