رحمة الموت في زحمة المعتقلات

رحمة الموت في زحمة المعتقلات

الصورة

جزء من سجن تدمر دمره تنظيم الدولة(إنترنت)

26 آب 2018

محمد برو

مدير مركز صدى لاستطلاع الرأي والأبحاث

الموت كان أمنية، الموت كان للجراح أغنية.

هذا ما كنا ننشده كل صباح، في زنازين تدمر السوداء.

منذ أسابيع وردني اتصال هاتفي، من شقيقٍ لأحد المعتقلين، سبق لي أن تحدثت عن طريقة قتله في سجن تدمر، في إحدى اللقاءات التلفزيونية، فحدثني شقيقه، ليتأكد من حقيقة ورود اسم أخيه بروايتي، ولما تم له التحقق من أن الشخص المذكور، هو شقيقه فعلا، من خلال سردي لمعلومات عن ذلك الصديق، وصفاته وعنوان سكنه، ختم حديثه وشكرني براحة واطمئنان (الله يريح بالك، اليوم ستنام أمي للمرة الأولى باطمئنان، فهي تبكيه كل ليلة منذ ثمانية وثلاثين سنة)

هل لنا أن نتصور مئات الآلاف، من الأمهات السوريات البواكي كل ليلة.

لا شيء يضارع التعذيب في تدمر، إلا قسوة انتظاره كل ساعة، أو وصول أنبائه المروعة الى أهالي المعتقلين.

واليوم تصلنا كل صباح صيحات معتقلينا في سجون الأسد، تلك الأقبية السوداء، التي تضم مئات الآلاف، من الشباب والكهول والنساء والأطفال.

لا شيء يضارع التعذيب في تدمر إلا قسوة انتظاره كل ساعة أو وصول أنبائه المروعة الى أهالي المعتقلين

ويزيد المشهد بؤسا، ذلك الصمت الذليل، الذي يرين على سمع العالم وبصره، بحكوماته المتواطئة، مع نظام القتل في سوريا، وبمنظماته وهيئاته الإنسانية والحقوقية.

تتكرر السرديات الغرائبية، عن الموت الذي يطل على المعتقلين، كل يوم مرات ومرات، فينتشل منهم من اختارته يد الجلاد، وسط حسد أقرانه، فلا شيء يشفي من عتمات القهر والياس المطبق، إلا ذلك الموت المشتهى، الذي يوزع على المعتقلين خبط عشواء.

وتشدني الذاكرة الى الساعات الأولى من الفجر، في تلك السنوات التي كنا نودع الأصدقاء، الذين نودي على أسمائهم في الليلة السابقة، وكنا نعلم جميعا أنهم سيساقون صباحا الى أعواد المشانق، إرضاء لسيد البلاد، الجاثم على صدر الوطن في قاسيون.

كانوا يودعوننا بعيون ملؤها الحزن علينا، نحن من تجنًّبنَا قطار الموت، لنبقى إلى أجل غير معلوم، نهب التعذيب اليومي، والأمراض والجوع، الذي يفتك بالأجساد والأرواح.

كنا نحسد من قتل في هذا اليوم، لأنه نجا من سلسلة لا نهاية لها، من العذابات المتنوعة، وأشدها انتظار التعذيب اليومي.

كنا نحسد من قتل في هذا اليوم لأنه نجا من سلسلة لا نهاية لها من العذابات المتنوعة وأشدها انتظار التعذيب اليومي

يخرج طبيبنا الدكتور يوسف، من المهجع 24 في الساحة الرابعة،  وهو سجين تدمري شأنه شأننا، ليعرض على طبيب السجن، الذي لا يقل إجراما عن باقي الجلادين، أعراض سرطان الحنجرة لدى صديقنا "عبد الله برد" الذي كنا نخفي عنه حقيقة مرضه، ونقنعه أنه يعاني من نوبات ربو حاد لا أكثر، فيبادر الطبيب الجلاد، المريضَ عبد الله  مقرعا ومتهكما، ومتلذذا بعذاباته "أنت مصاب بسرطان الحنجرة، ستموت خلال أيام يا حقير" وما هي إلا أيام حتى تباغته موجة من نوبات الاختناق، يموت في آخرها، ويستكمل الطبيب الجلاد نشوته، فقد صح ما تنبأ به لهذا السجين العاجز.

كان الموت يطل على مهاجعنا، كل صباح وكل مساء، تارة عبر أعواد المشانق، وأخرى عبر القتل بقضبان الحديد وكابلات النحاس، والجَلد الطويل، ويفعل المرض والجوع والقهر فعله، فيكمل ما أخطأته أيدي الجلادين، عبر أدوات القتل المباشر.

ولا يفوتنا المرور بالمجازر الدموية، التي حفلت بها معظم بيوت مدينة حماة، وشوارعها ومدارسها عام 1982 أثناء حكم الأسد الاب، إثر تمردها على نظامه، فكان مصيرها القتل الممنهج، بأفظع أشكاله، من بتر للأطراف والأعضاء، ونشر للأجساد بمناشير الحديد، وسحل بعجلات الدبابات والمجنزرات، وسحب بالسيارات عبر شوارع المدينة، وقتل بالصبر، عبر ترك المعتقلين لوحش الجوع، كيما يفتك بهم عبر عشرات الأيام.

واليوم ونحن نسمع كل يوم، عن قائمة من أسماء المعتقلين، الذين يتم تبليغ أسمائهم إلى أهاليهم، بشكل مباشر وغير مباشر، على أنهم قضوا لأسباب صحية محضة، لا دخل لفرق الموت في أقبية المعتقلات فيه. تحضرني آلاف الصور، للقتل الهمجي الذي عايناه في سجون الأسد المختلفة، وتستكمل الصورة الدموية دورتها، عبر آلاف أخرى من أنواع مختلفة، للتفنن في القتل، والتي تم توثيق شطر كبير منها، عبر شهادات سيزر، الذي استطاع تسريب آلاف الصور، لقتلى تمت تصفيتهم في أقبية التحقيق، ولم يكن صداها لدى المجتمع الدولي، أكثر من ندوة أو مقالة هنا، وتعليق هناك، قام بها صحفيون وحقوقيون، بجهودهم الفردية، دون أن يتحرك العالم لإيقاف هذه المذبحة، المستمرة الى يومنا هذا. والأدهى من هذا، أن نعرف أن أجهزة غربية وأمريكية، تمسك بهذا الملف، وتمنع أن يستخدم بشكل مباشر، في إدانة نظام الأسد.

 نصرخ كل صباح، أنقذوا معتقلينا، وتذهب صرخاتنا ومساعينا أدراج الرياح، فكل القتلى لهم بواكي وحمزة لا بواكي له.

شارك برأيك