رحلة في قلب سوريا الجديدة بين الخوف والأمل والتغيير

2025.11.11 | 05:54 دمشق

333333
+A
حجم الخط
-A

 

1
في وزارة العدل. محكمة الإرهاب يخبرني موظف في الديوان أنّي والدكتور فداء مجذوب والسيدة فرح الأتاسي متهمون بقضية إرهاب، أي إنّنا "أعضاء مجموعة واحدة" ومطلوبون إلى محكمة الإرهاب سيّئة الصيت التابعة لنظام الهارب بشار الأسد.
لا أعتقد أنّي تواصلت سابقاً مع الدكتور فداء أو مع السيدة فرح.
أخبرتُ أحد أصدقاء الدكتور فداء مجذوب، لكني لم أتمكّن من إخبار السيدة فرح الأتاسي. (أرجو ممّن يقرأ هذه الكلمات وله صلة بها إعلامها لمتابعة هذه المسألة وشطب اسمها من اللائحة السوداء لهذه المحكمة). رئيسُ إحدى الدوائر في الوزارة قال لي إنّ مرسوماً مرتقباً سيلغي كل هذه القضايا الملفّقة.

2
في سرفيس "جادات سلمية" يشرق وجهُ طفلٍ في السابعة أو الثامنة ربما، يبتسم لي، أمتلئُ غبطةً، أنظر إليه مباشرةً فيبتسم ربع ابتسامة، بالكاد أرى وجهه وسط تزاحم أجساد الركاب. يقع في قلبي أنّه أكبر بكثير من عمره، بقلبِ وليٍّ أو قدّيسٍ يضيع في زحام دمشق... لكنه سينقذها وينقذ البلاد، ولن يستطيع هيرودوس نتنياهو اصطياده.

3
القاف السورية العربية الآرامية العريقة
من إدلب إلى جبال الساحل وصولاً إلى الجزيرة السورية والسويداء، يتشارك ملايين السوريين ما يمكن تسميته "أخوية القاف". نصفُ سورية أو معظم الريف السوري يُقَوْقِف. من أرض قاف أكتب. أكتب سعيداً باعتباري من الناطقين بالقاف، فلم أعد أشعر بالغربة؛ إذ أينما ذهبتُ في سوريا سأسمع الناطقين بالقاف أو ما يشابهها من حروف الغين والجيم.. رغم أنّي أستسيغ نطق أهل المدن، ولا سيّما الدمشقيين.

4
نتفاعل كبشرٍ كأصحاب حاجاتٍ دنيوية وغاياتٍ يومية. في اليومي لا يحضر "الهووي" العُلوي (الهوية الثقافية والهوية العقدية) بل "الهووي" الإنساني العام العضوي (حاجات عضوية، وما يترتّب عنها من دوافع ورغبات ومساعٍ ومصالح). في اليومي لا يحضر المذهبي ولا الأيديولوجي ولا العِرقي... لولا ذلك لما توقّفت الحروب "الهُوَوِيّة" لحظةً واحدة، ولأفنى البشرُ نوعهم.
نلتقي في مقهى ما، نجلس إلى طاولة ونشرب الشاي والقهوة والمتّة أصدقاءَ ومعارفَ بشرٌ سوريون، ويأخذنا اليوميُّ الراهنُ والمعاناةُ المعتادة في تدبير يومنا... فمن أين يهبط علينا الطائفي؟ من السياسة؟ من السلطة؟ من فيس بوك ويوتيوب؟

5
مسألتان يتوجّب على أهل الساحل والمناطق التي انقطع عنها المطر علاجُهما:
الأركيلة وزيادة تسخين الجو،
وقطعُ الأشجار في المرتفعات لإنشاء الأبنية.
من دون حلّهما سيتحوّل الساحل إلى منطقةٍ جافة، ربما صحراء.
أمّا إن بدأ الناس، ولو بشكلٍ فردي، في حلّ هاتين المسألتين فربما يعود الساحل إلى طبيعته خلال عشر سنوات.

6
أسير عبر مدحت باشا وصولاً إلى الشارع المستقيم، وصولاً إلى باب توما وسوق القصّاع، أنحرف يساراً في شارعٍ جانبي حيث يقع بيت الأستاذ ميشيل كيلو. أسأل أكثر من شخصٍ في الشارع؛ يسمعون بالاسم لكن لا يعرفون بالضبط مكان البيت. بالقرب من بيت المرحوم الأستاذ ميشيل أبحث عن بيت عائلة عربجي. أسأل عدداً من الشبان، وبمجرّد أن أقول لهم إنّ كريم كان معتقلاً في صيدنايا يبتعد الشبانُ لا شعورياً، خوفاً...

