لم يكن مشهد الحجيج العائدين، والذي أثار مشاعر كثيرين في المسلسل السوري الشهير "الخوالي"، صورة درامية، بل هي صورة حقيقية اقتُصّت من الواقع السوري لتغني الدراما، إذ لطالما استقبل السوريون حجيجهم بنفس تلك اللهفة والشوق وحرارة البكاء.
أما تأخر ظهور "أبو هاشم" في ذات المشهد، فقد عبّر تماماً عما كان يتردد قديماً خلال وداع الحاج وفي فترة غيابه "الرايح مفقود والراجع مولود"، حيث كانت رحلة الحج صعبة، شاقة، تحمل في طياتها كثيراً من التعب والمشقة، وتستوجب من الحاج وداع كل من حوله وطلب السماح منهم قبل ذهابه، في رحلة بدأت على الجمال حتى استقرت على ما هي عليه اليوم من أساليب توفّر كل أسباب الراحة والرفاهية للحاج، منذ انطلاقه وحتى عودته.
تقول أم أحمد (55 عاماً) من أهالي مدينة حلب، لموقع "تلفزيون سوريا"، إن "الحجيج اليوم يودّعون من حولهم من أقارب ومحبين، جرياً على العادة القديمة، حيث كانوا يودّعون من حولهم لعلمهم بصعوبة الرحلة وإمكانية عدم عودتهم منها".
الأمر الذي يؤكده الحاج خالد محمد نصر (75 عاماً) من أهالي مدينة حماة، إذ يقول "قديماً كانت رحلة الحج قبل الحرب العالمية الأولى بوساطة الجمال، ومن دون أوراق ثبوتية غالباً، حيث كان يجتمع الأهالي من كل حي، ويبدأون بالاتفاق والتجهيز فيما بينهم مع بداية شهر رمضان، وذلك لحماية بعضهم البعض خلال الرحلة من قطاع الطرق، لينطلقوا بعد عيد الفطر مباشرة في رحلة تستغرق منهم قرابة الشهرين ذهاباً".
ويضيف الحاج نصر في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا" أن "الأطباء كانوا يذهبون تطوعاً بأعداد كبيرة لتقديم الرعاية الطبية لحجاج مدينتهم. يتردد في حماة اسم الدكتور مروان الشققي كثيراً كواحد من أهم الذين قاموا بهذا العمل التطوعي".
وبحسب الحاج نصر، فإن رحلة الجمال أصبحت بالبواخر خلال فترة بين الحربين، لتتحول بعد ذلك إلى رحلة بالقطار عبر سكة حديد الحجاز حوالي سنة 1940، ثم تستقر بعد الخمسينيات على ما هي عليه اليوم عبر الطيران.
"حجّينا يا حجّينا، لولا التاتلي ما جينا"
يذهب الحاج لأداء فريضته، في حين يترك وراءه إرثاً كبيراً لذويه من الاستعداد والتأهب لاستقباله. فمنذ انطلاقه، تنطلق طقوس الاستعداد، والتي تقف في مقدمتها "الراحة"، حتى إن إحدى الأهازيج التي يرددها أهالي حمص في عراضة استقبال الحاج تشير في طياتها إلى الراحة، وهي "حجّينا يا حجّينا، لولا التاتلي ما جينا".
و"التاتلي" هي كلمة تركية معرّبة تعني الحلويات، والحلويات في هذا المقام هي الراحة التي ينتظرها ضيوف الحاج منه، بحسب أبو عبد الله (55 عاماً) من أهالي مدينة حمص، ويوضح لموقع "تلفزيون سوريا" أنه "منذ الطفولة، كنا نذهب لاستقبال الحاج وأكل الراحة، ثم زيارته لنحصل على هدايا الحج، من قبيل التلفزيونات الصغيرة والمسابح والسجادات وغيرها".
أما في مدينة حلب، فتعد "الراحة" طقساً أساسياً، إذ لا يُحسب قدوم الحاج في ذكرياتهم من دون أن تُحسب "الراحة"، التي يطبخونها بعناية خاصة في أيام الحج، فتكون مدعّمة بالفستق الحلبي بعيارات تفوق المعتاد، كما تزن في بعض الأحيان القطعة الواحدة منها ما يفوق 100 غرام، بحسب الحاجة أم أحمد التي تقول إن "جودة الراحة في أيام الحج تعد مصدراً للتنافس والتفاخر بين بعض العائلات".
