مع ارتفاع درجات الحرارة في دمشق وريفها، تتجه مئات العائلات نحو بيت جن ومزرعة بيت جن في أقصى ريف دمشق الغربي، بحثاً عن الهواء البارد والمياه الجارية والمساحات الخضراء، لتتحول المنطقة خلال فصل الصيف، وخصوصاً في أيام العطل، إلى واحدة من أبرز وجهات التنزه القريبة من العاصمة، في الوقت الذي أثرت توغلات الاحتلال الإسرائيلي السابقة على الموسم بشكل عام.
وعلى الطريق المؤدي إلى بيت جن، تتتابع السيارات وحافلات الرحلات والمكاتب السياحية منذ ساعات الصباح، محملة بالعائلات ومستلزمات السيران، قبل أن تتوزع على المنتزهات والمطاعم المنتشرة قرب مجرى نهر الأعوج ونبع العين وبين البساتين شديدة الخضرة.
وتقع بيت جن على السفوح الشرقية لجبل الشيخ، على مسافة تقارب 45 إلى 50 كيلومتراً من دمشق، ويمنحها ارتفاعها الذي يزيد على ألف متر عن سطح البحر مناخاً أكثر اعتدالاً عن مدينة دمشق وضواحيها بما لا يقل عن 5 إلى 7 درجات، كما تشتهر المنطقة بالينابيع والبساتين والمسارات الجبلية والمواقع الطبيعية التي تستقطب الزوار في الصيف والربيع وحتى في الشتاء أحياناً مع هطول الثلوج.
ورصد موقع تلفزيون سوريا المنطقة في زيارة على عدد من المنتزهات والمطاعم والمزارع، برحلة استمرت لعدة ساعات، شربنا فيها من الينابيع الباردة وشاهدنا إقبال السياح المحليين القادمين بحثاً عن الاستجمام على عكس الزبداني وبلودان التي تستقطب بدرجة أكبر السياح العرب والأجانب.
أعداد كبيرة في أيام العطل
وبحسب تقديرات أصحاب منتزهات تحدث إليهم موقع تلفزيون سوريا، تستقبل بيت جن ومزارعها قرابة مئات العائلات في أيام الخميس والجمعة والسبت، في حين تنخفض الأعداد إلى العشرات خلال بقية أيام الأسبوع.
ويقول أبو علي السعدي أحد أصحاب المنتزهات لموقع تلفزيون سوريا، إن الموسم الحالي شهد إقبالاً جيداً بسبب موسم الأمطار الجيد في الشتاء، من سكان دمشق وريفها والقنيطرة وريف درعا، إضافة إلى زوار قادمين من محافظات أخرى، موضحاً أن معظم الحجوزات تتركز بين الظهر إلى ما قبل حلول المساء، وقد تمتلئ الجلسات بالكامل في أيام الذروة.
ويضيف أن الزوار يفضلون الجلسات القريبة من المياه والأشجار، في حين تختار بعض العائلات المزارع والأراضي المفتوحة لإعداد الطعام بنفسها، بهدف تخفيض كلفة الرحلة.
وتتنوع الخيارات بين منتزهات توفر الطاولات والمقاعد والمسابح الصغيرة وأماكن ألعاب الأطفال، ومطاعم تقدم المأكولات والمشاوي، إلى جانب جلسات بسيطة تؤجر للعائلات ليوم كامل.
ما هي تكاليف الجلسات في بيت جن؟
من جانبه، قال أبو أمجد صاحب منتزه آخر، في مزرعة بيت جن لموقع تلفزيون سوريا إن الإقبال على المنتزهات خلال الموسم الحالي ما يزال دون التوقعات، على الرغم من توافد الزوار، ولا سيما في أيام العطل ونهاية الأسبوع.
وأضاف أن أصحاب المنتزهات كانوا يتوقعون أعداداً أكبر من الزوار هذا العام، إلا أن ارتفاع تكاليف الرحلات انعكس على حركة الإقبال، موضحاً أن القادم من دمشق يتحمل أجور المواصلات، إلى جانب تكاليف حجز الجلسة والطعام والاحتياجات الأخرى، ما يجعل الرحلة مكلفة بالنسبة إلى كثير من العائلات.
