في مشهد بدا مفاجئًا وغريبًا في آن، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال خطاب في الرياض عن نيته رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، متمنيًا لها "التألق". لكن هذا التفاؤل لم يدم طويلًا؛ إذ سرعان ما فرضت إدارته أعلى رسوم جمركية في تاريخ العلاقات التجارية مع دمشق والعالم بأسره، وصلت إلى 41%. في وقت تتلمس سوريا طريقها نحو إعادة الإعمار بعد سقوط نظام الأسد، وفي حين تسعى حكومتها الانتقالية إلى استقطاب الاستثمارات، جاءت هذه الرسوم كعقبة جديدة تعرقل أي انفتاح اقتصادي، وتطرح تساؤلات حول النوايا الأميركية الحقيقية تجاه مستقبل هذا البلد المنهك.
يعرض موقع تلفزيون سوريا هذا التقرير في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع رفع العقوبات عن سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية شبكة سي إن بي سي ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، من دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.
وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:
خلال شهر أيار، وفي خطاب وجهه إلى جمهور كله حبور في فندق ريتز-كارلتون بالرياض، أدهش الرئيس الأميركي دونالد ترامب سامعيه عندما أعلن عن نيته إصدار أمر يقضي برفع كامل العقوبات الأميركية عن سوريا، بعد أن بقي معظمها مفروضاً على ذلك البلد طوال عقود خلت.
قال ترامب وقتئذ: "حان الوقت الآن للتألق.. بالتوفيق يا سوريا".
ولكن بعد فترة تقل عن ثلاثة أشهر، أصابت إدارة ترامب سوريا في مقتل بعد أن فرضت عليها أعلى نسبة لرسوم جمركية تفرض على أي بلد في العالم، وهذه النسبة وصلت إلى 41%.
غير أن التبادل التجاري بين سوريا والولايات المتحدة ضعيف بسبب العقوبات المفروضة على سوريا منذ أمد بعيد، ولكن هنالك تجارة تتم بين البلدين فعلياً، إذ في عام 2023، صدرت سوريا بضائع إلى الولايات المتحدة وصلت قيمتها إلى 11.3 مليون دولار، وذلك بحسب مرصد التعقيدات الاقتصادية، كما استوردت بضائع أميركية بقيمة 1.29 مليون دولار، أي أن هنالك اختلالا في الميزان التجاري الأميركي مع هذا البلد الفقير الموجود في الشرق الأوسط.
أعلن ترامب بأن الضرائب التي تفرضها إدارته تهدف إلى معالجة حالات الاختلال في الميزان التجاري، بما أن هذه الضرائب كانت تفرض بناء على حسابات تعرضت لانتقادات كبيرة وذلك لأنها طبقت في نيسان على كل بلد بالاعتماد على أرقام العجز التجاري. كما أن ترامب لم يعلق على الملف السوري بشكل خاص.
ولكن في الوقت الذي يواجه هذا البلد شبح عملية إعادة بناء الدولة التي دمرتها حرب امتدت قرابة 13 عاماً بقيادة حكومة جديدة لم تسيطر على السلطة تماماً، أصبح البلد بحاجة لكل مساعدة يمكن أن تقدم له، وليس لمزيد من العقوبات كما رأى محللون من منطقة الشرق الأوسط.
يعلق على هذا الحدث جورجيو كافيرو وهو المدير التنفيذي لشركة Gulf State Analytics المتخصصة باستشارات المخاطر، فيقول: "بعد سنوات من الحرب الأهلية المدمرة، أصبح البلد بحاجة ماسة لاستثمارات أجنبية كبيرة ومباشرة حتى تبدأ بعملية إعادة الإعمار والتنمية الطويلة والصعبة.. وفي الوقت الذي اعتبرت عملية رفع أغلب العقوبات الأميركية والبريطانية والأوروبية بمثابة تطور رحبت به دمشق كونه يسعى لتحقيق طموحاتها الاقتصادية، فإن فرض واشنطن اليوم لرسوم عالية يهدد بتقييد أي فرصة لقيام عملية تبادل تجاري مهمة مع الولايات المتحدة.
دولة منهارة
صنفت الإدارة الأميركية سوريا ضمن الدول الراعية للإرهاب منذ عام 1979، ثم فرضت أول حزمة من العقوبات الأميركية على سوريا في عام 2004 ومن ثم في عام 2011 بعد أن شن نظام الرئيس السابق بشار الأسد حملة قمع دموية ضد المظاهرات المناهضة للنظام.
وخلال السنوات الأربع عشرة التي أعقبت ذلك، دمرت الحرب البلد بشكل كبير، كما أسهم في ذلك العنف الطائفي والهجمات الإرهابية الدموية، ناهيك عن سيطرة تنظيم الدولة على أجزاء من سوريا في عام 2014، وهذا ما دفع التحالف الدولي لشن حملة قصف كبيرة بهدف القضاء على هذا التنظيم المتطرف.
أذهلت عملية إسقاط نظام الأسد عبر هجوم مباغت شنته ميليشيات مناهضة للأسد في كانون الأول من عام 2024 المجتمع الدولي وخلقت أملاً بانفتاح هذا البلد المدمر على بداية جديدة. وحالياً، يقود الحكومة الانتقالية في سوريا الرئيس الجديد أحمد الشرع، الذي بايع تنظيم القاعدة في السابق لكنه أعلن بأنه تغير وصلح حاله بعد ذلك.
ما تزال سوريا تخضع لجملة من العقوبات الدولية، أقساها تلك التي فرضتها الولايات المتحدة، لكونها تطبق على أي طرف ثالث أيضاً، وهذا ما يمنع بقية الدول والكيانات من عقد أي صفقة تجارية مع هذا البلد.
