"ردع العدوان" وما بعدها.. سردية وطنية بلا "انتقاص" أو "استكبار"

2026.03.10 | 04:08 دمشق

53
+A
حجم الخط
-A

يتجدد الجدل من وقت لآخر حول حقيقة ما جرى في أواخر عام 2024، عبر محاولات إعادة تفسير معركة «ردع العدوان» بوصفها مجرد سيناريو عسكري لتنفيذ تفاهم إقليمي–دولي أفضى إلى استبدال النظام وهروب بشار الأسد، وأنها ليست ثمرةً لمسار طويل – ميداني، عسكري، وأمني، وكذلك سياسي – بلغ ذروته بتحرير حلب ثم حماة وصولاً إلى إسقاط النظام.

في المقابل، وعلى الرغم من بعض التصريحات الإيجابية حول اعتماد عقلية الدولة، ما زالت السلطة الانتقالية ومؤيدوها تعتمد نظرية «النصر الإلهي» في سرد كامل الإنجاز، وتفرض بناءً على ذلك «الشرعية الثورية» في إدارة شؤون البلاد، مع تطبيق استئثاري واضح لشعار «من يحرر يقرر»، متجنبةً الخوض الشفاف في مساهمات أساسية ومجريات عديدة وطويلة سبقت المعركة أو وقعت خلالها. كما تُحجم عن إذاعة تفاهمات أدت – واقعياً – إلى تسليم عاصمة الدولة من دون اقتتال.

الإشكالية الكبرى لم تكن في الاعتراف أو إنكار دور الخارج، بل في طريقة إدارة الداخل للحظة النصر وما بعدها. لقد كان من الممكن، بل من الضروري، أن تُصارح القيادة السياسية والعسكرية الرأي العام بحقيقة التداخل بين الحسم الميداني والتفاهم السياسي.

وبين رواية «الانتقاص» ورواية «الاستكبار»، تبرز الحاجة إلى سردية وطنية متوازنة، تُنصف الوقائع وتحافظ على قيمة التضحيات، ولكن أيضاً تؤسس لمستقبل ذي آفاق تشاركية واسعة.

لفهم «ردع العدوان» ضمن مسار طبيعي بلا لَبْس، لا بد من العودة إلى عام 2020. فمع دخول عقوبات «قيصر» حيّز التنفيذ، دخل النظام مرحلة إنهاك اقتصادي عميق. في الوقت ذاته، أتاح الهدوء العسكري النسبي في الشمال – منذ ربيع العام المذكور – ترسيخ تجربة إدلب وتطوير قدراتها العسكرية والأمنية، وتلقت المنطقة دعماً دولياً إنسانياً واسعاً عبر معبر باب الهوى.

وجاء التحول الجذري بعد السابع من أكتوبر 2023، وصولاً إلى الحرب الإسرائيلية على لبنان في خريف 2024. مع فوز ترمب بالرئاسة، تصاعد القصف الأميركي على الميليشيات المدعومة من إيران في سورية، مترافقاً مع حملة اغتيالات إسرائيلية طالت قيادات الحرس الثوري في دمشق. في تلك الأثناء بدأ انسحاب ميليشيات حزب الله وغيرها من التشكيلات الشيعية من الأراضي السورية، في مسار بدا واضحاً أنه يجري بأمر أميركي وإشراف روسي.

لم تكن هذه التطورات تفصيلاً عابراً، بل عكست مؤشرات وجود تآكل بنيوي في النظام الأسدي وتهتك فادح في كتلته الصلبة وشبكة الدعم التي حمته لسنوات. فالاقتصاد انهار تحت العقوبات، وشبكات الولاء أخذت تتفكك وتتصارع، ليتلوها تراجع القدرات الميدانية. وهكذا، فإن إطلاق معركة «ردع العدوان» في السابع والعشرين من تشرين الثاني لم يكن مغامرة معزولة، بل استثماراً للحظة تاريخية نضجت شروطها العسكرية والسياسية والاقتصادية أيضاً.

ثم كان تحرير حلب تحولاً استراتيجياً حاسماً في ميزان القوى والجغرافيا، مكّن من تجاوز عقدة حماة، وبتضحيات وتكاليف كبيرة، كسرت العمق الدفاعي الذي شكّل ركيزة ثبات النظام طوال خمسة عشر سنة. هذا الواقع لم ينشأ فجأة، ولم يكن نتاج صفقة، بل حصيلة مسار استنزاف طويل أعاد رسم الخريطة السياسية والعسكرية في ظروف وعوامل واضحة وجلية شكلت أساساً موضوعياً للتغيير.

بعد تحرير حماة، ومنذ السادس من كانون الأول، كان الوضع قد اختلف عن ما سبقه. فبعد اختلال ميزان القوة ميدانياً، دخل العامل الإقليمي والدولي بقوة على خط الحسم، ليس بوصفه بديلاً عن المعركة، بل باعتباره استجابةً لتحول فرضته الوقائع. فالعامل الإقليمي والدولي لم يخلق السقوط من عدم، لكنه نظم لحظته بالتأكيد، حيث أصبح بقاء النظام عبئاً حتى على بعض داعميه، وغدا البحث عن مخرج منظم أقل كلفة من الانهيار الفوضوي حاجة إقليمية ودولية.

