رأس "الأسد".. آخر عنقود الحرب

تاريخ النشر: 11.07.2018 | 00:07 دمشق

آخر تحديث: 18.07.2018 | 12:34 دمشق

مع اقتراب الحرب من نهايتها في (سوريا المفيدة)، يتحسّس الفرقاء رؤوسهم، ويبدّلون مواضعهم ليس على الجانب الواحد فحسب؛ بل يتقافز بعضهم إلى الضفة الأخرى ليشتري موتاً مؤجلاً بآخر معجّل.

ولعلّ أول المتساقطين في خريف الحرب السورية هم بعض مقاتلي (المعارضة) الذين انحازوا إلى معسكر العدو وانضووا في (الفيلق الخامس) أملاً بسلامة غير مضمونة، إذ أنهم وقود الجبهات الساخنة والضحايا غير المأسوف عليهم في سجلات أحد، فلا ناعي ولا بواكي لهم عند جمهور الفريقين، فهم عند الأول إرهابيون تائبون قسراً، وعند الثاني خائنو عهدٍ وخافرو ذمة.

وليست الميليشيات المحلية والأجنبية التي شكلها النظام أو استقدمتها إيران بأفضل حالاً،

الحبة الأكبر في العنقود والتي بدأ الدبور الروسي بمصّها مع دخول خريف الحرب، فهي الحليف الإيراني، صاحب (التضحيات) الأكبر والطموح الأعلى على الأرض السورية.

فبعد إطلاق يدها في تنفيذ المهام القذرة وارتكاب جرائم الحرب، بدا جلياً قصقصة أجنحتها وتحجيم صلاحياتها والقضاء على مكتسباتها، لتطويعها وفق مستجدات الحالة أو التخلص منها ومن سجلها الأسود.

أما الحبة الأكبر في العنقود والتي بدأ الدبور الروسي بمصّها مع دخول خريف الحرب، فهي الحليف الإيراني، صاحب (التضحيات) الأكبر والطموح الأعلى على الأرض السورية، فحتى وإن لم تحقق مفاوضات الجنوب السوري نجاحاً بينّاً في طرد إيران – وفق الاشتراط الأمريكي الإسرائيلي- إلا أن روسيا وضعت إيران على الطاولة كورقة تفاوض، ما يُظهر بوضوح وجلاء تام من هو السيد ومن هو التابع في سلّم المحتلين.

ولأن النظام يعي بأن مصلحته وبقاءه مرتبط كلياً بإيران وليس بروسيا، خرج متحدثون باسمه ليعلنوا رفضهم مقترحات وطلبات روسية بإخراج القوات الأجنبية من الجنوب، متحدِّين إرادة روسيا ومعلنين أن الوجود الإيراني (شرعي) وغير قابل للمساومة!

موقف النظام يشي بوضوح بترتيب أولوياته في التبعية، وبوصلته تشير إلى جهة البقاء وحسب، ذلك الذي لا تضمنه روسيا في مرحلة ما بعد الحرب، بل ستجد نفسها مضطرة لإدخاله في نص المفاوضات السرية لا العلنية، بينها وبين أمريكا ترامب، وأوروبا التي لن تدفع قرشاً واحداً لإعادة الإعمار بوجود بشار الأسد.

ومَن يحتاج مجرم حربٍ بعد الحرب؟!.. التجربة السورية نفسها تحت الانتداب الفرنسي تقول بوضوح إن المحتل يستخدم (الرؤساء) الذين يعينهم لتمرير قراراته وتطبيع احتلاله، أو يتخلص منهم، والمنطق والبراغماتية تقضي بالتخلص من الرئيس العبء بعد انقضاء المصلحة.

يروي لنا التاريخ السوري أن ثمانية رؤساء (غير الرؤساء المؤقتين) تناوبوا على سدة رئاسة سوريا تحت الانتداب الفرنسي بين عامي 1922 و 1946، (الانتداب بدأ عام 1920 إلا أن المحتل الفرنسي لم يعين رئيساً سورياً إلا في العام 1922)، وتُظهر المدة القصيرة لحكم هؤلاء الرؤساء (من عام واحد إلى ثلاثة على الأكثر)، أن الرئيس تحت الاحتلال لا يملك أمره ولا أمر بلده ولا حتى أمر حياته، ففرض الفرنسيون الشيخ تاج الدين الحسني في ثلاث فترات رئاسية نظراً لقربه منهم،

إن روسيا تريد تبييض احتلالها أمام العالم واستدرار أمواله لإعادة بناء مستعمرتها الجديدة.

وكانوا يضطرون لإزاحته تحت ضغوط الوطنيين، ليعيدوا الانتخابات إلى دائرة التزوير ويفرضوا رئيساً بقوة حراب الجنود السنغال، وعندما ترجح كفة رئيس وطني مثل هاشم الأتاسي فإنهم يضطرونه للاستقالة بإظهار عجزه أمام مواطنيه عن إنجاز وعود الاستقلال، ليبقى المندوب السامي الفرنسي هو الحاكم الفعلي الأوحد والمتحكم بمصير الشعب والرؤساء معا.

ومع بُعد التشبيه والتمثيل بين معظم رؤساء سوريا الوطنيين تحت الانتداب الفرنسي، وبين مجرم الحرب بشار الأسد، فإن الكفة تميل بالمطلق إلى التخلص منه مع نهاية الخريف التي أزفت، إذ إن روسيا تريد تبييض احتلالها أمام العالم واستدرار أمواله لإعادة بناء مستعمرتها الجديدة، وكل ذلك لا يستوي بوجود العقبة الكأداء، التي لن يجد بوتين كبير عثرة في إزاحتها، انتحاراً أو اغتيالاً أو نفياً في أحسن الأحوال.   

رأس "الأسد" سيكون نهاية خريف الحرب، إلا أنه لن يكون بحال من الأحوال بداية ربيع الحرية، كما تتوهم روسيا، فالأثمان جميعها دُفعت من أجل حرية كاملة الصفات واضحة المعالم، لا محتل فيها ولا مستبد.