تعاني الغوطة الشرقية بريف دمشق، التي تعد رئة العاصمة، من سوء الخدمات الأساسية وغياب خطط إعادة الاعمار، بعدما حولها النظام المخلوع إلى رماد وهياكل أبنية موحشة.
تعرضت الغوطة لقصف بشتى أنواع الأسلحة منذ العام 2012، نتيجة موقفها المعارض لنظام الأسد، إلى أن استطاع الأخير السيطرة عليها وتهجير عدد من أهلها عامي 2017 و2018.
وانتقل نظام الأسد إلى حرب أخرى لم يستخدم فيها عتاده العسكري، إنما تهميش المنطقة وحرمانها من الخدمات، وفي أفضل الأحوال تخصيص مبالغ مالية محدودة لبلدياتها، لم تكفها لإزالة القمامة من الطرقات.
ما يزال أهالي الغوطة الشرقية يدفعون فاتورة الحرب، على الرغم من إسقاط النظام، بلدات مدمرة ومهملة على أطراف العاصمة، تنتظر خطط التعافي لتعود الحياة إلى غوطة دمشق.
كانت في أسوأ حالاتها
عاد محمود الصالح (43 عاماً) إلى الغوطة الشرقية عام 2019، بعد إصلاح منزله "المعفش" من قبل جيش النظام السابق والميليشيات الرديفة، رغم سوء الخدمات.
قال محمود، في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا"، إن الأشهر الأولى لعودة السكان عقب انتهاء المعارك عام 2018، كانت "صعبة"، نتيجة السواتر الترابية وركام الأبنية التي أغلقت الطرقات ومخلفات الحرب المنتشرة، خاصة في الأحياء التي تعرضت في نهاية الحملة العسكرية للقصف.
وأوضح عضو المكتب التنفيذي في بلدية حرستا، حسام البيروتي، أن النظام بشار الأسد المخلوع كان يضع مخصصات مالية لبلديات الغوطة الشرقية من موازنة الدولة، لكنها كانت ضئيلة، ولا تكاد تكفي لترحيل القمامة.
وأضاف البيروتي، في حديثه لموقع "تلفزيون سوريا"، أن البلدية كانت تؤمن بعض الخدمات الأساسية من مواردها الخاصة كالرخص والمخالفات التي لا تدخل في الموازنة، أو عن طريق الحصول على دعم من منظمات دولية أو مجموعات محلية تريد تقديم بعض المساعدات.
لكن هذه الموارد يذهب قسم منها لجيوب المسؤولين، لذلك كانت المدينة "بأسوأ واقع يمكن أن تعيشه مدينة على الإطلاق"، وفق تعبير البيروتي.
وضع بلدة حمورية لم يكن أفضل حالاً، بحسب ما أوضحه رئيس مجلسها غياث غنافر لموقع "تلفزيون سوريا".
وذكر غنافر أنه من بين 4 إلى 6 مشاريع كانت تقدم للمحافظة كان يتم الموافقة على مشروع واحد وفي حالات نادرة اثنين، وغالباً تكون مشاريع لجمع القمامة.
أما مشروع تأمين مياه الشرب رغم أهميته فلم تتم الموافقة عليه، فالشبكة بحاجة لاستبدال، والكهرباء كانت تصل لمدة ساعة واحدة فقط خلال اليوم، أي ما كان يصل إلى صندوق البلدية "من الجمل إدنو" وفق تعبير غنافر، رغم الحاجات الكبيرة للبلدة.
مخاطر صحية وبيئية
ضعف عمليات إصلاح وترميم الخدمات الأساسية خاصة الصرف الصحي وترحيل القمامة في منطقة تعرضت لدمار كبير كالغوطة الشرقية له انعكاس سلبي على صحة السكان.
الطبيبة المقيمة في الغوطة الشرقية رشا حيدر، قالت لموقع تلفزيون سوريا: الدمار الواسع ودمار البنية التحتية أدى إلى اختلاط مياه الشرب مع مياه الصرف الصحي في بعض الأماكن، لا سيما التي تضررت كثيراً، وهذا ساهم في انتشار أمراض مثل التيفوئيد والكوليرا، وفي بعض الأماكن يكون الصرف الصحي مكشوفاً، وهذا يزيد من انتشار الأمراض.
وأشارت الطبيبة رشا إلى أن طريقة معالجة النفايات في المناطق المدمرة عبر حرقها، يؤثر بشكل مباشر على الرئتين، وهذه الأبخرة السامة تزيد من نسب حدوث الأمراض الرئوية وسرطان الرئة.
وعلى المدى البعيد لا شك أن المواد الكيماوية في الذخائر التي استخدمها النظام السابق على الغوطة الشرقية، ستؤثر على المنتجات الزراعية ومستهلكيها مستقبلا كما حدث في الكوارث المشابهة، وفق الطبيبة.
الغوطة الشرقية تعرضت لموجات قصف عنيفة بين الأعوام 2012 و2018، من قبل نظام الأسد وروسيا والميليشيات الرديفة، أبرزها كان استهدافها بصواريخ محملة برؤوس كيميائية في 21 آب 2013، أتبعها بهجمة أخرى في نيسان 2018، إلى جانب ذخائر من أسلحة مختلفة بعضها محرم دولياً.
