تعيش سوريا موسماً صيفياً جديداً في السنة الثانية من سقوط النظام وبدء عودة السوريين اللاجئين والمغتربين مع توافد عشرات الآلاف من العرب والأجانب، وسط تحديات مرتبطة في تحسين البنية التحتية وتطبيق القوانين الناظمة لعمل المطاعم والمقاهي والفنادق والفعاليات الترفيهية.
في مطار دمشق الدولي المكتظ بزواره تهبط عشرات الرحلات يومياً مع توسع الشركات التي بدأت تسيير رحلات إلى دمشق بعد أن كانت الرحلات لا تتجاوز أصابع اليد أسبوعياً قبل سقوط النظام، بحسب مشاهدات موقع تلفزيون سوريا.
وفي الطريق من وسط دمشق إلى بلودان أو الزبداني، تسير السيارة 50 كيلومتراً حتى تصل إلى وجهتها في عدد من أجمل المصايف القريبة من العاصمة، والتي كانت تستقطب على مدى عقود طويلة عشرات الآلاف من السياح العرب والأجانب.
درجات حرارة تقل إلى النصف
الساعة الثانية بعد الظهر، درجة الحرارة تقترب من 40 في دمشق، تركب السيارة التي تحبس الحرارة تحت شمس شديدة القيظ، وتسير على أوتستراد دمشق - بيروت قبل أن تظهر شاخصات الطريق التي تدلك على مضايا وبلودان والزبداني وبقين والتكية وغيرها من المدن والبلدات التي تصل ارتفاع بعضها إلى 1500 متر مطلة على أجزاء من ريف دمشق.
يعد الطريق في النهار جيداً جداً مقارنة مع بقية الطرق في سوريا، فهو أتوستراد سريع وإن لا تلتزم السيارات والدراجات النارية بالسرعات المحددة، يصبح الوضع في الليل أكثر سوءاً مع غياب إنارة الطرقات واعتماد السيارات على أضوائها الأمامية العالية التي تجعل الرؤية أصعب للسيارات المقابلة.
الجبال والتلال القاحلة على طول الطريق، إلا أن المفرق المؤدي إلى الزبداني يأخذ طابعاً أخضر مليئاً بالأشجار الباسقة وتتعدل درجات الحرارة حتى تصل إلى 20 درجة في الليل.
على كل جنبات الطريق تظهر مئات المطاعم والمنتزهات التي تشد انتباهك وشهيتك بسبب روائح الشواء وأصوات الأغاني والموسيقى العالية.
أبرز مصايف ريف دمشق
عانت بعض مدن وبلدات منطقة الزبداني ووادي بردى من قصف وحصار على يد النظام المخلوع وحليفه حزب الله اللبناني، إثر انخراطها في مظاهرات الثورة السورية ثم عملها المسلح، في الوقت الذي يعتمد فيه سكانها على السياحة الصيفية والشتوية إلى جانب العمل في الزراعة وخصوصاً الفاكهة مثل المشمش والتفاح والكرز والإجاص والرمان والسفرجل واللوز وغيرها.
تعد هذه المناطق من أبرز مصايف ريف دمشق وأكثرها شهرة، لكن لكل منها طبيعتها وخصائصها الجغرافية، حيث تعد بلودان الأشهر والأكثر استقطاباً للسياح حيث فيها مدينة قديمة هضبة ترتفع قرابة 1500 متر، وتشرف على سهل الزبداني وبساتينه، ولذلك تكون درجات الحرارة فيها خلال الصيف أقل بوضوح من دمشق، وخصوصاً بالليل، حيث النسمات العليلة والباردة.
تضم بلودان عشرات المطاعم والمقاهي والفنادق والفعاليات السياحية، إلى جانب كنائس وجوامع قديمة، ما يجعلها مقصداً رئيسياً للسياح السوريين والعرب الهاربين من حر الصيف والباحثين عن الهدوء والراحة والاسترخاء.
