icon
التغطية الحية

رسائل داخلية وخارجية.. كيف تغيرت ملامح الخطاب السياسي في أكبر معارك سوريا؟

2024.12.04 | 23:55 دمشق

آخر تحديث: 2024.12.05 | 10:58 دمشق

55555552
إدارة عملية "ردع العدوان"
إسطنبول - عبد الناصر القادري
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- أظهرت هيئة تحرير الشام تطورًا في خطابها السياسي عبر "إدارة الشؤون السياسية"، حيث أصدرت بيانات متعددة اللغات تؤكد التزامها بحماية المدنيين واحترام التنوع الثقافي والديني، مع إشارة زعيمها إلى إمكانية حل الهيئة لتمكين البنى المدنية والعسكرية.

- أصدرت الإدارة رسائل موجهة إلى روسيا، العراق، والأقليات السورية، داعية إلى التعاون الإقليمي واحترام التنوع، مما يعكس رغبة الهيئة في تقديم نفسها ككيان سياسي مرن.

- تظل هناك تساؤلات حول جدية الهيئة في تنفيذ رؤيتها المدنية، خاصة في ظل التحديات بإدارة مدينة حلب المتنوعة، وإقناع المجتمع الدولي بجدية تجاوز إرثها العسكري.

بيانات مستمرة ومتدفقة منذ اليوم الأول لعملية "ردع العدوان" تصدرها "إدارة الشؤون السياسية" التابعة لحكومة الإنقاذ العاملة في إدلب، والتي تعد امتداداً سياسياً لغرفة إدارة العمليات العسكرية، حملت تطوراً واضحاً في الخطاب السياسي لمجموعة عسكرية تمكنت من السيطرة على كامل محافظة إدلب، وكامل مدينة حلب وتتجه نحو مركز مدينة حماة وسط سوريا.

ولم تقتصر بيانات "إدارة الشؤون السياسية" على تطمين المكونات والطوائف والأقليات والإثنيات في حلب وبقية المدن السورية، بل وجهت بيانات إلى دول وحكومات متعددة بلغات مختلفة شملت الإنكليزية والروسية.

وبعد مقاطع الفيديو التي ظهر فيها قائد عملية "ردع العدوان" وزعيم هيئة تحرير الشام أبو محمد الجولاني "أحمد حسين الشرع" وهو يزور قلعة حلب، أحد أبرز رموز المدينة، والتي بدت كرسالة سياسية جريئة في الظهور العلني في خضم عملية عسكرية، نُشر أول تصريح سياسي له بالتزامن مع الصور المنتشرة على كل وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

هيئة انتقالية وحل "تحرير الشام"

وقال الجولاني لمجموعة الأزمات الدولية إنه سيتم إدارة حلب من قبل هيئة انتقالية، مشيراً إلى أنّ هيئة تحرير الشام تفكر في حل نفسها لتمكين ترسيخ البنى المدنية والعسكرية.

وقالت المستشارة الأولى في مجموعة الأزمات الدولية دارين خليفة في سلسلة تغريدات على حسابها بمنصة "إكس"، "في حين أنه من السابق لأوانه معرفة كيف ستتعامل هيئة تحرير الشام والفصائل الأخرى مع تحديات الحكم في حلب، يبدو أن المناقشات الداخلية جارية بالفعل". 

وأوضح الجولاني لمجموعة الأزمات أن "المدينة ستحكمها هيئة انتقالية، وسيتم توجيه المقاتلين، بما في ذلك من هيئة تحرير الشام، إلى مغادرة المناطق المدنية في الأسابيع المقبلة، وسيتم دعوة البيروقراطيين لاستئناف وظائفهم. وسيتم احترام الأعراف الاجتماعية والثقافية المتميزة للمدينة، للمسلمين والمسيحيين بكل تنوعهم".

وأضاف: "حتى أن هيئة تحرير الشام تفكر في حل نفسها لتمكين الدمج الكامل للهياكل المدنية والعسكرية في مؤسسات جديدة تعكس اتساع المجتمع السوري".

وتعد هذه التصريحات بشأن إدارة حلب ذات إشارات سياسية متعددة يمكن قراءتها في ضوء الديناميات المحلية والإقليمية والدولية المرتبطة بتطورات ما يجري في سوريا على الأرض اليوم، ورغبة من قبل الجولاني نفسه بإعطاء انطباع أن هيئة تحرير الشام تغيرت إلى غير رجعة، وتسويق سياسي ككيان مستعد للتكيف مع متطلبات الحكم المدني بدلاً من البقاء في جمود التنظيم العسكري المؤدلج.