الأمر الذي ذكره مؤيد العجيلي (45 عاماً) من أهالي مدينة الرقة وهو باحث في تراث المنطقة، يقول إن طقس "الراحة" معتمد أيضاً في المنطقة الشرقية كغيرها من عموم المناطق السورية، ويرجّح انتشارها من مدينة حلب، حيث تفوقت راحة "وطفة" الحلبية الشهيرة في عموم سوريا، وتحديداً عند أهل الرقة.
يشير مؤيد في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا" إلى أن "الناس حريصة على ضيافة الراحة بطريقة لائقة قدر المستطاع، تختلف بين شريحة مجتمعية وأخرى، ولكن بالعموم، الميسورون يتميزون براحتهم".
شراب ورد وعباءة بيضاء.. تجهيزات ما قبل عودة الحجاج
ينشغل الرجال بأمر الراحة، لتنشغل النساء بتجهيزات المنازل وتحضيرها لاستقبال الحاج بأبهى صورة، بما في ذلك تخصيص مكان مخصص للحاج، يُدهن ويُجهز ليجلس فيه الحاج مستقبلاً ضيوفه.
تقول الحاجة أم زياد (60 عاماً) من أهالي مدينة دمشق "مع اقتراب قدوم الحجيج، تجتمع عموم نساء العائلة لمساعدة أهله في التنظيف والتجهيز استعداداً للاستقبال، وإن كان موسم الحج في فصل الصيف، تجهّز السيدات المشاريب الدمشقية الباردة، كشراب الورد والتوت".
وتضيف الحاجة أم زياد لموقع "تلفزيون سوريا" أنه "كانت تقع على أسرة الحاج مهمة تجهيز الملابس التي تليق به. فللرجال تُجهز الكلابية مع العباءة البيضاء، بينما تُجهز الفساتين البيضاء المحلاة بالدانتيل وغيره للنساء".
وهذا الأمر الذي أجمع عليه الشهود من المدن جميعها، في حين نفى مؤيد، من أهالي مدينة الرقة، اعتماد لباس معين يلتزم الحاج بلباسه في المنطقة الشرقية.
"أهلاً وسهلأ بزوار بيت الله الحرام"
تُزيّن مداخل منازل الحجاج السوريين بأغصان خضراء من الكينا، بحسب الشهود، كما تُزيّن بأشرطة مضاءة تشير إلى وجود حاج هنا، إضافة إلى الجداريات المشهورة التي تُرسم على واجهات منازل الحجيج عادة، والتي يعتبر أشهرها: "حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً"، و"من زار قبري وجبت له شفاعتي"، مع رسومات تشير إلى مدينة رسول الله من أشجار نخيل وقِباب ومآذن.
يذكر وائل (35 عاماً) من أهالي مدينة سلمية، أنه استغرب عندما رأى تلك الجداريات للمرة الأولى في طفولته، يقول "لم أفهم معنى العبارة المكتوبة على جدار منزل أحد الجيران، ولا سبب كتابتها، إلا عندما سألت والدتي التي شرحت لي أنهم ذهبوا إلى الحج، وهذه العبارات تُكتب فرحاً بعودتهم بعد أداء فريضة الحج".
لزينة الحاج الحلبي جزئية تُضاف على غيره، فمن حوله استعدوا وجهزوا له مكاناً خاصاً يدعى "القرنة"، بقاف تلفظ همزاً ساكناً مفخماً، "الئرنة"، والتي كانت قديماً مكاناً مرتفعاً بعض الشيء عن مقاعد الآخرين، للدلالة على رفعة وعلو المقام الذي وصل إليه الحاج بعد زيارة بيت الله الحرام.
تقول الحاجة أم أحمد "تطورت الئرنة مع السنين كثيراً، فهي تشبه الآن الكوشة التي يجلس فيها العروسان، وتكون عبارة عن كرسي أمامه طاولة عليها أنواع الضيافة والمسابح والتمر وماء زمزم، وتُزيّن بزينة تدل على فريضة الحج، من أهلّة ومآذن مساجد وغيرها من دلالات إسلامية".