7
كم أسعدتني دعوة المهندسة الأستاذة ناهد بدوية إلى جلسةٍ اجتماعيةٍ ضمّت عدداً من أصدقائها في منزلها الذي سيصبح خلال أيام "منتدى سلامة كيلة" في برزة. كان شرفاً لي أن أزور بيت سلامة وناهد. نتحدّث عن سورية الأمس حيث المعتقلات والموت، وسورية اليوم التي شهدت اضطراباتٍ وأحداثاً جساماً أتمنى أن تصبح من الماضي فلا تتكرر أبداً. شرحت لي المهندسة ناهد عن مشروعهم في إقامة منتدى ثقافي فكري ووضع مكتبة سلامة كيلة العامرة بالكتب في خدمة طلبة الماجستير والدكتوراه.
كان سلامة ليشعر بالغبطة لو تحدّثنا أيضاً عن موجة الاعترافات الأوروبية والدولية بدولة فلسطين، لكن الزلزال السوري طغى على كامل حديثنا مع المدعوّين.

8
في جلسةٍ مع أصدقاءَ لطفاء في بيتٍ دمشقي، يجري الحديث عن فيلمٍ يتناول قضية السجناء اللبنانيين في سجن تدمر. أشرف على الفيلم كلٌّ من المغدور لقمان سليم رحمه الله وزوجته الألمانية. يظهر فيه السوريون كسجّانين أو سجناء "فسافيس". السؤال هو: أين ذهب سيناريست ومخرج الفيلم بسجناء تدمر السوريين؟ إذ هو لم يذكرهم ولو بمشهدٍ أو صورةٍ أو حوار... فهل يُعقل ألا يرى المشاهدُ من سجناء تدمر سوى "الفسافيس"؟
ماذا يمكن القول عن هكذا سيناريو؟ استشراقيٌّ مثلاً؟!

9
من مظاهر الانفتاح الاجتماعي اليوم بعد سقوط الأسد ومجيء نظامٍ شبه إسلامي أن تتمكّن السيدات من السباحة في الساحل، فتختار أيٌّ منهنّ اللباسَ الذي تحبّذه، سواءٌ كان بكيني أو بوركيني.
هذا ما كان حالةً طبيعيةً دوماً في سورية. يعتقد أكثر من شخصٍ من النخبة السورية، معظمهم يساريون، أنّ الأمور تعود في البلاد إلى حالتها الطبيعية، بالتدريج. أحد هؤلاء اليساريين المعروفين، الفنان والسياسي يوسف عبدلكي، يعقد ندوةً في فندقٍ بدمشق يهاجم فيها النظام الجديد، ويأتي مندوبٌ من وكالة سانا الحكومية فيطلب لقاءه فيعتذر عبدلكي.

10
العلمانية؟! (خاصّ بالمثقفين اللجوجين..)
لبناء العلمانية نحتاج إلى بلديات. سلطةُ البلديات تضمن إصلاح المشكلات اليومية.
على الأقل ابدأوا من مسألة تنظيف الشوارع ورفع أكوام الزبالة، ودعكم من الحديث عن الأساطيل والمناورات والمجالس. ركّزوا في حلّ مشكلة الزبالة، ودعكم من متابعة مشعوذي يوتيوب وتيك توك المبشّرين بالخراب والتقسيم والحروب.
واجهوا الواقع، ودعكم من أخبار فيس بوك وتحليلات يوتيوب وخبطات تيك توك.

11
هل تقاربُ الرئيس الانتقالي الشرع مع الروس تقويةٌ لموقف العلويين وتقريبٌ بين الشرع والعلويين، بالتالي تقويةٌ لموقف الروس (العلويون يضعون عنبهم في سلّة روسيا؟!)؟ هل هو تعزيزٌ لموقف الأتراك؟ هل هو إضعافٌ للإسرائيليين ومشروعهم؟

12
جزءٌ من النخبة السورية المعارضة للنظام السابق الموجودة في الخارج خائفةٌ من العودة، إذ هي ما زالت تتابع وتصدّق ما ينشره فيس بوك ويوتيوب من أخبارٍ وحوادث. الواقعُ شيءٌ مختلفٌ جذرياً. في أيلول: دمشقُ واللاذقية هدوءٌ شبهُ تام، وحياةٌ طبيعية.