ومن المرجح أن المظاهرات ضد هيئة تحرير الشام والتي سبقت العملية بقرابة عام قد أسهمت في تغيرات كثيرة ضمن البنية العسكرية للهيئة وكذلك في  تفكير الجولاني ومن معه.

وإن نفذ الجولاني هذه الخطوة فهو يستبق الانتقادات التي سيواجهها مثل تفرده بالسلطة واحتكاره للثروات والمكاسب في ظل خصوصية مدينة بحجم حلب من حيث الحجم والتنوع السكاني والمد التاريخي والثقافي.

السياسة على قدر وتيرة المعركة

وبالعودة إلى البيانات السياسية التي أصدرتها "إدارة الشؤون السياسية" (التي أسست في نيسان عام 2022) سنرى تنوعاً كبيراً في موضوعاتها وطريقة كتابتها وخلوها من الكليشيهات الدينية المعتادة بالنسبة للفصائل الإسلامية واقتصارها على البعد والرسائل السياسية، إلى جانب أن فريق الإدارة قد أجرى جولات وزيارات ميدانية في حلب:

لماذا نفذت العملية؟

وبعد إطلاق عملية "ردع العدوان" في 27 من تشرين الثاني 2024، أصدرت "إدارة الشؤون السياسية" بيانها الأول بعد يومين من بدء العملية وتحقيقها نجاحاً كبيراً وصولاً إلى حلب في توضيح لخوض المعركة محلياً ودولياً، مؤكدة أنها لوقف العدوان المستمر ضد سكان شمال غربي سوريا، ولإعادة المهجرين إلى بيوتهم مع إدانة جرائم النظام السوري وميليشياته، ودعوة المجتمع الدولي ووسائل الإعلام العالمية والصحفيين المهتمين لكشف الحقائق ودعم الثورة السورية.

رسالة إلى روسيا

البيان الثاني الذي أصدرته الإدارة، كان موجهاً إلى روسيا التي تدعم النظام السوري سياسياً وعسكرياً منذ بداية 2011، في استنكار للقصف العشوائي على مدينتي إدلب وحلب، مؤكداً أنه يتسبب بخسائر بشرية ومادية كبيرة ويطيل معاناة الشعب السوري.

ودعا البيان روسيا إلى عدم ربط مصالحها بالنظام السوري، بل العمل على بناء علاقات إيجابية تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مع اعتبار روسيا شريكاً محتملاً في مستقبل سوريا الحرّة.

وهنا بدا البيان براغماتياً فهو من جانب يدين التصعيد الروسي، ويؤكد سلمية أهداف الثورة السورية، ومن جانب يدعو روسيا لإعادة النظر في سياساتها تجاه سوريا والعمل كشريك في بناء مستقبل أفضل للشعب السوري.

إلى أهل نبل والزهراء

تعد مدينتا نبل والزهراء (ذات غالبية شيعية) شمال حلب، وأحد أبرز مراكز الحرس الثوري الإيراني وحزب الله في حلب، وقبل السيطرة عليها، أصدرت إدارة الشؤون السياسية بيانها الثالث رسالة إلى سكانها مؤكدة على التزام المقاتلين بالعدالة وحماية المدنيين، وتدعو أهالي نبل والزهراء لرفض الانحياز للنظام ومشاريعه الإيرانية، وهم جزء من السوريين، ويجب ألا يكونوا عرضة لأي استهداف قائم على الانتماء المذهبي أو العرقي.

كما يشدد على بناء سوريا جامعة لكل أبنائها، تقوم على الكرامة والعدالة وترفض أي محاولات لتفتيت النسيج المجتمعي.

وكان البيان الأول من نوعه الذي يتوجه إلى أقلية شيعية تنبهت لوجودها إيران مبكراً وتمركزت ميليشيات تابعة لها في تلك المنطقة، وحاولت أن تستغل مذهبية سكانها لصالح النفوذ الإيراني في المنطقة.

رسالة إلى الفرق الأجنبية والدبلوماسية

تعد حلب من أكثر المدن السورية تنوعاً من الناحية الدينية والإثنية والثقافية، كما يوجد بها العديد من القنصليات والممثليات والمدارس الأجنبية.
وبعد دخول حلب واستقرار أوضاعها، أصدرت الإدارة ذاتها، رسالة إلى جميع الفرق الأجنبية والدبلوماسية داخل حلب التواصل مع أرقام اتصال معينة لضمان سلامتهم وتأمين مراكز آمنة لهم باللغتين العربية والإنكليزية.