استقبال على مشارف المدن
اعتاد السوريون عموماً على استقبال حجيجهم على بعد كيلومترات من المدينة التي يقطنونها. ربما كانت بداياتها حين كان الحج براً، ويخرج الدمشقيون لاستقبال حجيجهم في منطقة القدم، ومن هنا جرت العادة بالخروج إلى خارج حدود المدن لاستقبال الحاج. فيخرج أهالي حمص إلى شنشار، والحمويون إلى الرستن، وأهالي الرقة إلى المنصورة، وفق الشهود.
ترافق الأهالي عادة فرق العراضات والطبول فرحاً بعودة الحاج سالماً، تقول الحاجة أم زياد "لا بد من ذبح الذبائح في ذلك اليوم عند الغالبية من أهل دمشق، بينما يكون أهل الحاج قد حضروا موائد ضخمة يردها كل من كان في استقباله".
الأمر ذاته أجمع عليه الشهود، في حين أشار الحاج خالد نصر إلى أن الاستقبال في حماة يقتصر على تقديم الولائم الفاخرة، كالمناسف وغيرها، لأن وقت الذبح يكون قد انتهى مع انتهاء عيد الأضحى.
"بدّل هدومه وارتدى دشداشة.. وكَد يتلقى اليوم حجّ عواشة"
لا يُعد استقبال الحجيج على أطراف الرقة تراثاً، بل هو تقليد مستحدث، لأن وسائط النقل لم تكن منتشرة بكثرة حتى أواخر الخمسينيات في مجتمع الرقة حينها، وبالتالي لم تشهد المدينة ذلك الزخم الذي باتت تشهده بعد تسعينيات القرن الماضي، وفق مؤيد العجيلي.
ويوضح العجيلي أن في مدينة الرقة، يخرج الأهالي على مشارف المدينة ليحتفوا بالحاج وكأنه عريس، مع قافلة من السيارات والزغاريد وإطلاق الأعيرة النارية، وترشّ النساء السكاكر مع الأهازيج التي ترافقها الدفوف.
ولا يقتصر خروج الأهالي إلى أطراف المدن، بل كانوا يذهبون إلى مطار دمشق لاستقبال حاجهم أحياناً، كنوع من التكريم لقدومه، في رحلة صعبة وقلقة. فلا مواعيد دقيقة للطيران، ولا هواتف نقالة، وحتى الاتصالات الأرضية صعبة، فالرحلة ضبابية بانتظار الحاج.
وفي هذا الجانب، يقدّم لنا مؤيد قصيدتين للشاعر أحمد حمدي العجيلي، وهو شاعر معروف في الرقة، وله أشعار بالعربية والفارسية والتركية. وقال عنه الدكتور والروائي عبد السلام العجيلي "لو أتيحت الظروف السياسية والاقتصادية لمحدثي عمي أحمد حمدي العجيلي، لكان كما لامارتين فرنسا".
تحت أحد الأنواع الشعرية التي برع فيها الشاعر العجيلي، والذي يُعرف في المنطقة باسم "الجيل"، وهو شعر ساخر يسرد الحدث بلهجة عامية ساخرة وحبكة سلسة متقنة تعتمد على الخيال، ولكنها تقترب من القارئ فتقدم له وصفاً يستسيغ سماعه، قدم لنا قصيدة تصف رحلة رجل إلى مطار دمشق لاستقبال زوجته الحاجة، مبرزاً كل الصعوبات التي واجهها خلال الرحلة بأسلوب ساخر، وقصيدة أخرى يتخيل فيها مشهداً لحج "الحجة هلالة"، التي شكّلت مع صديقاتها لطفية ووضحة ثلاثياً فكاهياً اعتاد أهالي الحي منهنّ المقالب والنميمة والتهكم المقبول لدى الجميع، فاستنكر أن تنوي إحداهن الحج لتلتزم وتُقلع عن النميمة.
ويشير مؤيد إلى أن لكبيرات السن الرقّيات عادة أشبه بأن تكون قد اندثرت، وهي جلب من تذهب منهن إلى الحج كفناً من مكة مغسولاً بماء زمزم، لتحتفظ به وتُكفّن به حين موتها.