وبيّن أن كلفة دخول الشخص أو حجز مكان له تتراوح غالباً بين 10 آلاف و15 ألف ليرة سورية على الشخص، بحسب اليوم وحجم الإقبال، إذ تكون الأسعار والحركة أخف في منتصف الأسبوع، في حين ترتفع يوم الجمعة نتيجة لزيادة عدد الزوار.
وأشار إلى أن المنتزهات توفر أنواعاً مختلفة من الجلسات، تشمل الكراسي والمصاطب والجلسات العائلية، في حين يحضر بعض الزوار تجهيزاتهم أو عرباتهم الخاصة. وتختلف الأسعار بحسب مساحة الجلسة وتجهيزاتها وعدد الأشخاص الذين تستوعبهم.
وأوضح أن كلفة بعض الجلسات الكاملة تتراوح بين 150 ألفاً و200 ألف ليرة سورية، في حين تتوافر جلسات أصغر بأسعار أقل، لافتاً إلى أن إحدى الجلسات المخصصة لشخصين أُجّرت بنحو 75 ألف ليرة مراعاة لعائلته الصغيرة.
وأضاف أن سعر الجلسة لا يُحتسب دائماً وفق عدد الأشخاص، إذ تُحجز بعض الجلسات بسعر كامل ومحدد، نظراً إلى المساحة التي تشغلها والتجهيزات المقدمة فيها، حتى إن كان عدد الزوار قليلاً.
وقدّر صاحب المنتزه عدد الزوار في المنطقة يوم الجمعة بما يتراوح بين 300 و400 شخص، يتوزعون على عدد من المنتزهات والاستراحات، في حين ينخفض العدد بصورة ملحوظة خلال أيام الأسبوع العادية.
وأكد أن المنتزهات تحاول توفير معظم احتياجات الزوار، بما في ذلك أماكن الشواء والمناقل وبعض المستلزمات، كما يمكن للعائلات إحضار الطعام والتجهيزات الخاصة بها، في حين تُقدّم بعض الخدمات الإضافية مقابل رسوم منفصلة.
ما أبرز الشكاوى الموجودة؟
ويشتكي بعض الزوار من ارتفاع الأسعار وعدم وجود لوائح موحدة وواضحة في بعض المنشآت، في حين يقول أصحاب المنتزهات إن تكاليف الحياة وارتفاع الأسعار والتضخم في سوريا انعكس على الأسعار مثل أي مكان.
وقال أحد الزوار لموقع تلفزيون سوريا إن الرحلة إلى بيت جن تبقى أقل كلفة من المصايف الأخرى مثل بلودان، خصوصاً عند تقاسم أجرة السيارة وإحضار الطعام من المنزل، مضيفاً أن الطبيعة والمناخ البارد يجعلان المنطقة خياراً مناسباً للعائلات.
وأضاف أن اختيار بيت جن لقربها من العاصمة جديدة عرطوز بريف دمشق، حيث نسلك طريق اتوستراد السلام الذي نسير فيه من مفرق عرطوز حتى سعسع ومن ثم نسير باتجاه بيت جن، قرابة 45 دقيقة فقط.
وأشار إلى أن بيت جن ومزرعة بيت جن، تشبه الجنة فعلاً، مياه وخضرة وأشجار فاكهة، كما أن أصحاب المنتزهات لطيفين والأسعار مقبولة إلى حد كبير.
من جانب آخر، يشكو الزوار والأهالي من ضيق أجزاء من الطريق وكثرة الحفر وغياب الإنارة ليلاً، إضافة إلى الازدحام الشديد في أيام العطل، وغياب أماكن كافية لوقوف السيارات قرب بعض المنتزهات.