منذ فترة قريبة، ومنذ أن رفع ترامب العقوبات عن سوريا بشكل رسمي في حزيران الماضي، استقبلت سوريا وفوداً أرسلتها دول عديدة، كان من بينها الوفد الأميركي، ووفود الدول الخليجية الثرية التي تعهدت بدعم عملية إعادة الإعمار والاستثمار فيها. وفي الوقت عينه، اندلع العنف الطائفي في مناطق مختلفة من سوريا، كما تعرضت لوابل من القصف الإسرائيلي.
يذكر أن ثلثي شبكة الكهرباء السورية خارجة عن الخدمة، وذلك بحسب ما أعلنته منظمات إغاثية، كما تعاني مدن سورية كبرى، مثل حلب ودمشق، من انقطاع الكهرباء لساعات طويلة قد تصل إلى أكثر من عشرين ساعة في اليوم، في حين لا وجود للكهرباء نهائياً في أغلب المناطق الريفية وتلك التي دمرت خلال النزاع.
يعلق على ذلك إتش آي هيلير وهو أستاذ بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة بلندن، فيقول: "هذا ليس باقتصاد يعاني بل إنه اقتصاد بات على شفير الانهيار خاصة خلال الأشهر القليلة الماضية، ولكن يمكن منعه من الانهيار في حال اتخذت خطوات عملية لدعمه ومنحه فرصة للتعافي.. لذا فإن أي خطوة تنحرف عن هذا الاتجاه أراها غاية في الخطورة".
مؤخراً، أعلنت قطر عن مشروع سيقوم من خلاله صندوق التنمية القطري بشراء الغاز لتزويد سوريا به، بحيث ينقل من أذربيجان عبر تركيا، ليصل إلى أكثر من خمسة ملايين إنسان، مع توقعات بتحسين ساعات إمداد الطاقة الكهربائية بشكل يومي لتصل إلى 40%.
يحدثنا فهد السليطي وهو المدير العام لصندوق قطر للتنمية كيف لا بد لسوريا أن تعتمد بشكل كبير على المساعدات التي تصلها من قطر والسعودية والأمم المتحدة، غير أن الرسوم التي فرضت اليوم ستضرب عرض الحائط باحتمال تطوير علاقات تجارية مفيدة مع الولايات المتحدة، كما ذكر هذا الرجل بأن قطر بقيت على تواصل وثيق مع الحكومة الأميركية حتى تتمكن من دعم سوريا، وأضاف: "إننا نتعاون عن قرب مع شركائنا في الولايات المتحدة، ولهذا ومنذ اليوم الأول.. نتعاون بشكل وثيق مع وزارة الخزانة... ونسعى لإقناعهم بإقامة نظام اقتصادي جيد".
هل ثمة "قيود" على الحكومة السورية الجديدة؟
يرى مراقبون اقتصاديون بأن مجرد فرض نسبة رسوم جمركية تعادل 41% لن يؤثر كثيراً على الاقتصاد السوري المدمر، بما أن حجم التجارة بين البلدين ضعيف جداً.
وهنا يقول كافيرو: "إن رمزية هذا القرار تحمل معان أكبر بكثير مما تشير إليه الأرقام التجارية، إذ إن تخصيص سوريا لوحدها بأعلى رسوم جمركية، حتى بعد تخفيف معظم العقوبات المفروضة عليها، يعتبر بمثابة رسالة واضحة ومحسوبة من إدارة ترامب، مفادها: إن واشنطن مستعدة لتخفيف قبضتها الاقتصادية على سوريا في مرحلة ما بعد تغيير النظام، ولكن ذلك لن يتم إلا بموجب شروط يحددها البيت الأبيض".
يرى كافيرو بأن أحد تأويلات ذلك هو كون هذه الرسوم فرضت كأسلوب للضغط على دمشق حتى تطبع العلاقات مع إسرائيل التي بقيت تشن هجمات على سوريا وتحتل أراضيها، وأضاف: "من هذا المنطلق، فإن السياسة الاقتصادية تشبه "القيد" الذي صمم ليكون قابلاً للتعديل وذلك بحسب السلوك السياسي لحكومة الشرع وللتطورات التي تحدث على الأرض".
فيما حذر محللون متخصصون بمجال الأمن من انعدام الأمن في أجزاء من سوريا، واحتمال أن يتحول ذلك إلى حرب مباشرة وأزمة إنسانية كبيرة في حال عدم حصول سوريا على الدعم الاقتصادي والإنساني والدبلوماسي الذي تحتاج إليه.
أعرب المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، عن دعمه ودعم واشنطن الكامل لسوريا ولحكومة الشرع، كما أعلن مؤخراً عن مشاريع استثمارية في سوريا تدعمها كل من الولايات المتحدة وقطر.
ولم يتبين إن كان هذا الرجل يؤيد فرض إدارة بلده لتلك الرسوم على سوريا أم لا، كما أن وزارة الخارجية الأميركية والبيت الأبيض لم يردا عندما طلب منهما التعليق على الموضوع.
ختاماً نقول: قد تترتب على تلك الرسوم عواقب اقتصادية مباشرة لكنها محدودة، غير أنه "لا يجوز التقليل من أثرها النفسي والدبلوماسي"، بحسب تحذيرات كافيرو الذي أضاف: "إن قراءتي للحدث ترى بأن تلك الرسوم تعبر عن نية واشنطن بالاحتفاظ بنفوذها وسيطرتها على مستقبل سوريا".
المصدر: CNBC