وكذلك الحال بالنسبة لبلدة مضايا التي تضم عشرات المطاعم والمقاهي والمنتزهات والمزارع الخاصة المزودة بمسابح وأماكن مخصصة للشواء، التي تصل إلى ارتفاع يقارب 1350 متراً، كما تقع بقين في المنطقة نفسها، وعُرفت تاريخياً بنبعها ومياهها المعدنية ومتنزهاتها الشعبية.
وعلى طول الطريق تقف سيارات بيع الخضراوات والفاكهة الطازجة والبلدية التي تثمر في المنطقة، إلى جانب العسل بأنواعه والمجففات والمكسرات.
الزبداني يقصدها السوريون أكثر من الأجانب، أولاً لامتلاك الكثير من عائلات دمشق وحتى الخليجيين لشقق ومزارع فيها، حيث عادت حركة العقارات والشراء والبيع للنشاط من جديد، كما تضم مطاعم ومقاهي ومنتزهات عائلية. أما سرغايا، فهي الأبعد، ورغم أنها مقصد صيفي هادئ وتنتشر فيها الاستراحات والمطاعم، إلا أنها أقل شهرة من بقية المناطق. وهناك أيضاً عين حور والتكية وقرى وادي بردى.
غياب القانون
ورغم ما تعرضت له منطقة الزبداني ومضايا ووادي بردى من أضرار خلال سنوات الحرب، فإن مطاعمها ومنتزهاتها بدأت بالتعافي والنشاط واستقبال الزوار والسياح التي لها تأثير في ذاكرة السوريين والعرب والأجانب.
ورصد موقع تلفزيون سوريا، حركة السياحة في المنطقة بشكل عام، حيث بدت جيدة جداً وتزيد في أيام الخميس والجمعة والسبت مع دخول ليالي وأيام العطل الأسبوعية في سوريا.
لا تعاني المنطقة بشكل عام من نقص في عدد المطاعم والمنتزهات بقدر ما تحتاج إلى تفعيل للقوانين الناظمة للعمل وتجعل الزبون أو السائح أكثر سعادة ويعيد الزيارة مرة تلو أخرى.
وقال أحد السياح الأردنيين لموقع تلفزيون سوريا، إن أجواء سوريا جميلة جداً، درجات الحرارة هنا في بلودان منخفضة والصيف من أروع ما يكون لكن الأسعار مرتفعة مقارنة بالسابق، يعني سوريا كانت أرخص دولة في محيطها، لم تعد 500 دولار كافية بالأسبوع لشخص واحد في سوريا، خصوصاً أسعار الفنادق.
وأضاف أن هناك خدمات ونظافة إلى حد ما، ولكن نشعر أن القوانين التي يحكى عنها في الإعلام غير مطبقة، مثلاً جميع المطاعم ما زالت تضيف أشياء لم نطلبها للفاتورة ما يشعرنا بالحياء وندفع أعلى مما نتوقع.
ويصل متوسط طلب الشخص في أي مطاعم من مطاعم بلودان ما بين 250 إلى 350 ألف ليرة سورية فإن كانت عائلة مكونة من 5 أشخاص لا تقل الفاتورة عن مليون ونصف المليون إلى مليوني ليرة (قرابة 120 إلى 150 دولاراً) من دون مشروبات وأراكيل وحلويات.
وتمتاز مطاعم المنطقة بتقديم صحن فاكهة مرتب مجاناً لكل طاولة تطلب وجبة فطور أو غداء أو عشاء مجاناً، فيما أن أسعارها تصل إلى الضعف عن بعض المطاعم في دمشق.
ويرى سياح التقينا بهم أن هناك حالة من الاستغلال بما يخص عمالة الأطفال في الحمامات المرفقة بالمطاعم أو بما يخص غسيل السيارات، فهؤلاء الأطفال يقفون أمام السيارات أو في مداخل الحمامات ليحصلوا على مبلغ من جراء عملهم غير النظامي.
وبيّنوا أن هناك تفهماً لحاجة الناس إلى العمل خصوصاً في فترة الصيف، لكن يبدو أن هذه الأعمال غير قانونية أو يتم استغلال الأطفال وحاجتهم من قبل مشغليهم.
