تشهد سوريا تصاعداً في حدة التوترات مع استمرار الصراع بين الأطراف الإقليمية والدولية على النفوذ. تركيا التي تواجه تحديات متزايدة على حدودها الجنوبية، تعمل على تنفيذ استراتيجية شاملة تهدف إلى منع قيام "دولة إرهابية" على حدودها، والقضاء على التنظيمات المسلحة مثل "العمال الكردستاني".
على الجانب الآخر، تواصل إيران تعزيز دورها التقليدي في سوريا، مستخدمة خطاباتها الكلاسيكية التي تحذر من "المؤامرات الأميركية والإسرائيلية". في الوقت ذاته، تسعى أنقرة، بدعم خليجي، إلى تسريع مشروع "طريق التنمية"، الذي يهدف إلى إعادة رسم الخريطة الاقتصادية والسياسية في المنطقة، ما يهدد النفوذ الإيراني ويعقّد العلاقات بين طهران وأنقرة.
إيران، التي تعتمد على استراتيجيات طويلة الأمد، تواجه تحديات غير مسبوقة مع تغير الموازين الإقليمية، بينما تحاول تركيا استغلال الفرص الجيوسياسية لتثبيت موقعها كلاعب رئيسي في المنطقة، خاصة مع التحولات التي قد تطرأ في حال انسحاب أميركي جزئي أو كامل من سوريا والعراق.
استراتيجية تركيا في سوريا
أكد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، أن بلاده "ليست منخرطة في الصراعات الدائرة في حلب"، مؤكداً في الوقت نفسه أن أنقرة "تتخذ احتياطاتها، وستتجنب أي إجراء قد يؤدي إلى موجهة هجرة جديدة".
وخلال كلمة له خلال منتدى "TRT" العالمي، أكد فيدان أن تركيا "اتخذت التدابير اللازمة، ولن تتخذ أي إجراء من شأنه أن يؤدي إلى موجة هجرة جديدة على حدودها".
وتعليقاً على العمليات التي تشنها تركيا ضد حزب "العمال الكردستاني" في سوريا، قال فيدان إن "شريان حياة الجماعات الإرهابية في المنطقة في أيدي الولايات المتحدة، ولا يمكن أن يستمروا حتى ثلاثة أيام دون دعم الولايات المتحدة".
وشدد وزير الخارجية التركي على أن أنقرة "لن تسمح أبداً للبنية الإرهابية في سوريا أن تتحول إلى دولة".
تصريحات فيدان جاءت لتؤكد على استراتيجية تركيا في سوريا المتمثلة بالقضاء على قوات سوريا الديمقراطية "قسد" وحزب العمال الكردستاني ومنع أي موجات هجرة جديدة، وترتيب مستقبل شمال شرقي سوريا بالتنسيق مع واشنطن.
ورغم أن تركيا مازالت تراقب فقط، استطاعت غرفة عمليات "ردع العدوان" خلال أربعة أيام السيطرة على معظم مدينة حلب، إثر معركة مفاجئة لجميع المراقبين وأمام ما يمكن وصفه بصمت دولي وإقليمي.
ويأتي هذا الهجوم المباغت والكبير في وقت تعثّرت فيه جهود التقارب بين النظام وتركيا خلال العامين الماضيين، وكانت تصريحات فيدان الأخيرة صريحة حول رفض النظام للتقارب مع أنقرة والحوار مع المعارضة السورية تشي بفشل القنوات الدبلوماسية التي ترعاها روسيا والدول الضامنة.
يذكر أن صحيفة صباح التركية قالت في آب من العام الماضي، إن أنقرة تسعى لتطبيق "نموذج حلب"، لافتة إلى أن تركيا تتفاوض مع روسيا والنظام بشأن هذه المسألة، حيث تهدف المحادثات لتنشيط الحياة الاجتماعية والتجارية من خلال التركيز على حلب، بالإضافة إلى المناطق الآمنة، معتبرة أنه إذا أعيد إحياء حلب، فسيعود مئات الآلاف من السوريين الذين يعيشون في تركيا إلى بلادهم.
وبالنسبة للمعركة المفاجئة، تقول دارين خليفة الباحثة في مجموعة الأزمات الدولية إن تلك الفصائل كانت تعدّ للهجوم منذ أشهر.
وتوضح لوكالة فرانس برس "قاموا بتصويره على أنه خطوة دفاعية ضدّ تصعيد كان يريد النظام القيام به"، مع تكثيف النظام السوري وحليفه الروسي غاراتهم على المنطقة قبيل الهجوم.
وتضيف خليفة أن الفصائل العسكرية "تنظر أيضا إلى التغيرات الأكبر على المستويين الإقليمي والجيواستراتيجي".
وتقول خليفة "يعتقدون أن هذا وقت يكون فيه الإيرانيون ضعفاء، والنظام محاصر، وتركيا أكثر جرأة إزاء روسيا".
قطع الهلال.. والاتفاق على إخراج إيران من سوريا
ترقب قرارات ترمب بشأن المنطقة، من تقليص للوجود العسكري الأميركي في سوريا والعراق أو سحب للقوات وترتيب المنطقة بناء على مخرجات حرب غزة ولبنان حرك الرمال في الشمال السوري، إذ يعني "الانسحاب الأميركي" إكمال إيران لحدود الهلال من طهران إلى بيروت، ورغم أن هذا المشروع تعرض لضربات قاسية من الولايات المتحدة وخلال الصراع مع إسرائيل إلا أن إيران لن تتنازل بسهولة عن مشروعها الإقليمي، في المقابل تسعى دول الخليج العربي لمنع تحويل سوريا لتكون امتدادا "جيوعسكريا" لإيران، وهنا تبرز تركيا مع عودة ترمب إلى البيت الأبيض لتكون اللاعب الوسيط المناسب لموازنة النفوذ الإيراني المأزوم في سوريا والعراق.