هنا لعبت التوافقات دوراً حاسماً في استسلام النظام وتسليم مفاصل الدولة، بما جنّب البلاد سيناريوهات اقتتال داخلي أو فراغ شامل يؤدي إلى انهيار الدولة ومؤسساتها بشكل كامل. وكانت خلاصة اجتماع الدوحة في السابع من كانون الأول بين مجموعة من الدول العربية ومسار أستانا واضحة في هذا الاتجاه.

غير أن الإشكالية الكبرى لم تكن في الاعتراف أو إنكار دور الخارج، بل في طريقة إدارة الداخل للحظة النصر وما بعدها. لقد كان من الممكن، بل من الضروري، أن تُصارح القيادة السياسية والعسكرية الرأي العام بحقيقة التداخل بين الحسم الميداني والتفاهم السياسي، وأن تُقدّم سردية متماسكة تُظهر كيف تضافرت العوامل لإنجاز النتيجة، وتقول إن النصر جاء نتيجة لحسن التوقيت واستثمار التحولات وتضافر عوامل الداخل والخارج.

لكن ما حدث كان العكس: جرى التركيز على خطاب «النصر الإلهي» بوصفه تفسيراً مكتفياً بذاته، فصار خطاباً تعبويّاً تحوّل تدريجياً إلى مظلة لشرعية استئثارية، مع تعميم مقولة «من يحرر يقرر» كأساس للشرعية في المرحلة التالية. وقد أدى ذلك إلى نتائج مضطربة، فأُرجئت النقاشات المؤسسية وتأجل تنظيم السلطات الثلاث، ولا سيما مجلس الشعب. حتى في مجال العدالة الانتقالية، فإن التأكيد المستمر على «النصر الإلهي» من دون بناء آليات قانونية واضحة للمساءلة وجبر الضرر أضعف البعد الأخلاقي للتحول.

معركة «ردع العدوان» لم تكن وهماً، ولم تكن صفقة خالصة، بل كانت ذروة مسار استنزاف طويل استثمر لحظة تآكل تاريخية للنظام وشركائه، ثم تداخلت مع حسابات الإقليم والعالم في لحظة الحسم.

أما اقتصادياً، فلم تتبلور حتى الآن رؤية استراتيجية شاملة تعيد الثقة إلى اقتصاد البلاد، ولم يُقدَّم للرأي العام برنامج اقتصادي تفصيلي يشرح الأولويات والتحديات، ولم تُستثمر لحظة التحول لجذب السوريين نحو وطنهم، أو لتحصيل دعم إقليمي ودولي حقيقي مرتبط بإصلاحات واضحة.

لم تُهدَر حتى الآن قيمة تضحيات المعركة، ولن تُهدر أبداً الأثمان الباهظة التي دفعها الشعب السوري خلال أربعة عشر عاماً، لكن جزءاً من الرصيد المعنوي ربما أخذ يتآكل بسبب بطء إطلاق دولة المؤسسات، وبناء السلطات التي تحترم كلّاً منها الأخرى، وكذلك الفوقية التي تدير بها الحكومة الانتقالية ملفات الخدمات الأساسية – الأساسية بالنسبة للمواطن السوري، والأساسية بالنسبة للشرعية التي تقوم عليها هذه الحكومة أصلاً. تلك الشرعية قد تبدأ بالاهتزاز مع التغول المتزايد لرجال نافذين في السلطة التنفيذية في الحياة الاقتصادية للبلاد.

معركة «ردع العدوان» التي أسقطت النظام ليست كافية ليتم الاستناد إليها والاقتصار على من ارتبط بها مباشرة أو دوائرهم من أجل بناء الدولة. فالشرعية الثورية هي لحظة عبور وليست نظام حكم دائم، وإذا لم تتحول إلى شرعية دستورية، فإنها ستصبح عبئاً على السلطة الانتقالية، وتمنح خصومها ذريعة للطعن في مشروعيتها. حين تُختزل الشرعية في مُنجز التحرير، يُفتح الباب أمام إعادة إنتاج منطق الغلبة، ولو بلباسٍ جديد.

هذا ما استغلته الحملات التي تسعى إلى التقليل من قيمة المعركة؛ إذ وجدت في غياب التنظيم المؤسسي ذريعة للقول إن ما جرى لم يؤسس لدولة، بل نقل السلطة من مركز إلى آخر. فالسردية الوطنية لردع العدوان بلا انتقاص ترفض اختزال المعركة في صفقة ترمي بالتضحيات جانباً، ولكنها أيضاً بلا استكبار، فتقر بأن النصر ليس تفويضاً مفتوحاً بالحكم المطلق والشمولي.

معركة «ردع العدوان» لم تكن وهماً، ولم تكن صفقة خالصة، بل كانت ذروة مسار استنزاف طويل استثمر لحظة تآكل تاريخية للنظام وشركائه، ثم تداخلت مع حسابات الإقليم والعالم في لحظة الحسم. غير أن قيمتها التاريخية لن تتحدد بما جرى في أيامها الأخيرة، بل بما يُبنى بعدها. فإذا بقيت أسيرة خطاب تعبوي أو إدارة مغلقة، فستظل فصلاً مثيراً للجدل في تاريخ لم يُحسم بعد. هذا يوجب إجراء مراجعة نقدية شاملة لإدارة المرحلة القادمة، والانتقال نهائياً من منطق «من يحرر يقرر» إلى منطق «الشعب يقرر عبر مؤسساته».