وتبع ذلك بيان آخر أكّدت فيه التزامها الكامل بحماية القنصليات والمراكز الثقافية والتاريخية في مدينة حلب، معتبرة أن ذلك يمثل جزءاً من مسؤولياتها تجاه استقرار المدينة وتعزيز العلاقة مع المجتمع الدولي.

وشددت على حماية المقدسات الدينية، مثل الكنائس والمساجد، بالإضافة إلى المراكز الثقافية والمدارس المتنوعة، لضمان استمرار الحياة الطبيعية والحفاظ على النسيج الثقافي والتاريخي للمدينة، مشيرة إلى أهمية حماية حقوق المدنيين من جميع الطوائف والمكونات السورية.

إلى الحكومة العراقية

دعمت حكومات العراق المتعاقبة (جميعها مقربة من إيران) خلال السنوات الماضية النظام السوري، وسمحت بوجود ميليشيات "الحشد الشعبي" في عدة مناطق من سوريا، ولكن الحكومة العراقية مؤخراً أغلقت الحدود العراقية السورية بشكل كامل بما بدا منعاً لمرور تلك الميليشيات لدعم النظام. وفي سياق ذلك، أصدرت إدارة الشؤون السياسية بياناً يؤكد على العلاقة الأخوية الراسخة بين الشعبين السوري والعراقي، ومشدداً على أن الثورة السورية تهدف إلى الحرية والكرامة دون تهديد لأمن أو استقرار العراق أو أي دولة أخرى. كما تطمئن حكومة الإنقاذ السورية العراق بالتزامها بتطوير التعاون الأخوي لتحقيق استقرار المنطقة والمصالح المشتركة للشعبين.

البيان يعكس خطاباً سياسياً حريصاً يسعى إلى تهدئة المخاوف العراقية، وبناء قاعدة للتعاون الإقليمي لضمان استقرار المنطقة وتعزيز المصالح المشتركة.

رسائل إلى الأكراد والعلويين وأهالي سلمية ومحردة

ومع عمليات التقدم العسكري لعمليات "ردع العدوان" في محافظة حماة التي تضم العديد من القرى المتنوعة دينياً ومذهبياً وطائفياً، أصدرت "إدارة الشؤون السياسية عدة بيانات.

وفي الرسالة إلى الأكراد أكّد البيان أنهم جزء أصيل من الهوية السورية والنسيج الوطني، ويتمتعون بحقوق متساوية مع كل مكونات الشعب السوري. كما يدين الانتهاكات التي تعرض لها الأكراد على يد تنظيم "داعش"، ويرفض أي محاولات للإخلال بالتعاون بين المكونات السورية. 

ودعا الأكراد للبقاء في مناطقهم الأصلية بحلب، مع ضمان أمنهم، ويؤكد أن التنوع الثقافي والاجتماعي هو مصدر قوة لسوريا المستقبل التي تقوم على العدالة والكرامة للجميع.

وفي رسالة الإدارة إلى العلويين، دعا بيانها أبناء الطائفة العلوية في ريف حماة إلى فك ارتباطهم بالنظام السوري الذي استخدمهم لتمزيق النسيج الوطني السوري، ويؤكد على أهمية مشاركتهم في بناء سوريا المستقبل الموحدة، الخالية من الطائفية والقمع. كما يشدد على أن التغيير قد يكون صعباً، لكنه ضروري لتحقيق الحرية والكرامة والعدالة لجميع السوريين.

أما بما يخص الرسالة إلى سكان سلمية ذات الأغلبية "الإسماعيلية" فقد قالت إدارة الشؤون السياسية في بيان يؤكد التزام الثورة السورية بحماية المدنيين وصون أرواحهم بعيداً عن أي استهداف أو تهديد.

ودعا البيان أهالي مدينة سلمية وجميع السوريين إلى التكاتف ضد الظلم والاضطهاد، ورفض استغلالهم كأدوات لاستمرار حكم النظام الطائفي. كما شدد على بناء سوريا المستقبل كدولة تتسع للجميع دون تهديد للنسيج الاجتماعي، مؤكداً على أن تحقيق هذا الطموح يعتمد على تعاون الشعب السوري بكل مكوناته للخلاص من استبداد النظام.

الرسالة إلى سكان محردة، لم تصدر عن إدارة الشؤون السياسية، إنما أصدرتها القيادة العامة وعلى لسان أبي محمد الجولاني، إذ ورد فيها: "يدعو القائد أبو محمد الجولاني قواته إلى حسن معاملة أهالي مدينة محردة ذات الأغلبية المسيحية، مذكراً بوصايا الإسلام والرسول صلى الله عليه وسلم في التعامل بالرحمة والخير، كما يطمئن أهالي المدينة بضمان حماية ممتلكاتهم ورفض أي أعمال قسرية أو نفسية يمارسها النظام عليهم، مطالباً إياهم بعدم مغادرة بيوتهم والبقاء في أمان".