وللتأكد من ذلك بحثنا في الأمر، وبالفعل تتكرر مثل هذه الأمور في معظم المطاعم والمقاهي بالمنطقة أو في دمشق، حيث لا يحصل معظم هؤلاء الأشخاص سواء أكانوا أطفالاً أو نساء كبيرات في السن على أي معاشات أسبوعية أو شهرية، إنما يحصلون على الراتب من مدفوعات الزبائن "البقشيش".
مياه ومحارم بـ 10 دولارات
يشكر معظم السياح من حسن المعاملة والأجواء الساحرة والمناظر الخلابة وكرم الضيافة، إلا أن هناك بعض ما يشعرهم بالاستغلال ومحاولات الحصول على بقشيش بالتخجيل أو إضافات على الفاتورة لم يطلبوها.
جميع المطاعم التي زرناها، تضع علب محارم وعبوات مياه على الطاولة دون أن يطلبها الزبون، ثم تزيد الفاتورة مع طلبات الصلصات مثل "الثوم أو المايونيز والكاتشب" وغيرها.
وتصل قيمة علبتي محارم وعبوتي مياه إلى قرابة 10 دولارات على الفاتورة، يضاف إليها قرابة 5 دولارات على المخللات والصلصلات وما إلى ذلك.
ولفت صاحب أحد المطاعم إلى أن هذه السياسات قديمة وليست جديدة، من الطبيعي أن نضع مناديل وعبوات مياه على الطاولة، فهذه جزء من مرابحنا وطريقة عملنا.
ويشرح سوريون عاشوا في دول متعددة لموقع تلفزيون سوريا، أن الزيادة على الفاتورة لا يحصل معهم إلا في سوريا، فكل المطاعم في دول معروفة بالسياحة مثل تركيا وإيطاليا وحتى قطر والخليج فيها تسعيرة توضع أمام بوابة المطعم.
وطالبوا عبر موقع تلفزيون سوريا، بزيادة الرقابة على كل المنشآت السياحية بوضع تسعيرة كاملة على أبواب المطاعم، وبذلك يعرف الزبون قيمة الفاتورة قبل دخوله المطعم، وألا يتعرض لإحراج أو تخجيل ووضع منتجات لا يطلبها على الطاولة.
وسألنا بعض الزوار في بلودان، فأكدوا لنا أن بعض الفواتير تفاجئهم من ارتفاعها لغياب بعض الأسعار عن قائمة الطعام، فيما يرى البعض أن الأسعار ليست منخفضة ولكنها معقولة بالنسبة للأجانب، لكنها مرتفعة بالنسبة لسكان سوريا ومتوسط الرواتب فيها.
وفي أيار الماضي، قال وزير السياحة السوري مازن الصالحاني، إن التعميم الصادر عن الوزارة القاضي بحظر فرض أو تقديم أي خدمات غير مطلوبة من قبل الزبائن في المنشآت السياحية، دخل حيز التنفيذ.
وأردف أن الوزارة بدأت باستقبال شكاوى المواطنين، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، والتي قد تصل إلى إغلاق المنشأة، بحسب وكالة "سانا".
وتابع أن الإجراءات تبدأ بتوجيه إنذار لصاحب المنشأة المخالفة على مرحلتين، وعند تكرار المخالفة يُتخذ القرار بإغلاق المنشأة، مشيراً إلى أن الهدف من القرار حماية حقوق المستهلكين، ورفع مستوى الخدمات السياحية في سوريا.
وحتى نهاية 2025، استقبلت سوريا نحو 3.56 ملايين سائح في ارتفاع ملحوظ عن السنوات السابقة، حيث بيّن وزير السياحة أن أعداد السياح العرب والأجانب ارتفعت بنسبة 80% منذ كانون الأول 2024 حتى نهاية تشرين الثاني 2025، نتيجة سياسات ركزت على فتح الأسواق وتحسين الخدمات، وأكد أن تحسن أداء المنشآت وتنوع الجنسيات الوافدة يدعمان استمرار النمو خلال المرحلة المقبلة.