لا تزال تعاني من غياب الخدمات
تعد الغوطة رئة مدينة دمشق وسلتها الغذائية منذ القدم، لكن سنوات القصف والحصار حرمت الفلاحين من زراعة أراضيهم، وتبع ذلك إهمال نظام الأسد لها بعد سيطرته عليها، وحملات قطع عشوائية لأشجارها من قبل ميليشياته.
الصحفي المختص في قضايا البيئة زاهر هاشم، قال لموقع تلفزيون سوريا، إن أنقاض المباني تترك آثاراً سلبية كبيرة على البيئة وصحة الإنسان، إذ تحتوي الخرسانة الإسمنتية ومواد البناء والإكساء والطلاء على عناصر كيميائية تضر بالتربة والهواء والمياه.
كما ينتج عن القصف واستخدام المتفجرات والذخائر مخلفات حربية تحتوي على مواد كيميائية سامة ومعادن ثقيلة مسرطنة، مثل التنغستين والزئبق والرصاص، و تحتاج إلى طرق معقدة للمعالجة والتخلص الآمن منها.
تُلوث المواد الكيميائية الناتجة عن أنقاض المباني المدمرة ومخلفات الحرب، جعل التربة غير صالحة للزراعة، ويمكن أن تصل هذه الملوثات إلى المياه الجوفية، كما يمكن أن تمتصها المحاصيل الزراعية من خلال التربة أو المياه الملوثة، وتصل إلى جسم الإنسان عن طريق تناولها مباشرة أو تناول لحوم الحيوانات التي تغذت عليها، وفق هاشم.
وإمكانية اختلاط مياه الصرف الصحي مع مياه الري أو تسربها في الأراضي الزراعية أو مجاري الأنهار، بسبب تضرر المنشآت ومحطات معالجة الصرف الصحي وتوقفها، يؤدي إلى تلوث المحاصيل الزراعية.
ويمكن أن يتم التلوث وفق هاشم بشكل خارجي من خلال ملامسة المياه الملوثة للمحاصيل خصوصاً المحاصيل السطحية (مثل الطماطم والخس والملفوف)، ما قد يعرض لخطر الأمراض مثل الكوليرا، أو من خلال امتصاص النباتات للمياه الملوثة وهو ما يؤثر على جودتها ويسبب خسائر كبيرة للمزارعين.
وينعكس هذا التلوث على مدينة دمشق أيضاً بسبب تدني جودة المحاصيل وتلف كميات كبيرة من المواد الغذائية ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتهديد الأمن الغذائي.
محاولات للنهوض
تتوالى شكاوى سكان الغوطة الشرقية من سوء الخدمات، في الوقت الذي تواجه فيه الحكومة الجديدة تحديات على مستويات مختلفة، وتعمل البلديات منذ سقوط النظام السابق النهوض بواقع الخدمات، بالتعاون مع المجتمع المحلي.
عضو المكتب التنفيذي في بلدية حرستا، حسام البيروتي، ذكر أنهم يعملون في المرتبة الأولى على موضوع المخططات التنظيمية الموجودة للمدينة والموافق عليها، من أجل عملية إعادة الإعمار، سواء تم ذلك من قبل شركات دولية كبيرة أو شركات محلية.
وبدرجة أقل يعملون على تأمين وتنظيم وترشيد الخدمات الأساسية من مياه وصرف صحي وكهرباء، إلى جانب القضاء على الفساد الموجود في مختلف القطاعات، والاستجابة والتعاون مع المنظمات التي بدأت تعمل في المدينة عبر التنسيق معها، وإعداد إحصائيات ودراسات للمشاريع، منها ترميم البيوت.
إزالة الأنقاض
وتبحث البلدية عن مصادر دعم وتمويل لمشاريع تدوير الردم أو إزالته وترحيله، وبالنسبة لمشكلة القمامة، تنسق البلدية مع مديرية خاصة للقمامة تتبع لمحافظة ريف دمشق لتنظيم ذلك وتنفيذه بالطريقة الأفضل، وفق البيروتي.
مجلس بلدية حمورية، أعد خطة لتنفيذ مشاريع خدمية على رأسها نفق خدمات (الصرف الصحي وشبكة المياه وشبكة الكهرباء وشبكة الهاتف) بطول 7 كيلومترات، ويمتد على 15 شارعاً في البلدة، ثم تغطيته بقميص أسفلتي، وبانتظار موافقة الجهات الداعمة، ويجري التجهيز لمشاريع أخرى، بحسب غياث غنافر.
وتتراوح شدة نقص الخدمات في الغوطة الشرقية بين المدن والبلدات، فهناك مدن كعربين ودوما سبقت نظيرتها من المدن، إما نتيجة وجود دمار أقل أو حملات الدعم الشعبي من تجار هذه المدن، الذين ساهموا إما في شراء آليات أو تنفيذ مشاريع خدمات أساسية.


