رتاج.. تكره العالم ولا تستطيع العد حتى عشرة

تاريخ النشر: 27.03.2021 | 07:07 دمشق

ببساطة وألم ينقل أحد مصوري المخيمات (محمد هزاع) تفاصيل حياة السوريين اليومية حيث يصير المطر والثلج عقاباً قاسياً لأولئك الذين اختاروا ظلم اللجوء والغربة على وطن يحكمه الرصاص والقتل.

في أحد مخيمات لبنان يتابع (هزاع) طفلة صغيرة اسمها (رتاج) في محاولة مطاردة حياة محفوفة بمصاعب اللجوء في مكان يضيق بالخيام، وفيما يبدو أن محرض البحث المتواصل هو عيون صافية كالسماء لصغيرة مطرودة من بيتها إلى المجهول، وطريقة عيش أقرب إلى البدائية التي تنتج في أوج عطائها كائناً جميلاً يأكل العشب مخلوطاً بالوحل.

رتاج التي يحاول المصور إخراجها إلى الابتسامة يقول عنها رفاقها إنها عصبية وغاضبة، وعند كل سؤال عن الحب يأتي النفي منها، فهي لا تحب العالم ولا تريد التلويح في نهاية الفيديو لمتابعي المصور الذي يقول لها إنهم يحبونها لكنها بعد معاناة تفرج عن كلمة سريعة برأس منخفض (باي) كأنها تسحب ما بقي فيها من حب إلى من لا يستحق، أو أنها في ذروة جلسة تعذيب لا نجاة منها إلا بالكفر.

في فيديو آخر يريد المصور منها أن تردد ما تعلمت من الأرقام فتصل إلى الرقم 4 فقط ثم تتابع العد بعشوائية وسخرية مع المصور الذي ينتقل بين الأرقام هبوطاً ونزولاً، ومن حولهما تتصاعد ضحكات الصغار الذين يجيدون اللعب ويتحدثون عن رتاج بكثير من الحب فهي جميلة صغار المخيمات ذات العيون الزرقاء، والشقية المتفردة التي تضرب وتصرخ وتثير الضحك لكنها لا تستطيع العد حتى الرقم عشرة.

كم (رتاج) سورية في هذا العالم النائم بهدوء بعد أن اعتاد مشهد اللاجئين خارج الحدود

رتاج واحدة من صغيرات سوريا اللاجئات اللواتي تركز عليهن وسائل التواصل لإحداث الصدمة لدى المتابعين، والتي لا تخرج ردود فعلهم عن وضع قلوب حمراء للحب أو عبارات الرحمة والدعاء بالفرج لوطنهم المذبوح، وأما الصور فتركز على العيون الجميلة والشعر الأشقر كما لو أن المخيم صالة لمسابقات الجمال، واللاجئين جمهور مؤقت مضى على وجوده هنا فقط عشر سنوات.

كم (رتاج) سورية في هذا العالم النائم بهدوء بعد أن اعتاد مشهد اللاجئين خارج الحدود، ولم يعد يهز وجدانه بردهم وجوعهم وموتهم، وأما وسائل الإعلام والتواصل فلم تعد ترى فيهم سوى مادة منوعة لأطفال بعيون ملونة وسط عالم مرمي على هامش الحياة، وأما الداعمون والمشاهير فيأتون إلى هذا الخراب لالتقاط صور التعاطف وتوزيع الفتات لحصد متابعين حمقى جدد يضعون بصمات مشاعرهم الجاهزة كما يضعونها على صورة لممثلة عارية.

من حق رتاج أن تكره العالم، وترى نفاقه بعين قلبها الصغير الذي لا يكذب، ومن حقها أن تكره الأوطان كل الأوطان التي لا تستطيع أن تجد لها بيتاً يؤويها من الثلج والبرد، ومن حقها أن تصرخ وتغضب من كل المتصارعين على حساب تعليمها جدول الضرب والأناشيد التي تصف الزهور والربيع بينما هم يستثمرون عيونها في استدرار عطف الممولين ومنظمات الإغاثة.

ولدت رتاج ومئات الآلاف من أطفال سوريا في مخيمات بلدان الجوار، وفي أوضاع متفاوتة القسوة والإهمال، ولم يعرفوا سوى الخيمة وطناً، وما يرويه الكبار من ذكرياتهم عن بلد كانوا يعيشون فيه هادئين لا فرق إن كان فقراء أو محتاجين فيه، وعن مدارس يذهب الصغار إليها في الصباح ويعودون بعد الظهر إلى بيوتهم حيث ينتظرهم الدفء ووجبة الغداء وسواها من حكايات تبدو لهم كأساطير عن شعب انقرض بسقوط نيزك هائل.

من المفزع أن تكبر رتاج أكثر في مكان كهذا، وأن تتعلم القراءة والكتابة هنا حيث الدرس الكبير هو كم سنبقى هنا من سنين، وكم سيولد من أطفال في حدود هذا المخيم الذي لا يمنحك حق الخروج منه إلى وطن الروايات والأساطير، هنا لا جواز سفر ولا هوية سوى العيون التي تضحك بين خيام البرد.