في بداية تشرين الأول اتفق وزراء النقل من العراق وتركيا وقطر والإمارات العربية المتحدة على تشكيل لجنة تنسيق للإشراف المشترك على مشروع "طريق التنمية"، وتوصلوا إلى اتفاق على مذكرة إعلان.
ومع دعم مالي خليجي لمشروع "طريق التنمية"، تتوقع أنقرة أن تبدأ المسارات الأولية لـ "طريق التنمية" بالعمل في وقت مبكر من عام 2027.
الدعم الخليجي لطريق التنمية يسعى في أحد أهدافه إلى موازنة النفوذ الإيراني في بغداد في حال الانسحاب الأميركي الجزئي أو الكامل من العراق، وهو ما تطالب به حكومة رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وتدرسه واشنطن.
الجهود لمد طريق التنمية يتأثر بما يحدث في سوريا التي تتنافس فيها إيران وتركيا، إذ عارضت مؤخرا طهران التطبيع التركي مع دمشق، وحاولت اتخاذ ستتخذ خطوات لتقويض الاستراتيجية التركية الشاملة في "الهلال الخصيب".
فبالإضافة إلى الضغط على النظام السوري لرفض أي اتفاق واسع النطاق مع أنقرة، يمكن لطهران الاستفادة من علاقاتها الطويلة الأمد مع "الاتحاد الوطني الكردستاني" لعرقلة الخطط التركية ضد "حزب العمال الكردستاني" في العراق.
طريق التنمية التركي سيمتد من شمال العراق إلى جنوبه، أي من الحدود العراقية التركية إلى الخليج العربي - بمعنى أوضح، سيقطع "الجسر البري" من الشرق إلى الغرب والذي ساعد إيران في تزويد النظام السوري و"حزب الله" بالأسلحة لسنوات، وهو محور الغارات الإسرائيلية على سوريا.
في 21 من تشرين الأول الماضي، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، ماثيو ميلر، إن الولايات المتحدة تعمل على اقتراح يمنع حصول "حزب الله" على السلاح عبر سوريا، ليعلن بعد أسبوع أن النظام السوري قد يلعب دوراً في منع تهريب الأسلحة عبر سوريا إلى "حزب الله" في لبنان، وكان الإعلام العبري قد وصف بشار الأسد بـ "الشريك الصامت".
المشروع الإيراني للسيطرة
تعرضت الجبهة الأمامية الإيرانية في سوريا ولبنان لضربات قاصمة، ما يدفع بإيران للدفاع عن مشروعها الأصلي للسيطرة انطلاقا من أراضيها، وهو مشروعها النووي.
وكتب رئيس مجلس الشورى الاسلامي محمد باقر قاليباف على منصة إكس معلقا على معركة "ردع العدوان": إن التحركات الجديدة للجماعات الإرهابية التكفيرية هي جزء من المخطط الأميركي والكيان الصهيوني غير الشرعي. وعلى جيران سوريا أن يكونوا يقظين وألا يقعوا في فخ مخططاتهم"، في إشارة إلى تركيا التي تجري العملية العسكرية قرب حدودها.
وأكد قاليباف: "ستدعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور المقاومة الحكومة السورية والشعب السوري ضد المؤامرة الجديدة كما في السابق".
في سياق متصل، أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أنه إن "واصل الغرب تهديداته بممارسة جميع العقوبات الاممية مجددا، فمن المرجح ان يتجه الموضوع النووي داخل ايران الى اقتناء السلاح".
وقالت صحيفة "الغارديان" البريطانية ان عراقجي أعلن ذلك خلال حديثه الى الصحفيين في العاصمة البرتغالية لشبونة قبيل التئام اجتماع المفاوضين الايرانيين والأوروبيين أمس الجمعة في جنيف، وأضافت ان عراقجي وصف هذا الاجتماع بأنه سيكون جلسة عاصفة فكرية ليروا ما إذا كان ثمة سبيل للخروج من المأزق أم لا.
وأضافت أن عراقجي أقر بأنه متشائم إزاء هذا الاجتماع وقال إنه ليس واثقا من أن إيران تتحدث مع الجانب الصحيح.
كذلك أكد نائب رئيس الجمهورية ورئيس منظمة الطاقة الذرية محمد إسلامي بأن البرنامج النووي الإيراني يتسم بالشفافية ويخضع لرقابة الوكالة الذرية، وقال إن إيران بدأت ضخ الغاز في عدة آلاف من أجهزة الطرد المركزي المتطورة.
مشيرا إلى أن "إيران دائما استعدادها للتعامل، لكنها لا تتراجع أبدا أمام القوة والضغط والسلوك غير الحقوقي وغير القانوني للطرف الآخر.. البرنامج النووي الإيراني له أهداف سلمية وشفافة تماما، وإذا أرادوا تجاهل الأهداف الواردة في وثيقة خطة العمل الشاملة المشتركة والمهام الملقاة على عاتقهم والضغط على البلاد بشكل أحادي من خلال اختلاق الأعذار وبث الاتهامات، فسيتلقون نتائج عكسية".