وتبدو هذه الرسائل أنها تعكس خطاباً سياسياً مدروساً يسعى إلى بناء هوية وطنية جامعة، وتوسيع قاعدة الدعم للثورة بين المكونات السورية المختلفة، مع إظهار التزام أخلاقي وإنساني يعزز شرعية الثورة محلياً ودولياً.

2222225

كيف تقرأ هذه البيانات السياسية؟

وهذه البيانات والرسائل السياسية قد تكون ورقية وغير ذات أهمية في حال لم تترجم على أرض الواقع بتطبيق فعلي، وهنا تكمن التحديات الأساسية التي ستواجه قيادة عملية "ردع العدوان" سواء في حل الهيئة العسكرية مستقبلاً أو في تسليم حلب لإدارة مدنية يكون لكل المكونات والتيارات والحركات مشاركة فاعلة فيها، تستطيع نقل حلب إلى وضع أفضل تعطي صورة مختلفة إلى الداخل والخارج عن المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

وفي سياق ذلك قال عبيدة الغضبان باحث الدكتوراه في دراسات الحرب، إن "إدارة العمليات العسكرية" كاسم ومظلة ظهرت مع انطلاق عملية "رد العدوان" في نهاية تشرين الثاني الماضي، وهي حديثة النشأة نسبياً مقارنة بإدارة الشؤون السياسية.

وأوضح الغضبان لموقع في حديث خاص لموقع "تلفزيون سوريا" أن إدارة الشؤون السياسية، هي جسم متماسك وقائم منذ نيسان 2022، حيث بدأت أول بياناتها بالتعليق على تفاصيل مجزرة التضامن في جنوب دمشق. ومنذ ذلك الحين، أي ما يقارب السنتين والنصف أو أكثر، استمرت الإدارة في نشاطها، ما يجعلها كياناً مستقراً".

وأكّد الغضبان أن "خطابها كان متنوعاً، يتناول القضايا الداخلية مثل ذكرى الثورة، تخرج الطلاب، وحوادث داخلية مختلفة، بالإضافة إلى تعليقاتها على الشؤون الخارجية. على سبيل المثال، أصدرت بيانات متنوعة عن تفجير تقسيم (نفذه حزب العمال الكردستاني)، وتوجه حركة حماس نحو التقارب مع النظام، وزلزال جنوبي أفغانستان، حيث كانت تلك الرسائل تصدر بلغات مختلفة بحسب الجمهور المستهدف (مثل الإنجليزية، والتركية، أو اللغات المحلية الأخرى)".

وبيّن الباحث السوري أنه "يمكن القول إن إدارة الشؤون السياسية ليست وليدة اللحظة أو المعركة الأخيرة، بل هي استمرار لعمل سابق تم تنظيمه بشكل مستمر، وإن كان خطابها قد أخذ أبعاداً أكثر كثافة وتركيزاً مؤخراً".

وأشار الغضبان إلى أنه "في المقابل، شهدت هذه الفترة حملة علاقات عامة قام بها الجولاني بالتوازي مع نشاط الإدارة السياسية. تضمنت الحملة لقاءات مباشرة مع الناس، وخطابات موجهة لجماهير محددة مثل الطوائف المسيحية في إدلب، أو النازحين. كذلك، ظهرت فكرة تحرير حلب عدة مرات في خطاباته، وأبرزها في نيسان الماضي".

وفي النهاية، ستبقى تساؤلات كثيرة سورياً ودولياً عن مدى إمكانية أن تكون تصريحات الجولاني وإدارة الشؤون السياسي، تمثل تحولات حقيقية في الخطاب والتنفيذ، وهل ستكون الهيئة فاعلاً مسؤولاً يسعى لإدارة مدينة حلب بطريقة تراعي التنوع الاجتماعي والسياسي والثقافي للمدينة، في استفادة من تجربة "حكم إدلب" وعموم مناطق سيطرة شمال غربي سوريا.

كما أن التحدي الأكبر هو مدى إمكانية تطبيق هذه الرؤية على الأرض بطريقة تُقنع السكان المحليين والمجتمع الدولي بجدية الفاعلين في "ردع العدوان" وحتى المشاركين في عملية "فجر الحرية" على تجاوز إرث عسكري وأيديولوجي بكل حوامله وتداعياته محلياً ودولياً.