كما تظهر الحاجة إلى زيادة حاويات القمامة وتنظيم عمل المنشآت السياحية ومراقبة الأسعار وشروط النظافة والسلامة، مع الحفاظ على مجاري المياه والبساتين من المخلفات التي يتركها بعض الزوار.
ويؤكد سكان المنطقة أن الحركة السياحية توفر فرص عمل موسمية للشباب، وتنشط المطاعم والدكاكين وبيع المنتجات الزراعية الموسمية والمحلية، إلا أنها تحتاج إلى خطة خدمية تحافظ على الطبيعة وتمنع البناء العشوائي والتلوث.
هل أثرت توغلات الاحتلال الإسرائيلي على الإقبال؟
وألقت توغلات الاحتلال الإسرائيلية السابقة في المنطقة بظلالها على الموسم السياحي بشكل عام، وأثارت مخاوف لدى بعض من العائلات، ولا سيما القادمة من دمشق والمحافظات البعيدة، في الوقت الذي يصر معظم السوريين على حقهم في الحياة في أراضيهم وبلدهم.
وسجلت المنطقة خلال الفترة الماضية تحركات وتوغلات عسكرية إسرائيلية ترافقت في بعض الحالات مع إطلاق نار وإقامة حواجز مؤقتة وعمليات اعتقال، ما تسبب بحالة من القلق بين السكان والزوار.
وكان آخر توغل قد نفذه الاحتلال تسبب باستشهاد 13 مدنياً وإصابة 25 آخرون من جراء قصف نفذته مروحيات ومدفعية جيش الاحتلال الإسرائيلي على بلدة بيت جن بريف دمشق في 28 تشرين الثاني 2025، بالتزامن مع توغل دورية عسكرية داخل البلدة واعتقال ثلاثة شبان، قبل انسحابها وتمركزها على أطراف المنطقة.
وأدت الهجمات إلى وجود عائلات تحت الأنقاض وتعذر دفن الضحايا، وسط نزوح واسع للنساء والأطفال وكبار السن نحو القرى المجاورة، في وقت تزامن فيه التصعيد مع قصف مدفعي على ريف القنيطرة وتوغلات إسرائيلية أخرى قرب تل أحمر شرقي.
وقال أبو عمر، أحد أصحاب المنتزهات في بيت جن لموقع تلفزيون سوريا، إن تأثير هذه الحوادث لا يقتصر على يوم التوغل نفسه، بل يمتد إلى الأسابيع اللاحقة، إذ تتردد العائلات في القدوم إلى منطقة شهدت تحركات عسكرية أو إطلاق نار، حتى بعد عودة الهدوء إليها.
وأضاف أن بعضاً من الزوار يتصلون قبل موعد الرحلة للاستفسار عن الوضع الأمني وحالة الطريق، وما إذا كانت المنطقة آمنة لاستقبال العائلات، مشيراً إلى أن انتشار بعض الأخبار التي يكون بعضها غير دقيق قلل من قدوم كثير من العائلات.
وبيّن أن العائلات القادمة من دمشق وريفها تتحمل تكاليف المواصلات والطعام وحجز الجلسات، ولذلك لا ترغب بالمجازفة بالتوجه إلى المنطقة في حال وجود مخاوف أمنية، إذ يفضل بعض الزوار اختيار متنزهات أخرى، حتى إن كانت أكثر كلفة، تجنباً للمخاوف الأمنية، بحسب رأيه.
من جانبه قال أحد الزوار إن "الاحتلال الإسرائيلي لم يعد يتوغل منذ أشهر، ونحن كسياح سوريين مصرين على نمط حياتنا خصوصاً بعد سقوط بشار الأسد ونعيش أيامنا وليالينا بفرح وسرور وسعي في الحياة".
ومن الجدير بالذكر، أنه لم يحدث أي توغل آخر للاحتلال في بيت جن وما حولها منذ الاقتحام الأخير والمواجهة الشعبية التي حصلت، الأمر الذي حسّن الأوضاع الأمنية بشكل عام في المنطقة، وفق ما رصد موقع تلفزيون سوريا.











